فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 1465

(6)(باب مَا جَاءَ فِي الْعِلْمِ. وَقَوْلِ الله تَعَالَى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا})قد تقدم الكلام على الآية في أول كتاب العلم فلا حاجة إلى إعادته ولم يذكر لهذه الترجمة

ج 1 ص 405

حديثًا وهي ساقطة في أكثر النسخ، وفي رواية ابن عساكر والأصيلي وأبوي ذر والوقت، وإسقاطها أولى لأنها مكررة مع قوله في أول كتاب العلم باب فضل العلم (باب الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ) وسقط في بعض النسخ، وعلى المحدث متنازع فيه لكل من المصدرين فأعمل الثاني لقربه.

قال في (( الفتح ) ): إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص؛ لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره ولا يقع العرض إلا بالقراءة؛ لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته فهو أخص من القراءة وتوسع فيه بعضهم، فأطلقه على ما إذا حضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته، وأذن له أن يرويه عنه من غير أن يحدثه به أو يقرأه الطالب عليه، والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا الإطلاق، وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم، ولهذا بوب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن وهو البصري، ثم أسنده إليه بعد أن علقه، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك موصولًا أنهما سويا بين السماع من العالم والقراءة عليه. انتهى.

فإن قلت: إذا كان المراد بالعرض هنا عرض القراءة لا عرض المناولة فكيف عطف المؤلف العرض على القراءة والعطف يقتضي المغايرة؟.

قلت: عطف العرض على القراءة من عطف التفسير وهو لا يقتضي المغايرة إلا بحسب المفهوم فقط وهاهنا الأمر كذلك؛ لأن العرض المراد للمؤلف هنا متحد ذاتًا مع القراءة مختلف مفهومًا.

قال الكرماني: وفائدته الإشعار بأنه جامع لهذين الاسمين. انتهى.

واعتبر في (( الفتح ) )المغايرة بالعموم والخصوص واعترضه العيني بما فيه طول ولا يخلو عن نظر ثم إن وجه المناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن المذكور في الباب الأول قراءة الشيخ والمذكور في هذا الباب القراءة عليه والسماع عليه.

قال العيني: وهذه مناسبة قوية.

وقال الشيخ قطب الدين: لما ذكر البخاري في الباب الأول قراءة الشيخ وهو قوله: باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا عقب بهذا الباب فذكر القراءة على الشيخ والسماع عليه فقال باب القراءة والعرض على المحدث وكان من حقه أن يقدم هذا الباب على باب قول المحدث ثنا ونا؛ لأن قول المحدث حدثنا وأخبرنا فرع عن تحمله هل كان بالقراءة أو بالعرض أو يقول باب قراءة الشيخ ثم يقول باب القراءة على المحدث؟.

قلت: كلامه مشعر ببيان المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبل الباب السابق على هذا الباب وهو باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وحق المناسبة هو الذي يكون بين البابين المتواليين كما ذكرناه الآن.

وقوله: وكان من حقه ... إلخ، ليس كذلك بل الذي رتبه هو الحق؛ لأنا قد قلنا أن المذكور في الباب السابق هو قراءة الشيخ وفي هذا الباب القراءة على الشيخ وقراءة الشيخ أقوى والأقوى يستحق التقديم. انتهى.

وأقول: يمكن توجيه كلام الشيخ قطب الدين بأن هذين البابين في حكم باب واحد؛ لأن حديثهما واحد والاختلاف بينهما يسير جدًا فكان الباب الثاني من توابع الأول على أنه يحسن أيضًا إبداء المناسبة بين بابين وإن لم يتواليا إذا جمعهما كتاب ولو كان وضع المصنف على ما ذكره الشيخ قطب الدين؛ لكان له وجه أيضًا والنكات لا تتزاحم، فليتأمل.

(وَرَأَى الْحَسَنُ) البصري (وسفيان) الثَّوريُّ (وَمَالِكٌ) بن أنس إمام دار الهجرة (الْقِرَاءَةَ) أي: قراءة الطالب على المحدث وهو يسمع

ج 1 ص 406

(جَائِزَةً) أي: في صحة النقل عنه خلافًا لأبي عاصم النبيل وعبد الرحمن بن سلام الجمحي ووكيع، والمعتمد الأول، بل صرح القاضي عياض بعدم الخلاف في صحة الرواية بها.

قال في (( الفتح ) ): وقد انقرض الخلاف في أن القراءة على الشيخ لا تجزئ، وإنما كان يقوله بعض المشددين من أهل العراق.

وروي عن إبراهيم بن سعد قال: لا تدعون تنطعكم يا أهل العراق العرض مثل السماع.

وبالغ بعض المدنيين وغيرهم في مخالفتهم فقالوا: إن القراءة على الشيخ أرفع من السماع من لفظه، ونقله الدارقطني في (( غرائب مالك ) )عنه، ومثله الخطيب بأسانيد صحيحة عن شعبة وابن أبي ذؤيب ويحيى القطان، واعتلوا بأن الشيخ لو سها لم يتهيأ للطالب الرد عليه.

وعن أبي عبيد قال: القراءة علي أثبت لي وأفهم من أن أتولى القراءة أنا والمعروف عن مالك كما نقله عنه، وعن سفيان وهو الثوري أنهما سواء، والمشهور الذي عليه الجمهور أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه ما لم يعرض عارض تصير القراءة أولى.

ومن ثم كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات لما يلزم من تحرز الشيخ والطالب. انتهى.

(قال أبو عبد الله) أي: المؤلف (سمعت أبا عاصم) هو الضحاك بن مخلد الشيباني البصري الحافظ الزاهد الملقب بالنبيل قال عن نفسه: ما دلست قط ولا اغتبت أحدًا منذ عقلت تحريم الغيبة، مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين عن تسعين سنة وستة أشهر (يذكر عن سفيان الثوري ومالك) بن أنس (أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزين) وفي رواية أبي ذر: أي: القراءة؛ لأن السماع لا نزاع في جوازه، وقد كان الإمام مالك يأبى أشد الإباء على المخالف ويقول: كيف لا يجزئك هذا في الحديث ويجزئك في القرآن والقرآن أعظم.

وقال بعض أصحابه: صحبته سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ (( الموطأ ) )على أحد بل يقرؤون عليه.

(وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي) صحة (الْقِرَاءَةِ عَلَى) الشيخ (الْعَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ) بكسر الضاد المعجمة وثَعلَبة بالمثلثة ثم المهملة وبعد اللام موحدة.

قال في (( الفتح ) ): المحتج بذلك هو الحميدي شيخ البخاري قاله في كتاب (( النوادر ) )له كذا قال بعض من أدركته وتبعته في (( المقدمة ) )ثم ظهر لي خلافه وإن قائل ذلك أبو سعيد الحداد.

أخرجه البيهقي في (( المعرفة ) )من طريق ابن خزيمة قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قال أبو سعيد الحداد عندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم فقيل له فقال قصة ضمام بن ثعلبة قال: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. انتهى.

فليس في المتن الذي ساقه البخاري بعدُ من حديث أنس في قصة ضمام أن ضمامًا أخبر قومه بذلك وإنما وقع ذلك من طريق أخرى ذكرها أحمد وغيره من طرق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس قال: (( بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة ) )فذكر الحديث بطوله وفي آخرها: (( أن ضمامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: إن الله تعالى قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ) ). انتهى.

(أنه) ثبتت للأصيلي وأبي ذر، وسقطت لغيرهما (قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: آللَّهُ) بهمزة الاستفهام وقلب همزة الوصل بعدها ألفًا وإنما لم تسقط هنا كما هو شأنها في الوصل؛ لئلا يلتبس الاستخبار بالخبر ولفظ الجلالة مبتدأ وجملة قوله: (أَمَرَكَ) خبره (أَنْ) أي: بأن (تصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخمس) بتاء المثناة من فوق، وفي فرع اليونينية: أن نصلي بنون الجمع والمآل واحد؛ لأن ما ثبت له يثبت لأمته إلا ما دل الدليل على أنه خاص به، وفي رواية أبوي ذر والوقت

ج 1 ص 407

عن الكشميهني: بالإفراد على إرادة الجنس.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) أي: أمرني أن أصلي أو أن تصلوا (قَالَ) أي: ذلك البعض الذي هو أبو سعيد الحداد على ما صححه في (( الفتح ) ) (فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الأصيلي كما في (( الفتح ) ): (( فهذه قراءة على العالم ) ) (أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ) المذكور الذي سأله للنبي صلى الله عليه وسلم من الأمر بالصلاة وما عطف عليها (فَأَجَازُوهُ) أي: قبلوه وليس في الرواية الآتية من حديث أنس في قصته أنه أخبر قومه بذلك، لكن روي ذلك من طريق أخرى عند أحمد كما تقدم عن (( الفتح ) ).

(وَاحْتَجَّ) الإمام (مَالِكٌ بِالصَّكِّ) بفتح المهملة وتشديد الكاف الكتاب فارسي معرب يكتب فيه إقرار المقر (يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ) بالبناء للمفعول (فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلاَنٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ) والحال أن ذلك بصيغة القراءة لا بصيغة الإقرار، وفي رواية: فتسوغ الشهادة عليهم بقولهم: نعم بعد قراءة المكتوب عليهم مع عدم تلفظهم بما هو مكتوب.

