فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 1465

(9) (بَابٌ) : بالتنوين (هَلْ يُدْخِلُ) : بضم التحتية (الْجُنُبُ) : ومثله الحائض والنفساء (يَدَهُ فِي الإِنَاءِ) : الذي فيه ماء اغتساله (قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا) : أي: اليد بماء خارج الإناء ليرتفع حدثها (إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ) : بالذال المعجمة؛ أي: شيء مستكره من نجس أو غيره (غَيْرُ الْجَنَابَةِ؟) : أي: المعنوية لا الحسية التي هي المني؛ فإنها تغسل قبل إدخالها لدخولها في القذر حتى عند من يقول بطهارة المني.

وظاهر صنيع المؤلف: أنه لا يمتنع عليه أن يدخلها قبل غسلها بالشرط المذكور، وبه صرح المهلب كابن بطال فقال: أشار البخاري إلى أن يد الجنب إذا كانت نظيفة جاز له إدخالها الإناء قبل أن تغسل؛ لأنه ليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب كونه جنبًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (( سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ) ).

قال العيني: قوله: (( غير الجنابة ) ): يشعر بأن الجنابة نجس وليس كذلك؛ لأن المؤمن لا ينجس كما ثبت ذلك في (( الصحيح ) ). وقال بعضهم: (( غير الجنابة ) ): أي: حكمها لأن أثرها مختلف فيه فدخل في قوله: (( قذر ) ).

قلت: لم تدخل الجنابة في القذر أصلًا؛ لأنها أمر معنوي لا يوصف بالقذر حقيقة فما مراد هذا القائل من قوله: أي: حكمها؟ فإن كان الاغتسال فلا دخل له هنا، وإن كان النجاسة فقد قلنا: إن المؤمن لا ينجس وكذا إذا كان مراده من قوله: لأن أثرها؛ أي: المني فهو طاهر في زعمه. انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) )بقوله: من لا يفهم أن المراد النجاسة الحكمية التي عند الغسل ولم يعه يسقط الكلام معه وترديده المذكور يغني سماعه عن تكلف الاشتغال به. انتهى

(وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ) : ابن الخطاب (وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، يَدَهُ) : بالإفراد؛ أي: أدخل كل منهما يده (فِي الطَّهُورِ) : بفتح الطاء؛ أي: الماء الذي يتطهر به (وَلَمْ يَغْسِلْهَا) : أي: لم يغسل اليد واحد منهما (ثُمَّ تَوَضَّأَ) : أي: كل منهما

ج 1 ص 763

ولأبي الوقت:: بالتثنية على الأصل.

قال الكرماني: وفي بعض النسخ: (( يديهما ولم يغسلاهما ثم توضآ ) ): على التثنية في الكل. وأثر ابن عمر وصله سعيد بن منصور بمعناه، لكن روى عبد الرزاق عنه أنه كان يغسل يده قبل التطهر.

قال في (( الفتح ) ): ويجمع بينهما بأن ينزلا على حالين فحيث لم يغسل كان متيقنًا أن لا قذر في يده، وحيث غسل كان ظانًا أو متيقنًا أن فيها شيئًا أو غسل للندب وترك للجواز. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: كيف يكون تركه للجواز إذا كان بيده قذر؟ وإذا لم يكن فلا يضر فلم يحصل التوفيق بينهما بما ذكره. انتهى.

وأقول: قد فسر في (( الفتح ) ): القذر بما يعم النجس والطاهر فيحمل غسل اليد تارة وتركه على ما إذا كان القذر طاهرًا فيحصل الجمع بين الروايتين بما ذكره.

وأما أثر البراء فقد وصله ابن أبي شيبة بلفظ: أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها.

وقال ابن الملقن: وأما ما رواه ابن ابي شيبة عن ابن عمر قال: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي منه نجس، فمحمول على أنه كان بيده قذر غير الجنابة، وإلا فهو معارض لما روى البخاري عن ابن عمر. انتهى.

قال العيني بعد ذكره له: وهذا الأثر من أقوى الدلائل لمن ذهب من الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل. انتهى.

أي: لأن الأصل بقاؤه على إطلاقه والحمل على أنه كان بيده قذر غير الجنابة خلاف الظاهر. ولكن هذه رواية عن الإمام أبي حنيفة وصح رجوعه عنها. وعزا ابن الملقن قول ابن عمر والبراء إلى سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين وعطاء وسالم.

وقال العيني: وحكم هذا الأثر: جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها نجاسة حقيقية. وقال الشعبي: كان الصحابة يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب وكذا النساء ولا يفسد ذلك بعضهم على بعض. وروي نحوه عن ابن سيرين وعطاء وسالم وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن جبير وابن المسيب. انتهى.

وإدخال من ذكر أيديهم غير مقيد بنية الاغتراف

(وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ) : أي: يترشش (مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ) : في الإناء الذي يغتسل منه لطهارة الماء الذي ينتضح وإن كان غير طهور بعد انفصاله عن العضو واستقراره في محل يلحقه حكم التطهير ولمشقة الاحتراز عنه.

قال العيني: وجه مطابقة هذا الأثر بالتعسف [كما] يأتي وهو من حيث أن الماء الذي يدخل الجنب يده فيه لا تنجسه إذا كانت طاهرة فكذلك انتشار الماء الذي يغتسل به الجنب في إنائه؛ لأن في تنجيسه مشقة ألا ترى كيف قال الحسن البصري: ومن يملك انتشار الماء؟ فإنا لنرجو من رحمة الله تعالى ما هو أوسع من ذلك؟

أما أثر ابن عمر فوصله عبد الرزاق بمعناه. وأما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة عن حفص عن العلاء بن المسيب عن حماد عن إبراهيم عن ابن عباس في الرجل يغتسل من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله؟ فقال: لا بأس به، وهو منقطع فيما بين إبراهيم وابن عباس. وروي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي والحسن فيما حكاه ابن بطال عنهم.

ويقرب من ذلك ما روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في من كان يصلي فانتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم فإنه لا يفسد صلاته، بل ينصرف ويغسل ذلك ويبني على صلاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت