وقال ابن المنير: أراد أن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح النية المصححة للعمل فنبه البخاري على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: أن العلم لا يفيد إلا بالعمل تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه.
وقال ابن بطال: العمل
ج 1 ص 428
لا يكون إلا مقصودًا به معنى متقدمًا وذلك المعنى هو علم ما وعد الله عليه من الثواب.
(لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) وللأصيلي: ( {فَاعْلَمْ} ) يا محمد ( {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} فَبَدَأَ) تعالى (بِالْعِلْمِ) أي: حيث قال: (( {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} ) )ثم قال: (( {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ) )والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو متناول لأمته.
واستدل سفيان بن عيينة بهذه الآية على فضل العلم كما أخرجه أبو نعيم في (( الحلية ) )في ترجمته من طريق الربيع بن نافع عنه أنه تلاها فقال: (( ألم تسمع أنه بدأ به فقال: اعلم ثم أمره بالعمل ) ).
والأمر هنا للدوام والثبات كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ} [الأحزاب:1] ؛ أي: دم على التقوى و: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} [النساء:136] وينتزع من الآية: أن التوحيد مما يجب العلم به ولا يجوز فيه التقليد.
وقال الأكثرون: يكفي الاعتقاد الجازم وإن لم يعرف الأدلة وهذا هو المعروف من سيرة السلف ومذهب أكثر المتكلمين: أن إيمان المقلد في أصول الدين غير صحيح.
وقال محيي السنة: يجب على كل مكلف معرفة علم الأصول ولا يسع فيه التقليد لظهور دلائله كذا في العيني.
ووجه المناسبة بين هذا الباب وما قبله من حيث أن المذكور في الباب الأول هو حال المبلغ والسامع والمبلِغ بكسر اللام والمبلَغ بفتحها لا يقدران على التعليم والتعلم إلا بالعلم، وهذا الباب في بيان أن العلم قبل القول والعمل.
(وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) عليهم السلام بفتح همزة (( أَن ) )عطفًا على سابقه ويجوز كسرها على الحكاية، ومن هنا إلى قوله: وآخر طرف من حديث مطول أخرجه الترمذي: عن محمود بن خداش، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن قيس بن كثير، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء عليهم السلام لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) ).
ثم قال: كذا حدثنا محمود، وإنما يروى هذا الحديث: عن عاصم، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء، وهذا أصح من حديث محمود، ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم، وليس إسناده عندي بمتصل.
وفي (( علل الدارقطني ) ): رواه الأوزاعي، عن كثير بن قيس، عن يزيد بن سمرة، عن أبي الدرداء. قال: وليس بمحفوظ.
وقال ابن عبد البر: لم يقمه الأوزاعي وقد خلط فيه.
وقال حمزة: رواه الأوزاعي، عن عبد السلام بن سليم، عن يزيد بن سمرة وغيره من أهل العلم، عن كثير بن قيس، قال أبو عمرو: وعاصم بن رجاء هذا: ثقة مشهور.
وقال الدارقطني: وعاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء ولا يثبت، قال: وداود بن جميل مجهول.
وقال البزار: وداود بن جميل وكثير بن قيس لا يعلمان في غير هذا الحديث، ولا نعلم من روى عن كثير غير داود والوليد بن مرة، ولا نعلم من روى عن داود غير عاصم.
قال ابن القطان: اضطرب فيه عاصم فعنه في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: قول عبد الله بن داود عن عاصم عن داود عن كثير بن قيس.
والثاني: قول أبي نعيم عن عاصم عن من حدثه عن كثير.
والثالث: قول محمد بن يزيد الواسطي عن عاصم عن كثير لم يذكر بينهما أحدًا والمتحصل من علة هذا الخبر هو الجهل بحال راويين من رواته والاضطراب فيه ممن لم تثبت عدالته. انتهى.
كذا في العيني ثم ذكر اضطرابات أخر أوصلها إلى سبعة.
وقال في (( الفتح ) ):
ج 1 ص 429
أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها ولم يفصح المصنف بكونه حديثًا، فلهذا لم يعد في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يشعر بأن له أصلًا، وشاهده في القرآن قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر:32] . انتهى.
وقال السخاوي في (( المقاصد الحسنة ) )حديث: (( العلماء ورثة الأنبياء ) )خرجه أحمد وأبو داود والترمذي وآخرون عن أبي الدرداء به مرفوعًا، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، ولكن له شواهد يتقوى بها، ولهذا قال شيخنا: له طرق يعرف بها: أن للحديث أصلًا. انتهى.
(وَرَّثُوا) بتشديد الراء المفتوحة فالضمير للأنبياء أو بالتخفيف مع الكسر فالضمير للعلماء.
قال في (( الفتح ) ): ويؤيد الأول ما عند الترمذي وغيره فيه: (( وأن الأنبياء لم يرثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم ) ).
وقوله: (الْعِلْمَ) مفعول به على كلا التقديرين.
قال العيني: ويجوز ضم الواو وتشديد الراء المكسورة أيضًا فعلى هذا يكون الضمير للعلماء أيضًا.
(مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النبوة (بِحَظٍّ وَافِرٍ) أي: بنصيب كامل (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ) أي: بالسلوك فيه إن كان المراد طريقًا حسيًا وإن كان المراد به واحد الطرق المعنوية فالباء مثلها في كتبت بالقلم.
(عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) نكرة ونكر علمًا؛ ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية، وليندرج فيه الكثير والقليل، وتسهيل الطريق يكون في الآخرة، ويجوز أن يكون في الدنيا بأن يوفقه الله تعالى للأعمال الصالحة، فيوصله بها إلى الجنة، أو يسهل عليه ما يزيد به عمله؛ لأنه أيضًا من طرق الجنة، بل أقربها.
وفيه بشارة بتسهيل العلوم على طالبيها؛ لأن طلبها من الطرق الموصلة إلى الجنة.
وفي (( مسند الفردوس ) )بسنده إلى سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ارحموا طالب العلم فإنه متعوب البدن، لولا أنه يأخذ بالعجب لصافحته الملائكة معاينة، ولكن يأخذ بالعجب ويريد أن يقهر من هو أعلم منه ) ).
(وَقَالَ) أي: الله عز وجل: ( {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ) هذا في المعنى عطف على قوله لقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد:19] .
المعنى: إنما يخاف الله من عباده العلماء؛ أي: من علم قدرته وسلطانه، وهم العلماء، قاله ابن عباس.
وقال الزمخشري: المراد بالعلماء الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه، وما لا يجوز فعظموه وقدروه حق قدره وخشيوه حق خشيته، ومن ازداد به علمًا ازداد منه خوفًا، ومن كان علمه به أقل كان آمن.
وفي الحديث: (( أعلمكم بالله أشدكم له خشية ) )وعن مسروق: (( كفى بالمرء علمًا أن يخشى وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه ) )وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم فقال: العالم من خشي الله، وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى ظهرت فيه. انتهى.
وقرئ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} برفع لفظة الجلالة ونصب العلماء وهي قراءة عمر بن العزيز [1] وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى.
قال في (( الكشاف ) ): قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة والمعنى إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده.
وقال العيني: كنت حاضرًا أيام اشتغالي درس بعض أشياخي قال: وهو العلامة أبو الروح شرف الدين عيسى السرماري، وكان بعض العلماء حاضرًا ذلك الدرس فسأله عن هذه الآية فقال: خشية الله تعالى مقصورة على العلماء بقضية الكلام وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أن الجنة لمن يخشى وهي قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة:8] .
فيلزم من ذلك: أن لا تكون الجنة إلا للعلماء خاصة فسكت جميع من كان هناك من الفضلاء والأذكياء فأجاب الشيخ: بأن المراد من العلماء الموحدون وأن الجنة ليست إلا للموحدين الذين يخشون الله تعالى. انتهى.
وأقول: فيه نظر؛ لأن سوق الآية لمدح العلماء وبيان مزيتهم على غيرهم وإرادة جميع الموحدين من
ج 1 ص 430
لفظ العلماء على تقدير صحته ينافي ذلك، وأيضًا يلزم منه أن كل موحد يخشى الله تعالى.
والواقع خلافه فإن نحو قطاع الطريق ومرتكبي الكبائر كقتل النفس بغير حق والزنا وشرب الخمر وترك الصلاة لو خشوا الله ما ارتكبوها مع أنهم موحدون، والذي يظهر ما ذهب إليه المفسرون أن المراد بالعلماء ما هو المتبادر حقيقة اللفظ وهم المتصفون بالعلم من أهل التوحيد، ولو كان المراد مطلق أهل التوحيد لقيل: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون.
وقوله: فيلزم من ذلك أن لا تكون الجنة إلا للعلماء خاصة غير مسلم، فإن نظم الآية الكريمة: {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة:8] .
وجنات: جمع منكر في الإثبات، فلا عموم له؛ ليلزم اختصاص من خشي بجميع الجنات على أنه يمكن إرجاع اسم الإشارة في قوله: {ذَلِكَ} إلى الرضوان المفهوم من: {رَّضِيَ} ؛ أي: ذلك الرضوان لمن خشي ربه، فالعجب من المحقق العيني كيف نقل هذا البحث عن شيخه مسلِّمًا له متبجحًا به؟.
ووجه إدخال هذه الآية في الترجمة: أن الباب معقود في العلم وتقديمه والآية في مدح العلماء ولم يستحقوا هذا المدح إلا بالعلم.
(وَقَالَ تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43] ) أي: ما يعقل الأمثال المضروبة إلا العلماء الذين يعقلون عن الله وروى جابر رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا هذه الآية قال العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ) )ووجه إدخالها في الترجمة ما تقدم في الآية السابقة.
( {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10] ) هذا حكاية عن قول الكفار حين دخولهم النار؛ أي: لو كنا نسمع إنذار الرسل سماع طالب للحق أو نعقله عقل متأمل وإنما حذف مفعول نعقل؛ لأنه نزل منزلة اللازم، والمعنى: لو كنا من أهل العلم لما كنا من أهل النار.
وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: (( لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر ما يعقل يعبد ربه ) ).
وروى أنس رضي الله عنه مرفوعًا: (( إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر وإنما يرتفع العباد غدًا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم ) ).
وقال في (( الكشاف ) ): إنما جمع بين السمع والعقل؛ لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ومناسبة هذه الآية للترجمة من حيث أن المراد من العقل هو العلم.
(وَقَالَ) تعالى ( {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] ) قال في (( الكشاف ) )أراد بـ (( الذين يعلمون ) )العاملين من علماء الديانة كأنه جعل من لم يعمل غير عالم وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ويتفننون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء.
ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون. انتهى.
وقال القاضي البيضاوي: نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم.
وقيل: تقرير للأول على سبيل التشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. انتهى.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) فيما وصله المؤلف بعد بابين (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدين) أي: يفهمه إذ الفقه في اللغة الفهم قال تعالى: {يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:28] ؛ أي: يفهموا من فقه يفقه من باب علم، ثم خص به علم الشريعة والعالم به يسمى فقيهًا وجاء فقُه بالضم فقاهة ويفقهه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم وأخرجه ابن أبي عاصم بهذا اللفظ في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا بإسناد حسن.
ج 1 ص 431
(وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) أي: ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم والتعليم فيفهم منه أن العلم لا يطلق إلا على علم الشريعة ولهذا لو أوصى رجل للعلماء لا يصرف إلا على أصحاب الحديث والتفسير والفقه وهذا يحتمل أن يكون من كلام البخاري، كذا في الكرماني.
لكن قال في (( فتح الباري ) ): هو حديث مرفوع أيضًا أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضًا بلفظ: (( يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )إسناده حسن؛ لأن فيه مبهمًا اعتضد بمجيئه من وجه آخر.
وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفًا، ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعًا وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري. انتهى.
(وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة فيما وصله الدارمي في (( مسنده ) )وغيره من حديث أبي مرثد: (( لما قال له رجل والناس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه ألم تنه عن الفتيا فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت علي لو وضعتم ) )فذكره ورواه أحمد بن معين، عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد، عن أبيه، قال: (( جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: والله لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى حلقه على أن أترك كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنفذتها قبل أن يكون ذلك ) ).
قال في (( الفتح ) ): وإن الذي نهاه عن الفتيا عثمان رضي الله عنه وكان سبب ذلك أنه كان بالشام واختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة:34] ، فقال معاوية: في أهل الكتاب خاصة.
وقال أبو ذر: (( نزلت فيهم وفينا فكتب معاوية إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر فحصلت منازعة أدت على انتقال أبي ذر عن المدينة فسكن الرَبَذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة إلى أن مات ) )رواه النسائي.
وفيه دليل: على أن أبا ذر كان لا يرى طاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا؛ لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه كما تقدم، ولعله أيضًا سمع الوعيد في حق من يكتم علمًا يعلمه. انتهى.
(لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) بفتح المهملتين؛ أي: السيف الصارم الذي لا ينثني، أو الذي له حد واحد (عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في شرح اليونينية، وفي غيره: وهو مقصور يذكر ويؤنث.
(ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ) بضم الهمزة وكسر الفاء وبالذال المعجمة (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: .
)صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضم التاء الفوقية وكسر الجيم وبعد الياء زاي من أجاز الشيء إذا أنفذه وجاز الوادي إذا قطعه؛ أي: قبل أن تقطعوا عني وأراد به قبل أن تقطعوا رأسي.
وقال الصغاني: التركيب يدل على قطع الشيء.
قال العيني: ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (( فأكون أول من يجيز على الصراط ) )أي: أول من يقطع مسافة الصراط.
(لأنفَذْتُهَا) بفتح الهمزة والفاء وسكون الذال المعجمة وإنما فعل هذا حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثواب وهو يعظم مع المشقة واستشكل الإتيان هنا بـ (( لو ) )لأنها لامتناع الثاني لامتناع الأول وحينئذ فيصير مفاد الكلام انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع وليس المعنى عليه.
وأجيب: بأن (( لو ) )هنا لمجرد الشرط يعني أن حكمها حكم أن من غير أن يلاحظ الامتناع، أو أن المراد أن الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع فعلى تقدير عدمه أولى على حد: (( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) )، وفيه: الحث
ج 1 ص 432
على تعليم العلم واحتمال المشقة فيه والصبر على الأذى طلبًا للثواب.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) أي: (حُلمَاء) جمع حليم باللام، وفي رواية: بالكاف جمع حكيم (فُقَهَاءَ) جمع فقيه من الفقه، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (علماء) جمع عالم.
قال في (( الفتح ) ): قد فسر ابن عباس الرباني بأنه الحليم الفقيه، ووافقه ابن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في (( غريبه ) )عنه بإسناد صحيح.
وقال الأصمعي والإسماعيلي: الرباني نسبة إلى الرب؛ أي: الذي يقصد قصد ما أمره الرب بقصده من العلم والعمل.
وقال ثعلب: قيل: للعلماء ربانيين؛ لأنهم يربون العلم؛ أي: يقومون به وزيدت الألف والنون للمبالغة.
والحاصل: أنه اختلف في هذه النسبة أإلى الرب أو إلى التربية والتربية على هذا للعلم، وعلى ما حكاه البخاري بقوله:
(وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ) لمتعلميه، والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله وبكباره ما دق منها.
وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته أو فروعه قبل أصوله أو مقدماته قبل مقاصده وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم: رباني حتى يكون عالمًا معلمًا عاملًا فإن حرم خصلة منها لم يقل له رباني.
وقال العيني: وعند الطبري عن ابن زيد الربيون الأتباع والربانيون الولاة والربيون الرعية.
وعن الأزهري: هم أرباب العلم الذين يعلمون ما يعلمون وقال أبو عبيد: سمعت رجلًا عالمًا بالكتب يقول الربانيون العلماء بالحلال والحرام، وقيل: هم العلماء الصبر، وقيل: ليس الربيون من لغة العرب وإنما هي سريانية أو عبرانية.
وحكي عن بعض اللغويين: أن العرب لا تعرف الرباني وإنما فسره الفقهاء وقال القزاز: وأنا أرى أن يكون عربيًا. انتهى.
فإن قلت: ما تقدم هو الترجمة فأين ما ترجم له قلت: كما في (( الفتح ) )وغيره إما أنه أراد أن يلحق الأحاديث المناسبة فعاقه عن ذلك عائق، وإما أنه لم يثبت في ذلك عنده حديث على شرطه، وإما لأنه اكتفى بما ذكره تعليقًا؛ لأن المقصود من الباب بيان فضيلة العلم ويعلم ذلك من المذكور آية وحديثًا وإجماعًا سكوتيًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بحيث انتهى إلى حد الضرورة، فلم يحتج إلى الزيادة أو لسبب آخر. انتهى.
[1] لعل الصواب: (( عبد العزيز ) ).