فهرس الكتاب

الصفحة 1188 من 1465

وبالسند قال:

744 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) : المنقري (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) : بكسر الزاي وتخفيف التحتية العبدي (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) : بضم العين وتخفيف الميم (بْنُ الْقَعْقَاعِ) : بفتح القافين وسكون العين المهملة بينهما الضبي.

(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) : بضم الزاي هرم على الصحيح بن عمر البجلي.

وتقدم الكلام عليهم في باب الجهاد من الإيمان.

(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُتُ) : بفتح التحتية وضم الكاف.

وحكى الكرماني أنه في رواية: بضم التحتية من الإسكان على أن الهمزة للصيرورة؛ أي: صار ذا سكوت كاغد البعير صار ذا غدة.

قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت اسكت.

(بَيْنَ التَّكْبِيرِ) : أي: تكبير الإحرام (والْقِرَاءَةِ) : أي: للفاتحة (إِسْكَاتَةً) : بوزن إفعالة وهذا ظاهر على رواية يُسكت بضم التحتية وأما على رواية فتحها فعلى خلاف القياس وهو مما ناب فيه المصدر المزيد عن المجرد عكس قوله تعالى:

ج 2 ص 552

{وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح:17] .

(قَالَ) : أبو زرعة (أَحْسِبُهُ) : أي: أظن أبا هريرة (قَالَ هُنَيَّةً) : أي: بدل إسكاتة.

قال العيني: أي قال أي أبو زرعة قال أبو هريرة: بدل إسكاته هنية هذه رواية عبد الواحد بن زياد بالظن، ورواه جرير عند مسلم وغيره وابن فضيل عند ابن ماجه وغيره بلفظ: سكت هنية بغير تردد وإنما اختار البخاري رواية عبد الواحد لوقوع التصريح فيها بالتحديث في جميع الإسناد كما ذكرنا.

وأما هُنَيْئَة: ففيه أوجه الأول بضم الهاء وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة.

قال ابن قرقول: كذا عند الطبري ولا وجه له وعند الأصيلي وابن الحذاء وابن السكن هَنيهة بالهاء المفتوحة وهو الوجه الثاني.

قلت: وهو رواية الكشميهني ورواية إسحاق الحميدي في (( مسنديهما ) )عن جرير.

الوجه الثالث قاله النووي: هُنَيّة بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همز ومن همزها فقد أخطأ.

قلت: ذكر عياض والقرطبي أن أكثر رواة مسلم بالهمزة.

وقال النووي: أصلها هنوة فلما صغرت صارت هنيوة فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.

وفي (( الموعب ) )لابن البناني: هنية هي اليسير من الشيء ما كان. انتهى.

ومعناها هنا الزمن اليسير.

(فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي) : قال العيني: الباء تتعلق بمحذوف إما اسم فيكون تقديره أنت مفدّى بأبي وأمي وإما فعل فالتقدير فديتك بأبي وأمي وحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به.

وفيه تفدية الشارع بالآباء والأمهات وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين فيه مذاهب أصحها نعم بلا كراهة وثانيها المنع وذلك خاص به وثالثها يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم.

(يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ) : بكسر الهمزة والرفع على الابتداء للأكثرين. قاله في (( الفتح ) ).

وتعقبه العيني: فقال قال بعضهم: وهو بالرفع على الابتداء ولم يبين خبره والصحيح أنه بالنصب على أنه مفعول فعل مقدر؛ أي: أسألك إسكاتك ما تقول فيه أو منصوب بنزع الخافض أي ما تقول في إسكاتك انتهى.

وأقول: الخبر على قول صاحب (( الفتح ) )مذكور وهو جملة ما تقول ولعله ترك بيانه لظهوره وليس على ما اختاره حذف.

ومعلوم أنه إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه فعدم الحذف أولى غاية ما فيه أنه فيه ارتكاب حذف العائد إلى المبتدأ على غير قياس.

وفي رواية المستملي والسرخسي: (( أسكوتك ) )والمشهور في روايتهما أنه بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام ولم يبين أحد من الشراح أنه مرفوع أو منصوب.

والظاهر: أنه منصوب بنزع الخافض والأصل أفي سكوتك ما تقول وفي رواية الحميدي ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة، ولمسلم: أرأيت سكوتك (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ) ، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (( وبين القراءة ) ).

(مَا تَقُولُ) : أي: فيه، فما الاستفهامية في محل نصب بتقول والتركيب يفيد أن هناك قولًا ولعله عرفه بحركة الفم أو اللحية الشريفة أو الهمس ولا تنافي بين السكوت، والقول فيه لأن المراد به ترك الجهر لا ترك الكلام أصلًا.

ونقل ابن بطال عن الشافعي: أن سبب هذه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة ثم اعترضه بأن حديث أبي هريرة يرد على العلة التي علل بها الشافعي وبأنه لو كان كذلك لكان الجواب أسكت لكي يقرأ من خلفي.

وأجاب ابن المنير: بأنه لا يلزم من كونه أخبره بصفة ما يقول أن لا يكون سبب السكوت ما ذكر.

وقال في (( الفتح ) )أخذًا من ابن الملقن هنا: وهذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي ولا عن أصحابه، إلا أن الغزالي قال في (( الإحياء ) ): إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح.

وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام.

وفي وجه إن فرغها قبله بطلت صلاته، والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت الإمام بين الفاتحة والسورة، وهو الذي حكاه عياض وغيره عن الشافعي، وقد نص الشافعي على أن المأموم يقول دعاء الافتتاح كما يقوله الإمام، والسكتة التي بين الفاتحة والسورة ثبت فيها

ج 2 ص 553

حديث سمرة عند أبي داود وغيره. انتهى.

أقول: وكلام الحنفية يقتضي أنه إن أتى بهذه السكتة ناسيًا يجب عليه سجود السهو وإن أتى بها عمدًا يجب عليه إعادة الصلاة ما دام الوقت باقيًا فإنهم ذكروا من الواجبات عدم تأخير الفرض كترك قعود قبل ثانية ورابعة فجلوس الاستراحة عند الشافعية إذا كان بقدر أداء ركن يجب فيه سجود السهو إن فعله سهوًا وإعادة الصلاة في الوقت إن فعله عمدًا وفي هذه السكتة تأخير السورة اللازم منها تأخير الركوع فإن قرأ في هذه السكتة قرأنا سرًا اندفع تأخير الفرض لكن يكون تاركًا لوجوب الجهر إذا كان إمامًا.

ثم رأيت العيني صرح بذلك فقال: تحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بين القراءة والركوع بالتأني وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة ولكن حد هذه السكتة قدر ما يقع به الفصل بين القراءة والركوع حتى إذا طال جدًا فإن كان عمدًا يكره وإن كان سهوًا يجب عليه سجدة السهو لأن فيه تأخير الركن.

وقد كان بعض الفضلاء من أئمة الشافعية يفعلها ويقتدي به كثير من الحنفية فذكرت له ذلك فتركها مراعاة للخلاف جزاه الله عن إنصافه خيرًا.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَقُولُ) : أي: فيه سرًا فلا ينافي أنه يسكت فيه إسكاتة (اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) : قال في (( الفتح ) ): المراد بالمباعدة محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهو مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموضع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل وكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية.

وقال الكرماني: كرر لفظ بين لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: ويرد عليه قوله بين التكبير وبين القراءة.

وأقول: إن ذلك غير وراد؛ لأن كلام الكرماني في لزوم تكرارها وتكرارها في قوله بين التكبير وبين القراءة غير لازم، بل هو على خلاف القياس للتأكيد على أن بين سقطت هناك في بعض الروايات كما مر والخطايا جمع خطيئة بالهمز ويجوز قلبه ياء الذنوب وفيها خمس إعلالات مقررة في كتب التصريف.

(كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) : ما مصدرية (اللَّهُمَّ نَقِّنِي) : بتشديد القاف (مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى) : بالبناء للمفعول (الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) : متعلق بينقى.

والدَنَس: بفتحتين الوسخ.

قال ابن دقيق العيد: لما كان الوسخ في الثوب الأبيض أظهر منه في غيره من الألوان وقع التشبيه به. انتهى.

وأقول: ولأن زواله منه كذلك والتنقية من خطايا الإنسان كغسله.

(اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) : البَرَد: بفتحتين معروف كالثَلْج بفتح المثلثة وسكون اللام.

قال الكرماني: فإن قلت: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر كذلك.

قلت: قال محيي السنة: معناه طهرني من الذنوب وذكرهما مبالغة في التطهير لا أنه يحتاج إليهما.

قال الخطابي: هذه أمثال ولم يرد بها أعيان هذه المسميات وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ولم تمتهنهما باستعمال فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراد من تطهير الذنوب أو الثوب.

وقال التوربشتي: ذكر أنواع المهمات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا يخلص من الذنوب إلا بها؛ أي: طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث.

وقال الطيبي: يمكن أن يقال ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة والتركيب من باب رأيته متقلدًا سيفًا ورمحًا؛ أي: اغسل خطاياي بالماء أي: اغفرها وزد على الغفران شمول الرحمة طلب أولًا المباعدة بينه وبين الخطايا ثم طلب ما عسى أن ينفي شيئًا منها تنقية تامة ثم سأل ثالثًا بعد الغفران غاية الرحمة تحلية بعد التخلية.

أقول: الأقرب أن يقال جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم؛ لأنها مستوجبة لها بحسب وعيد الشارع قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن:23] فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في الإطفاء وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى ما هو أبرد منه وهو الثلج ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد بدليل جموده لأن ما هو أبرد فهو أجمد وأما تثليث الدعوات فيحتمل أن يكون نظرًا إلى الأزمنة الثلاثة فالمباعدة للمستقبل والتنقية

ج 2 ص 554

للحال والغسل للماضي. انتهى.

وقال العيني: ذكر البخاري لهذا الحديث في هذا الباب دليل على أنه يرى الاستفتاح بهذا وقد اختلف الناس فيما تستفتح به الصلاة فأبو حنيفة وأحمد يريان الاستفتاح بما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه فأبو داود عن حسين بن عيسى حدثنا طلق بن غنام حدثنا عبد السلام بن حرب الملاء عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوراء عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة قال: (( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) )والترمذي وابن ماجه من حديث حارثة بن أبي الرجاء عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ ) )نحوه.

وأبو الجوراء: بالجيم والراء واسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري. انتهى.

ثم أطال في ذكر طرق هذا الحديث وشواهده ودفع ما يرد عليه وذكر بعض أحاديث التوجه فليراجع لمريد الاطلاع.

فإن قلت: كيف دعا صلى الله عليه وسلم بمباعدة خطاياه وغسلها بالماء والثلج والبرد وليس له خطايا.

قلت: هذا الدعاء صدر منه صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع والمبالغة في إظهار العبودية أو تعليمًا لأمته.

وفيه دليل على مشروعية دعاء الافتتاح خلافًا لمالك في المشهور عنه ويحصل عند الشافعي به وبغيره من الفاضل الدعاء الواردة في الأخبار. ولكن الأفضل: وجهت وجهي ... إلخ.

وقال العيني: وعندنا لا يستفتح إلا بسبحانك اللهم إلى آخره، وأما الأدعية الواردة في هذا الباب فإن أراد يدعو بها في آخر صلاته بعد الفراغ من التشهد في الفرض وأما باب النفل فواسع وكل ما جاء من هذه الأدعية فمحمول على صلاة الليل.

وقال ابن بطال: لو كانت هذه السكتة مما واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم لنقلها أهل المدينة عيانًا وعملًا فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعلها في وقت ثم تركها فتركها واسع.

وقال صاحب (( التوضيح ) )الحديث ورد بلفظ: (( كان إذا قام إلى الصلاة ) )، وبلفظ: (( كان إذا قام يصلي تطوعًا ) )، وبلفظ: (( كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة ) ): قال وكان هنا يشعر بالمداومة عليه.

قلت إذا ثبتت المداومة يثبت الوجوب ولم يقل به أحد. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت