قال ابن بطال: هذا كالأبواب السابقة في أن الأعمال إيمان؛ لأنه لما كان الإيمان هو
ج 1 ص 291
المخرج له في سبيله كان الخروج إيمانًا تسمية للشيء باسم مسببه، كما قيل للمطر سماء: لنزوله من السماء.
وقال في (( الفتح ) ): أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر، وبين قيام رمضان وصيامه، فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح؛ لاشتراكهما في كونهما من خصال الإيمان، وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالآخر ظاهر، فلنكتة لم نر من تعرض لها.
بل قال الكرماني: صنيعه هذا دال على أن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة يعني اشتراكهما في كونهما من خصال الإيمان.
وأقول: بل قيام ليلة القدر وإن كان ظاهر المناسبة يعني لقيام رمضان، لكن للحديث الذي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القدر حسنة جدًا؛ لأن التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومجاهدة تامة، ومع ذلك فقد يوافقها أو لا.
وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة، ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى، وقد يحصل له ذلك أو لا، فتناسبا في أن كلًا منهما مجاهدة، وفي أن كلًا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا، فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها كان أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور فإن وافقها كان أعظم أجرًا، ويشير إلى ذلك تمنيه صلى الله عليه وسلم الشهادة بقوله: (( ولوددت أني أقتل في سبيل الله ) )فذكر المؤلف فضل الجهاد لذلك استطرادًا، ثم عاد إلى ذكر قيام رمضان، وهو بالنسبة إلى قيام ليلة القدر عام بعد خاص، ثم ذكر بعده باب الصيام؛ لأن الصيام من التروك، فأخره عن القيام؛ لأنه من الأفعال، ولأن الليل قبل النهار، ولعله أشار إلى أن القيام مشروع من أول ليلة الشهر خلافًا لبعضهم. انتهى.
وقد أخذه العيني وتصرف فيه، وذكر كلام الكرماني متعقبًا له بقوله:
قلت: يريد بكلامه هذا أن المناسبة بين هذه الأبواب كلها هي اشتراكها في كونها من خصال الإيمان مع قطع النظر عن طلب المناسبة بين كل بابين من الأبواب، وهذا كلام من يعجز عن إبداء وجه المناسبة الخاصة مع بيان المناسبة العامة، وما ينبغي أن يذكر ما ذكرته فافهم. انتهى.
ونبَّه في (( الانتقاض ) )على أخذه هذه النكتة من كلامه، وما اعترض به على الكرماني موهمًا أن ذلك له وقال: انظروا وتعجبوا.