(19) (باب هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا) يتتبع _ بياء تحتية ثم بمثناتين مفتوحتين ثم موحدة مشددة _ من التتبع، وفي راوية الأصيلي: بضم أوله وإسكان المثناة وكسر الموحدة من الإتباع، والمؤذن بالرفع؛ لأنه فاعل التتبع، وفاه منصوب على المفعولية، وهاهنا وهاهنا ظرفا مكان، والمراد بهما: جهتا اليمين والشمال كما سيأتي في الكلام على الحديث.
وقال الكرماني: لفظ المؤذن بالنصب وفاعله محذوف تقديره الشخص ونحوه وفاه بالنصب بدل من المؤذن قال: ليوافق قوله في الحديث: فجعلت أتتبع فاه. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وليس ذلك بلازم لما عرف من طريقة المصنف أنه لا يقف مع اللفظ الذي يورده غالبًا، بل يترحم ببعض ألفاظه الواردة فيه، وكذا وقع هاهنا، فإن في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند أبي عوانة في (( صحيحه ) ): (( فجعل يتبع بفيه يمينًا وشمالًا ) )، وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي: (( رأيت بلالًا يؤذن يتبع بفيه ) ).
ووصف سفيان يميل برأسه يمينًا وشمالًا والحاصل أن بلالًا كان يتبع بفيه الناحيتين وكان أبو جحيفة ينظر إليه فكل منهما متتبع باعتبار. انتهى.
وأقول: هكذا نقل عبارة الكرماني مقتصرًا على هذا القدر مع أنه لم يقتصر عليه، بل قال: وفي بعضها بالرفع وموافقة الترجمة لحديث الباب أظهر وأنسب من موافقته لما ليس فيه كما لا يخفى، وإن كان ذلك ليس بلازم، فكلا الوجهين جائزان. انتهى.
فحاصل كلامه: أن الأنسب أن تكون الترجمة موافقة لحديث
ج 2 ص 417
الباب فاندفاع كلام صاحب (( الفتح ) )مما ليس فيه ارتياب.
وقال العيني: والحاصل أن بلالًا كان يتبع بفيه الناحيتين، وكان أبو جحيفة ينظر إليه فكل منهما متتبع باعتبار.
(وَهَلْ يَلْتَفِتُ) المؤذن (فِي الأَذَانِ) أي: يمينًا وشمالًا في حيعلتيه بوجهه دون أن يحول صدره عن القبلة ودون أن يزيل قدميه عن مكانهما لا فرق بين المنارة وغيرها.
قال الكرماني: كأنه تفسير لما تقدم عليه يعني قوله: هل يتتبع المؤذن ... الخ.
وأقول: هذا إنما يتم على رواته رفع المؤذن كما لا يخفى، وأما على ما قدمه من نصب المؤذن فلا يصلح تفسيرًا له؛ لأن ذلك في السامع وهذا في المؤذن.
وعلى هذا جرى هنا في (( الفتح ) )فقال: يشير إلى ما قدمناه في رواية وكيع، وفي رواية الأزرق عن سفيان عند النسائي: (( فجعل ينحرف يمينًا وشمالًا ) )، وسيأتي في رواية يحيى بن آدم بلفظ: والتفت. انتهى.
وإنما لم يجزم المصنف بالالتفات للخلاف فيه.
قال ابن الملقن: وكرهه ابن سيرين.
وفي العيني: والمراد من الالتفات أن يلوي عنقه ولا يحول صدره عن القبلة، ولا يزيل قدميه عن مكانهما وسواء المنارة وغيرها، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية.
وقال ابن سيرين: يكره الالتفات وهو وقول مالك إلا أن يريد إسماع الناس.
وقال صاحب (( التوضيح ) )من الشافعية: الالتفات في الحيعلتين سنة ليعم الناس بإسماعه وخصتا بذلك؛ لأنهما دعاء وفي وجه يلتفت يمينًا فيحيعل ثم يستقبل ثم يلتفت فيحيعل وكذلك الشمال، قال: ويلتفت في الإقامة أيضًا على الأصح.
(وَيُذْكَرُ عَنْ بِلاَلٍ: أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ) أي: أنملتيهما من المسبحتين (فِي أُذُنَيْهِ) فهو مجاز مرسل على حد قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} [البقرة:19] ، وذلك ليعينه على زيادة رفع صوته أو ليكون علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد أو على صمم أنه يؤذن.
قال العيني: ذكر هذا التعليق بصيغة التمريض، وقد ذكرنا الآن عن ابن ماجه حديث وفيه: وجعل يعني بلال إصبعيه في أذنيه، وكذا في رواية الطبراني.
وفي كتاب أبي الشيخ من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه ) ).
ومن حديث ابن كاسب: حدثنا عبد الرحمن بن سعد، عن عبد الله بن محمد وعمير وعمار بني حفص، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا أذنت فاجعل إصبعيك في أذنيك فإنه أرفع لصوتك ) ).
وذكر ابن المنذر في كتاب (( الأشراف ) ): أن أبا محذورة جعل إصبعيه في أذنيه.
زاد في (( شرح الهداية ) ): ضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وفي (( المصنف ) )لابن أبي شيبة عن ابن سيرين: أنه كان أذا أذن استقبل القبلة وأرسل يديه فإذا بلغ الصلاة والفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه.
وفي (( الصلاة ) )لأبي نعيم عن سهل أبي أسد قال: من السنة أن تدخل إصبعيك في أذنيك، وكان سويد بن غفلة يفعله، وكذا ابن جبير وأمر به الشعبي وشريك.
قال ابن المنذر: وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وقال مالك: ذلك واسع.
وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم في الأذان، وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة أيضًا وهو قول الأوزاعي، وصرح الروياني أن ذلك لا يستحب في الإقامة لفقد المعنى الذي علل به الوضع.
وقال ابن بطال: وهو مباح عند العلماء، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنه إن جعل إحدى يديه على أذنه فحسن، وبه قال أحمد. انتهى.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) ذكر هذا التعليق بصيغة التصحيح، فكان ميله إليه، ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع: حدثنا سفيان عن بشير قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير، قال سفيان: فقلت له: رأيته يجعل أصابعه في أذنيه؟ قال: لا.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعي (لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن جرير عن منصور عن إبراهيم أنه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، ثم ينزل فيتوضأ، ثم يرجع فيقيم، فأفاد أن رأيه كراهة الإقامة من محدث وعدم كراهة الأذان منه، وبه قال الحسن وقتادة.
قال ابن الملقن: واختلف أهل العلم في الأذان على غير وضوء، فالذي ذهب إليه أبو حنيفة أنه جائز، ويكره الأذان
ج 2 ص 418
من الجنب وتكره عنده الإقامة مطلقًا، وبالكراهة فيهما يقول الشافعي وإسحاق والأوزاعي وأبو ثور، ورخص في الأذان له مالك والثوري انتهى.
وفي العيني: وقال صاحب (( الهداية ) )من أصحابنا: وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر؛ لأن الأذان والإقامة ذِكرٌ شريفٌ فيستحب فيه الطهارة فإن أذن على غير طهر جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم. وعن مالك: أن الطهارة شرط في الإقامة دون الأذان.
وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشافعية: شرط فيها، وقال أصحابنا: ويكره أن يقيم على غير وضوء لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء.
وعن الكرخي: لا تكره الإقامة بلا وضوء، ويكره عندنا أن يؤذن وهو جنب، وذكر الإمام محمد في (( الجامع الصغير ) ): إذا أذن الجنب أحب إلي أن يعيد الأذان وإن لم يعد أجزأه.
وقال صاحب (( الهداية ) ): الأشبه بالحق أن يعاد أذان الجنب ولا تعاد الإقامة؛ لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة. انتهى.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج بلفظ: (( قال لي عطاء: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن المؤذن إلا متوضئًا ) )هو من الصلاة هو فاتحة الصلاة.
ورواه البخاري بلفظ: (الْوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ) أي: الوضوء للأذان حق ثابت في الشرع، وسنة له، ورواه الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا: (( لا يؤذن إلا متوضئ ) )وهو ضعيف لضعف معاوية بن يحيى الصوفي.
ورواه البيهقي أيضًا عن وائل قال: (( حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم ) )، ورواه أبو الشيخ في كتاب (( الأذان ) )عن ابن عباس مرفوعًا: (( يا ابن عباس: إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر ) )، ذكر جميع ذلك ابن الملقن.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله تعالى عنها مما وصله مسلم بلفظ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي: في جميع أحواله على طهارة أو لا، وشمل هذا الأذان؛ لأنه ذكر الله تعالى فلا يشترط فيه الطهارة كالصلاة كما لا يشترط فيه الاستقبال للقبلة، بل يسن وكما لا يستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفات، وجعل الإصبع في الأذن، وبهذا تعرف مناسبة ذكره لهذه الآثار في هذه الترجمة، ولاختلاف نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام، ولم يجزم بالحكم، قاله في (( الفتح ) ).
وأشار المصنف بهذا التعليق إلى أن مذهبه كقول النخعي وهو مذهب مالك والكوفيين كما تقدم.