56 -وبه قال:
(حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح الكاف أبو اليمان (بْنُ نَافِعٍ) الحمصي (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي: ابن أبي جمرة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن شهاب أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، عن أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) المدني أحد العشرة المبشرين بالجنة.
(أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي: أن سعدًا أخبر ولده عامر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ) مخاطبًا لسعد (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ) ولكن الحكم عام له ولغيره بالقياس عليه، أو الخطاب عام لكل من يتأتى منه الإنفاق، كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ} [الأنعام:27] .
(نَفَقَةً) مفعول به لتنفق،
ج 1 ص 382
والمراد بها الجزء المخرج من مال المنفق.
فقول العيني: أنها مفعول مطلق فيه نظر؛ لكونها اسم عين لا مصدر، اللهم: إلا أن يجعلها اسم مصدر بمعنى الإنفاق بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (تَبْتَغِي) أي: تطلب (بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) فإن ابتغاء وجه الله تعالى لا يكون بنفس المال المنفق بل بإنفاقه، إذ الإنفاق من عمل الشخص لا نفس المال، فليتأمل.
ونكر النفقة لتعم الكثيرة والقليلة، والجملة صفة لنفقة، أو حال من ضمير تنفق، والياء للسببية، وتحتمل المقابلة، ومعنى على وفي، والوجه من المتشابهات التي افترقت الأمة فيها فرقتين مفوضة ومؤولة.
قال الكرماني: وألحق التفويض والوقف على إلا الله في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران:7] . انتهى.
أقول: في إطلاقه لفظ ألحق على التفويض المقتضي أن مقابله وهو التأويل باطل، فماذا بعد الحق إلا الضلال نظر ظاهر، إذ لا يقدم على تضليل أرباب التأويل الصحيح إلا مجازف، وهو مذهب الخلف من الأمة، ولاسيما وقد بلغ غاية الاشتهار، وصار مسلمًا عند أولي الأبصار
قولهم: أن مذهب السلف أسلم. ومذهب الخلف أحكم، فما قيل فيه: أنه أحكم كيف يعبر بما يوهم أنه باطل، فكان عليه أن يقول: والأرجح التفويض على أن ابن الهمام اختار في المسألة قولًا ثالثًا مركبًا من القولين، وهو أن ما يسبق منه إلى إفهام العوام أمر مستحيل، فالمختار فيه مذهب الخلف دفعًا لذلك الوهم، وما ليس كذلك، فالمختار فيه مذهب السلف، ثم إن الوجه هنا على قول المؤولة يراد به الذات، والمعنى: إنك لا تطلب بعملك غير الله تعالى.
وقال العيني: قال الكرماني: الوجه والجهة بمعنى، يقال: هذا وجه الرأي؛ أي: هو الرأي نفسه.
قلت: هذا كلام الجوهري، فإن أراد بذكره أن الوجه هاهنا بمعنى الجهة، فلا وجه له أصلًا، وإن أراد أنه من قبل هذا وجه الرأي، فلا وجه له أيضًا؛ لأنه يقتضي أن تكون لفظة وجه زائدة، وحمل الكلام على الفائدة أولى. انتهى.
وفي كلام بعضهم منسوبًا لأبي حنيفة: أن الوجه صفة من صفاته تعالى.
وفي (( شرح القسطلاني ) ): قال العارف المحقق شمس الدين اللبان المصري الشاذلي: وقد جاء ذكره في آيات كثيرة: فإذا أردت أن تعرف حقيقة مظهره من الصورة، فاعلم أن حقيقته من غمام الشريعة بارق نور التوحيد، ومظهره من العمل وجه الإخلاص {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} [الروم:30] الآية.
ويدل على أن وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} [الإنسان:9] ، وقوله عز وجل: {إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل:20] ، والمراد بذلك كله: الثناء بالإخلاص على أهله تعبيرًا بإرادة الوجه عن إخلاص النية، وتنبيهًا على أنه مظهر وجهه سبحانه وتعالى، ويدل على أن حقيقة الوجه هو بارق نور التوحيد قوله عز وجل: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] ؛ أي: إلا نور توحيده. انتهى.
(إِلاَّ أُجِرْتَ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهَا) ولكريمة وكذا لأبي ذر والأصيلي وابن عساكر كما في اليونينية: (( بها ) )مكان (( عليها ) ).
قال القسطلاني: لكنه ضرب عليها بالحمرة، والاستثناء مفرغ، والفعل بعد إلا مأول بالاسم، أو يقدر قبله اسم، والتقدير: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله في حال من الأحوال إلا في حال كونك مأجورًا
ج 1 ص 383
عليها، أو التقدير إلا نفقة أجرت عليها.
(حَتَّى مَا تَجْعَلُ) بالرفع وما موصولة أو نكرة موصوفة (فِي فم امْرَأَتِكَ) أي: فأنت مأجور عليه، وللكشميهني: من غير ميم وهي رواية الأكثر.
وقال القاضي عياض: وهي الأصوب؛ لأن الأصل حذف الميم بدليل جمعه على أفواه وتصغيره على فويه، وإنما يحسن إثبات الميم عند الإفراد، وأما عند الإضافة فلا يثبت إلا في لغة قليلة، وعند ثبوت الميم فيه يعرب بالحركات الظاهرة، وفيه حينئذ عشر لغات نقصه وقصره وتضعيفه مثلث الفاء فيهن والعاشرة إتباع فائه لميمه وفصحاهُنَّ فتح فائه منقوصًا، كذا في (( شرح الألفية ) )للأشموني وقد نظمتها في بيت واحد زمن مذاكرتي بهذا الكتاب لبعض الطلبة بقولي:
~لغات فم عشر فإن رمت حصرها فدونك بيتًا قد أتت فيه سافره
~فَما وفَمُّ فم بتثليث أول وإتباع فاء ميمه تلك عاشره
وحتى هنا تحتمل العاطفة والابتدائية.
قال الكرماني: حتى هي العاطفة لا الجارة، وما بعدها منصوب المحل؛ أي: لأنه معطوف على نفقة وما موصول والعائد إليه محذوف؛ أي: حتى ما تجعله.
فإن قلت: من أين يستفاد أن ما تجعله في فم امرأتك مأجور فيه؟.
قلت: من حيث إن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف، أو نقول: هي ابتدائية وما تجعل مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: ما تجعل في فيها فأنت مأجور فيه. انتهى.
وقال العيني: حتى هذه ابتدائية أعني حرف يبتدأ بعده الجمل؛ أي: تستأنف فتدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وذلك لأن حتى العاطفة لها شروط منها: أن لا تعطف الجمل؛ لأن شرط معطوفها أن يكون جزءًا مما قبلها أو كجزء منه، ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات على أن العطف بحتى قليل، وأهل الكوفة ينكرونه ألبتة.
وما بعد حتى هاهنا جملة؛ لأن قوله: ما موصولة مبتدأ وخبره محذوف، وكذا العائد إلى الموصول تقديره حتى الذي تجعله في فم امرأتك، فأنت مأجور فيه، ووجه آخر يمنع من كون حتى عاطفة هو أن المعطوف غير المعطوف عليه، فإذا جعلت حتى عاطفة لا يستفاد أن ما تجعل في فم امرأتك مأجور فيه.
فإن قلت: قال الكرماني: يستفاد ذلك من حيث إن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف.
قلت: القيد في المعطوف عليه هو الابتغاء لوجه الله تعالى، والأجر ليس بقيد فيه؛ لأنه أصل الكلام والمقصود في المعطوف حصول الأجر بالاتفاق المقيد بالابتغاء فافهم. انتهى.
وأقول: ما بعد حتى هنا مفرد وهو الاسم الموصول ولا يصير جملة إلا إذا جعل مبتدأ وقدر له خبر والأصل عدم التقدير وكون العطف بها قليلًا غير مسلم على قول البصريين ولئن سلم فلا ينافي الجواز.
وقوله: ووجه آخر يمنع من كون حتى عاطفة هو أن المعطوف غير المعطوف عليه.
فالجواب عنه: أنه لا منع في ذلك؛ لأن المغايرة بالكلية والجزئية كافية في صحة العطف بل هي شرط في العطف بحتى كما قال ابن مالك:
~بعضًا بحتى اعطف على كل ولا يكون إلا غاية الذي تلا
وأما قوله: القيد في المعطوف عليه هو الابتغاء والأجر ليس بقيد.
فالجواب عنه: أنه يلزم من كون الابتغاء لوجه الله تعالى قيدًا أن يكون الأجر أيضًا قيدًا؛ لأنه لازم له لا ينفك عنه، فليتأمل.
وهذا الحديث: قال في (( الفتح ) ): طرف من حديث سعد بن أبي وقاص: في مرضه بمكة وعيادة النبي صلى الله عليه وسلم له وقوله: (( أوصي بشطر مالي ) )الحديث، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا قوله: تبتغي؛ أي: تطلب بها وجه الله.
واستنبط منه النووي: أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه؛ لأن وضع اللقمة في فيِّ الزوجة يقع غالبًا في حالة المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجد القصد في تلك الحالة
ج 1 ص 384
إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله تعالى.
قلت: وجاء ما هو أصرح في هذا المراد من وضع اللقمة وهو ما أخرجه مسلم عن أبي ذر فذكر حديثًا فيه: (( وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في حرام ) ). الحديث.
قال: فإذا كان هذا بهذا المحل مع ما فيه من حظ النفس فما الظن بغيره مما لا حظَّ للنفس فيه؟.
قال: وتمثيله اللقمة مبالغة في تحقيق هذه القاعدة؛ لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير مضطرة فما الظن بمن أطعم لقمًا لمحتاج أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الذي هو من الحقارة بالمحل الأدنى. انتهى.
وتمام هذا أن يقال: إذا كان هذا في حق الزوجة مع مشاركة الزوج لها في النفع بما يطعمها؛ لأن ذلك يؤثر في حسن بدنها وهو ينتفع منها بذلك، وأيضًا فالأغلب أن الإنفاق على الزوجة يقع بمداعبة النفس، بخلاف غيرها فإنه يحتاج إلى مجاهدتها. انتهى.
فالحاصل أن النية الصالحة إكسير الأعمال تقلب العادة عبادة، والقبيح جميلًا فينبغي للعاقل ألا يتحرك حركة إلا لله، فينوي بلبثه في المسجد زيارة ربه تعالى في انتظار الصلاة وينوي عقب كل فريضة انتظار الأخرى ليصير كأنه دائمًا في صلاة، وينوي بأكله وشربه ونومه التقوي على طاعة الله تعالى وينوي بدخوله السوق ذكر الله تعالى بين الغافلين وليس الجهر به شرطًا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأنفاسه حينئذٍ نفائس ولا تزال تتجدد له من التقوى ملابس ونيته خير من عمله، إذ ينال بها من الأعمال ما لم يكن في حسابه وأمله.
وهذا الحديث قطعة من حديث طويل مشهور:
أخرجه المؤلف في الجنائز والمغازي والدعوات والهجرة والطب والفرائض، ومسلم في الوصايا، وأبو داود، والترمذي فيها أيضًا، وقال: حسن صحيح، والنسائي في عشرة النساء، وفي اليوم والليلة.