قال ابن بطال: وهذه حجة قاطعة؛ لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار.

(وَيُقْرَأُ) بالبناء للمفعول (عَلَى الْمُقْرِئِ) أي: المعلم للقرآن (فَيَقُولُ الْقَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلاَنٌ) روى الخطيب البغدادي في (( كفايته ) )من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكًا رحمه الله تعالى، وقد سئل عن الكتب التي تعرض أيقول الرجل: حدثني قال نعم كذلك القرآن أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول أقرأني فلان فكذلك إذا قرأ على العالم صح أن يروي عنه.

وبالسند إلى المؤلف قال: [1]

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام البيكندي (قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ) بفتح الحاء، ابن عمران (الْوَاسِطِيُّ) القاضي بواسط المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة وليس له في البخاري غير هذا (عن عَوف) بفتح العين المهملة، هو ابن أبي جميلة الأعرابي (عَنِ الْحَسَنِ) أي: البصري (قَالَ: لاَ بَأْسَ) أي: في صحة النقل عن المحدث (بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ) .

قال في (( الفتح ) ): وهذا الحديث رواه الخطيب أتم سياقًا مما هنا وأخرج من طريق أحمد بن حنبل عن محمد بن الحسن الواسطي عن عوف الأعرابي: (( أن رجلًا سأل الحسن فقال يا أبا سعيد منزلي بعيد والاختلاف يشق علي فإن لم تكن ترى بالقراءة بأسًا قرأت عليك قال وما أبالي قرأت عليك أو قرأت علي قال فأقول حدثني الحسن قال نعم قل حدثني الحسن ) ).

ورواه أبو الفضل السليماني في كتاب (( الحث على طلب الحديث ) )من طريق سهل بن المتوكل قال: حدثنا محمد بن سلام بلفظ: قلنا هذه الكتب التي تقرأ عليك أيَّ شيء نقول فيها؟ قال: قولوا: حدثنا الحسن. انتهى.

(قَالَ: وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير (بْنُ مُوسَى) العبسي في أكثر ما رأينا من الأصول إثبات الواو بعد قال للاستئناف أو للعطف على مقدر، وفي بعضها: بدون قال والواو وهي التي كتب عليها العيني، وفي بعضها: وهي التي كتب عليها القسطلاني، وحدثنا محمد بن يوسف الفربري وحدثنا محمد بن إسماعيل البخاري وحدثنا عبيد الله، وهذه الزيادة توجد في هامش فرع اليونينية، وليست من كلام البخاري، وإنما هي من كلام بعض من روى عن الفربري عن سفيان الثوري.

(قَالَ: إِذَا قُرِئَ) بالبناء للمجهول، ولأبي الوقت: بالبناء للفاعل، وللأصيلي وابن عساكر: (( إذا قرأت ) )بتاء الخطاب (عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ) على القارئ (أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي) كما جاز أن يقول: أخبرني من باب أولى.

(قَالَ) أي: المؤلف (وَسَمِعْتُ) ولابن عساكر: بغير واو (أَبَا عَاصِمٍ) هو الضحاك السابق آنفًا (يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (وَ) عن (سُفْيَانَ الثوري) أي: ينقل عنهما (الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ) في جواز النقل عنه والرواية نعم استحب مالك القراءة على الشيخ، وروى

ج 1 ص 408

عنه الدارقطني أنها أثبت من قراءة العالم والجمهور على أن قراءة الشيخ أرجح من قراءة الطالب عليه وذهب آخرون إلى أنهما سواء وهو اختيار المؤلف.

قال العيني: اختلفوا في مساواة القراءة للسماع من لفظ الشيخ في الرتبة أو فوقه أو دونه على ثلاثة أقوال:

الأول: أنها أرجح من قراءة الشيخ وسماعه قاله أبو حنيفة وابن أبي ذئب ومالك في رواية وآخرون واستحب مالك القراءة على العالم.

الثاني: عكسه وهو أن قراءة الشيخ بنفسه أرجح من القراءة عليه وهذا ما عليه الجمهور، وقيل: أنه مذهب أهل المشرق.

والثالث: أنهما سواء وهو قول ابن أبي الزناد وجماعة حكاه عنهم ابن سعد، وقيل: أنه مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة ومذهب مالك وأتباعه من علماء المدينة ومذهب البخاري وغيره. انتهى.

[1] في البخاري هذا تتمة تعليق الباب وليس بحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت