قال العيني: وجه المناسبة بينه وبين ما قبله من حيث إن المذكور في الباب الأول: أن الأعمال بالنيات، وأنها لا تقبل إلا إذا كانت ابتغاء لوجه الله تعالى مع ترك الرياء والعمل على هذا الوجه من جملة النصيحة لله تعالى، والنصيحة (لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم أيضًا حيث أتى بعمله على وفق ما أمر به الرسول مجتنبًا عما نهاه عنه. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وهذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب ولم يخرجه مسندًا في هذا الكتاب؛ لكونه على غير شرطه ونبه بإيراده على سلامته في الجملة وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل على ما تضمنه.
وقد أخرجه مسلم قال: حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا سفيان قال قلت لسهيل بن أبي صالح إن عَمْرًا حدثنا عن القعقاع عن أبيك بحديث ورجوت أن تسقط عني رجلًا؛ أي: فتحدثني به عن أبيك قال فقال: سمعته من الذي سمعه منه أبي كان صديقًا له بالشام وهو عطاء بن يزيد عن تميم الداري: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة قلنا لمن قال لله عز وجل ) )الحديث.
ورواه مسلم أيضًا من طريق روح بن القاسم قال حدثنا سهيل بن عطاء بن يزيد أنه سمعه وهو يحدث أبا صالح فذكره أورده ابن خزيمة من حديث جرير عن سهيل أن أباه حدث عن أبي هريرة: (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا ) )الحديث قال فقال عطاء بن يزيد سمعت تميمًا الداري يقول: فذكر حديث الدين النصيحة وقد روي حديث الدين النصيحة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة
ج 1 ص 385
وهو وهم من سهيل أو ممن روى عنه لما بيناه.
قال البخاري في (( تاريخه ) ): لا يصح إلا عن تميم ولهذا الاختلاف عن سهيل لم يخرجه في (( صحيحه ) )بل لم يحتج فيه بسهيل أصلًا وللحديث طرق دون هذه في القوة. انتهى.
وقوله: (( الدين النصيحة ) )يحتمل أن يحمل على المبالغة؛ أي: معظم أمور الدين النصيحة كما قيل في حديث: (( الحج عرفة ) )ويحتمل أن يحمل على ظاهره؛ لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين وأصل النصيحة مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه بالمنصحة وهي الإبرة والمعنى أنه لمَّ شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين والتوبة تخيطه.
وقال المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع شبه تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط.
وفي (( المحكم ) ): النصح نقيض الغش نصح له ونصحه ينصح نصحًا ونصوحًا ونصاحة ونصاحة.
وفي (( الصحاح ) ): هو باللام أفصح.
وفي (( الغريبين ) ): نصحته قال أبو زيد: أي: صدقته.
وقال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له وهي من وجيز الكلام بل ليس في الكلام كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة عن معنى ما جمعت من خير الدنيا والآخرة لله تعالى والنصح لله تعالى يرجع إلى الإيمان به ونفي الشريك عنه وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الجلال والكمال وتنزيهه تعالى عن النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه والاعتراف بنعمته وشكره عليها.
قال المازري: وحقيقة هذه النصيحة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فإنه تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين.
وروى النووي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة صاحب علي كرم الله وجهه أنه قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله! من الناصح لله؟ قال: الذي يقدم حق الله على حق الناس. انتهى.
وأقول: لعل المراد من الناس هنا نفسه فيكون من إطلاق العام مرادًا به الخاص كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} [آل عمران:173] ، فإن المراد بالناس: الأول نعيم بن مسعود الأشجعي في قول كثير من المفسرين، فيؤول المعنى إلى الذي يقدم حق الله على حق نفسه، وإلا فحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة.
والنصيحة (لرسوله) صلى الله عليه وسلم ترجع إلى التصديق برسالته والإيمان بجميع ما جاء به وتعظيمه ونصرته حيًا ونصرة دينه ميتًا وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه والاقتداء به في أقواله وأفعاله ومحبته ومحبة آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه وهذه أيضًا ثمرتها راجعة إلى العبد نفسه كما تقدم عن المازري في التي قبلها.
والنصيحة (لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وتنبيههم عند الغفلة برفق وسد خلتهم عند الهفوة وجمع الكلمة عليهم ورد القلوب النافرة عنهم إلى طاعتهم.
قال العارف بالله تعالى الشيخ محي الدين ابن عربي في (( الفتوحات المكية ) ): اعلم أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء وقلوب الملوك بيد الله كذلك يقبضها عنا إذا شاء ويعطفها علينا إذا شاء ليس لهم من الأمر شيء فاعذروهم وادعوا لهم ولا تقعوا فيهم فإنهم نوَّاب الله تعالى في عباده وهم من الله تعالى بمكان فاتركوا ولاته تعالى له يعاملهم كيف شاء إن شاء
ج 1 ص 386
عفا عنهم فيما قصروا وإن شاء عاقبهم فهو أبصر بهم وعليك بالسمع والطاعة لهم وإن كان من ولي عليك عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف للحديث الوارد في ذلك. انتهى.
ومن جملة: (أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) أئمة الاجتهاد في الدين والنصيحة لهم ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم وسلوك الأدب معهم فيما اختلفوا فيه وترك الاعتراض عليهم فيما لم يظهر للناظر فيه دليل فإن الدليل قد يكون خفيًا لا يطلع عليه إلا الراسخون في العلم
والنصيحة (لعامتهم) بالشفقة عليهم والسعي فيما يعود نفعه عليهم وتعليمهم وكف وجوه الأذى عنهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها إلى غير ذلك من وجوه النفع ويستفاد من هذا الحديث أن الدين يطلق على العمل؛ لأنه سمى النصيحة دينًا وعلى هذا المعنى بنى المصنف أكثر كتاب الإيمان، وإنما أورده هنا ترجمة ولم يذكره في الباب مسندًا؛ لكونه ليس على شرطه كما تقدم ووصله مسلم عن تميم الداري وزاد فيه: (( النصيحة لكتاب الله تعالى ) ).
وذلك يقع بتعلمه وتعليمه وإقامة حروفه في التلاوة وتحريرها على طبق الرسم المذكور فيها في الكتابة وتفهم معانيه وحفظ حدوده والعمل بما فيه إلى غير ذلك ثم إن النصيحة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه فإن خشي فهو في سعة، فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يبينه بائعًا كان أو أجنبيًا ويجب على الوكيل والشريك والخازن النصح، كذا في العيني.
أقول: في قوله: إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ... إلخ نظر.
فقد قال الشهاب ابن حجر في (( شرحه على الأربعين النووية ) ): إن شرط وجوب النصيحة أن يأمن من لحوق ضرر له في نفسه أو نحو ماله لا العلم بقبول نصحه لما صرحوا به من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن علم أنه لا يسمع له. انتهى.
وفي (( الفتح ) ): وهذا الحديث من الأحاديث التي قيل فيها أنها أحد أرباع الدين وممن عده فيها الإمام محمد بن أسلم الطوسي.
وقال النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله؛ لأن الدين منحصر في الأمور التي تعلقت بها النصيحة. انتهى.
ثم ذكر المصنف آية يعضد بها الحديث فقال: (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) ولأبي الوقت: ، ولأبي ذر: ( {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ) الظرف متعلق بليس في أول الآية، وهي {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:91] ؛ أي: بالإيمان والطاعة في السر والعلانية أو بما قدروا عليه فعلًا أو قولًا يعود على المسلمين بالصلاح.