فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 1465

(1) (باب فَضْلِ الْعِلْمِ) أي: شرفه ومزيته على غيره (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وفي رواية أبي ذر: وقولِ بالجر

ج 1 ص 390

عطفًا على المضاف إليه في قوله: باب فضل العلم في رواية من أثبت الباب أو على العلم في قوله: كتاب العلم على رواية من حذفه.

وقال الحافظ ابن حجر: ضبطناه في الأصول بالرفع عطفًا على كتاب أو على الاستئناف. انتهى.

وتعقبه العيني بقوله: إن أراد بالاستئناف الجواب عن السؤال فلا يصح؛ لأنه ليس في الكلام ما يقتضي هذا وإن أراد ابتداء الكلام فذا لا يصح أيضًا؛ لأنه على تقدير الرفع لا يتأتى الكلام؛ لأن قوله: (( وقول الله ) )ليس بكلام فإذا رفع لا يخلو إما أن يكون رفعه بالفاعلية أو بالابتداء وكل منهما لا يصح أما الأول فواضح وأما الثاني فلعدم الخبر.

فإن قلت: الخبر محذوف.

قلت: حذف الخبر لا يخلو إما أن يكون جوازًا أو وجوبًا فالأول فيما إذا قامت قرينته وهي وقوعه في جواب الاستفهام عن المخبر به أو بعد إذ الفجائية أو يكون الخبر فعل قول وليس شيء من ذلك هنا والثاني فيما إذا التزم في موضعه غيره وليس هذا أيضًا كذلك فتعين بطلان دعوى الرفع. انتهى.

كذا نقله القسطلاني ساكتًا عليه.

وأقول: هذا مما يقضى منه العجب؛ لأن الحافظ استند في ذلك إلى الرواية الصحيحة في الأصول ووجه الرفع فيها بوجهين الأول العطف على كتاب والثاني الاستئناف.

وما تعقب به العيني على فرض تسليمه إنما هو الاستئناف، فإذا بطل أحد وجهي الرفع على دعواه بقي الوجه الآخر، فكيف يحكم بتعين بطلان دعوى الرفع، بل اللازم عليه توجيه الرواية حيث صحت على أن حصره جواز حذف الخبر فيما ذكره من القرائن الثلاث غير مسلم، فقد تكون القرينة السياق أو السباق أو نحو ذلك، فإن حذف الخبر جوازًا اشترطوا فيه مطلق القرينة، ولم يعولوا فيه على قرينة مخصوصة، فليتأمل.

(وقول الله تعالى [1] : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ) يرفع مجزوم في جواب فانشروا؛ أي: انهضوا لما أمرتم به وما في اليونينية من ضبط يرفع بالرفع فقد أصلحه بكشط الرفع وإثبات الكسر لالتقاء الساكنين.

و {دَرَجَاتٍ} : قال الكرماني: مفعول به ليرفع وفيه نظر؛ لأنه ليس من الأفعال التي تنصب مفعولين.

اللهم: إلا أن يضمن معنى يبلغ أو يعطي أو يمنح.

وقال أبو البقاء: في قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة:253] درجات حال على تقدير ذا درجات أو مصدر في موضع الحال أو مصدر منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال ورفعنا بعضهم رفعات أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: على درجات أو في درجات فلما حذف حرف الجر وصل الفعل بنفسه. انتهى.

وأضعف هذه الوجه الأخير لعدم اطراد حذف حرف الجر ونصب ما بعده في غير أن وإن ويحتمل وجهًا خامسًا وهو النصب على التمييز المحول عن المفعول والأصل يرفع الله درجات الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم.

وزاد السمين في درجات في هذه الآية وجهين آخرين وهو أن تكون درجات بدل اشتمال عن بعضهم؛ أي: بتقدير رابط؛ أي: درجات لهم وأن تكون مفعولًا به على التضمين المتقدم في حمل كلام الكرماني والمعنى يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوه درجات في دنياهم تدل على الفضل وذلك بعلو المنزلة وحسن الصيت ورفعة الشأن وفي الآخرة إذا عملوا بعلمهم وهي كثرة الثواب الذي يتسبب عنه علو المنزلة في الجنة فقد جاء في كثير من الآثار أن درجات العلماء تتلو درجات الأنبياء ودرجات أصحابهم.

قال ابن عباس: درجات العلماء فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام.

وقال البيضاوي: يرفع الله الذين آمنوا منكم

ج 1 ص 391

بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة والذين أوتوا العلم درجات؛ أي: ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره وفي الحديث: (( فضل العالم على العابد كفضل القمر على ليلة البدر على سائر الكواكب ) ). انتهى.

وروى ابن وهب عن مالك قال: سمعت زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى: (( {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء} [الأنعام:83] ، قال: بالعلم ) ).

وفي (( صحيح مسلم ) )عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أما إن نبيكم قد قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين ) ).

( {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} ) تهديد لمن لم يمتثل الأمر أو استكرهه (وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {رَبِّ} ) وللأصيلي: ( {زِدْنِي عِلْمًا} ) قال البيضاوي: أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال فإن ما أوحي إليك تناله لا محالة. انتهى.

وقال البغوي: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} أي: بالقرآن ومعانيه، وقيل: علمًا إلى ما علمت، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني إيمانًا ويقينًا.

قال في (( الفتح ) ): وهذه الآية واضحة الدلالة على فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم والمراد به العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته والعلم بالله تعالى وصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب رضي الله تعالى عن مصنفه.

واكتفى المؤلف في بيان فضل العلم بهاتين الآيتين؛ لأن القرآن العظيم أعظم الأدلة، أو لأنه لم يقع له حديث من هذا النوع على شرطه، أو اخترمته المنية قبل أن يلحق بالباب حديثًا يناسبه؛ لأنه كتب الأبواب والتراجم ثم كان يلحق فيها ما يناسبها في الحديث على شرطه، فلم يقع له شيء من ذلك، ولو لم يكن من فضيلة العلم إلا قوله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران:18] الآية.

فبدأ جل وعلا بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأولي العلم، وناهيك بهذا شرفًا والعلماء ورثة الأنبياء كما ثبت في الحديث، وإذا كان لا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة وهي العلم، إذ الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وأما حديث (( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) )فقد نص السخاوي في (( المقاصد الحسنة ) ): أنه لم يثبت.

وفي (( تفسير البغوي ) ): عن أبي كثير بن قيس أنه قال: (( كنت مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا، قال: ولا جئت لتجارة، قال: لا، قال: ولا جئت إلا فيه؟ قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من سلك طريق علم سهل الله له طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن السماوات والأرضين والحوت في الماء لتدعو له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة البدر، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر ) ).

وفيه أيضًا ما ذكره بسنده إلى ابن عمرو: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه فقال: كلا المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلمًا ثم جلس فيهم ) ). انتهى.

لكن غاية العلم العمل؛ لأنه ثمرته وفائدة العمر وزاد الآخرة فمن ظفر به سعد ومن فاته خسر ويظهر من هذا أن العمل أفضل من العلم به إذ شرفه بشرف معلومه، والعمل بلا علم لا يسمى عملًا بل هو رد وباطل وينقسم العلم بانقسام المعلومات وهي لا تستقصى،

ج 1 ص 392

لكنها ترجع إلى قسمين شرعية وغير شرعية والشرعية لا تكون إلا محمودة؛ لأن المراد بها ما يستفاد من الأنبياء ولا يرشد العقل إليه كالحساب ولا التجربة كالطب، ولا السماع كاللغة فالمحمود ما يرتبط به مصالح الدنيا كالطب والحساب، وأما المذموم فنحو علم السحر والشعبذة، وأما المباح فنحو العلم بالأشعار التي لا سخف فيها.

وأما الشرعية؛ فعلى قسمين أيضًا ظاهر وباطن، فأما الظاهر: فالمراد به: العلم الشرعي الذي يلزم المكلف من أمر دينه عبادة ومعاملة وهو التفسير والحديث والفقه ويلحق بها آلاتها.

ومن ثم عد العز ابن عبد السلام وغيره: تعلم النحو وحفظ غريب الكتاب والسنة وتدوين أصول الفقه ونحو ذلك من البدع الواجبة.

وأما الباطن: فهو نوعان الأول علم المعاملة وهذه غير المعاملة المار ذكرها في العلم الشرعي الظاهر فإن تلك معاملة مع الخلق وهذه معاملة مع الحق.

قال القسطلاني: وهو أي: علم المعاملة من هذا النوع فرض عين في فتوى علماء الآخرة فالمعرض عنه هالك بسيف سطوة ملك الملوك في الآخرة كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدين وحقيقته النظر في تصفية القلب وتهذيب النفس باتقاء الأخلاق الذميمة التي ذمها الشارع كالرياء والعجب والغش وحب العلو والثناء والفخر والطمع ليتصف بالأخلاق الحميدة المحمدية كالإخلاص والشكر والصبر والزهد والتقوى والقناعة ليصلح عند إحكامه ذلك عمله بعلمه ليرث علم ما لم يعلم فعلم بلا عمل وسيلة بلا غاية وعكسه جنايه وإتقانهما بلا ورع كلفة بلا أجرة فأهم الأمور زهد واستقامة لينتفع بعلمه وعمله وسأشير إلى نبذ منثورة في هذا الكتاب من مقاصد هذا النوع إن شاء الله تعالى بألطف إشارة وأعبر عن مهماته الشريفة بأرشق عبارة جمعًا لفرائد الفوائد.

وأما النوع الثاني: فهو علم المكاشفة وهو نور يظهر في القلب عند تزكيته فتظهر به المعاني المجملة فتحصل به المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وكتبه ورسله وتنكشف له الأستار عن مخبئات الأسرار، فافهم وسلم تسلم ولا تكن من المنكرين فتهلك مع الهالكين.

قال بعض العارفين: من لم يكن له من هذا العلم شيء أخشى عليه سوء الخاتمة، وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله. انتهى.

وقال بعضهم: من كان فيه خصلتان لم يفتح عليه بشيء من هذا العلم بدعة، أو كبر وهو علم الصديقين والمقربين. انتهى.

ومع ترك هاتين البدعتين لا بد لك من شيخ عارف ناصح يدلك على دسائس النفس والشيطان لتتجنبها ويسلك بك طريق القوم الموصلة إلى الرحمن.

وفي كتاب العارف بالله تعالى الشيخ محي الدين ابن عربي من ذلك ما يكفي ويشفي فإنها بحر لا تكدره الدلاء وسحاب تتقاصر عنه الأنواء، فعليك بها إن كنت من أهلها، وإلا فـ (( إحياء علوم الدين ) )لحجة الإسلام الغزالي، فإن فيه مقنعًا لطالب الآخرة، واستعن على ذلك بالإكثار من ذكر هاذم اللذات، فإنه ما ذكر في كثير من الأمل إلا قلله، ولا في قليل من العمل إلا كثره إن كنت ممن يريد سلوك نهج النجاة، وورود عين ماء الحياة، وسعى في إنقاذ نفسه من الدمار والردى، وسلك سبل أرباب التوفيق والهدى.

~ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

[1] يوجد مكانها بياض في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت