فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 1465

وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:

36 -قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ) علم بصيغة المنسوب (بْنُ حَفْصٍ) البصري القسملي، نسبة إلى قسملة أحد أجداده، واسمه: معاوية بن عمرو.

ونقل ابن الملقن وتبعه العيني: أن النووي ذكر في (( شرح البخاري ) ): القطعة أن القِسمل بكسر القاف والميم ثم قالا: وكأنه سبق قلم، والصواب: فتحها. انتهى.

أقول: لكن في (( القاموس ) ): أن القسمل كزبرج ولد الأسد، وبطن من الأزد، فكيف يكون سبق قلم؟.

وعليه: فيحتمل أن تكون نسبته إليه، روى عنه البخاري، وانفرد به عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، مات سنة ثلاث، وقيل: سنة ست وعشرين ومئتين.

(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) أبو بشر بن زياد العبدي البصري، ويعرف بالثقفي، وهو ثقة متقن كثير الحديث.

قال ابن القطان: لم يعتل عليه بقادح، مات سنة سبع وسبعين ومئة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن القعقاع بن شبرمة الكوفي الضبي، روى عنه الثوري والأعمش.

قال يحيى: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، روى له الجماعة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) بضم الزاي البجلي الكوفي، واختلف في اسمه، فقيل: هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير سمع جده وأبا هريرة وغيرهما.

قال يحيى: وهو ثقة روى له الجماعة.

(بْنُ عَمْرِو) ولأبي ذر والأصيلي زيادة: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: انْتَدَبَ اللَّهُ) وللأصيلي وكريمة: وهو افتعل من ندبت فلانًا بنون فدال مهملة فموحدة إلى كذا: دعوته، فانتدب؛ أي: أجاب، وقيل: ضمن معنى تكفل، ويدل له رواية المؤلف في آخر الجهاد بلفظ: (( تكفل الله ) )، وفي أوائل الجهاد بلفظ: (( توكل ) )، ورواية مسلم بلفظ: (( تضمَّن الله ) ).

وقال ابن بطال: أوجب وتفضل؛ أي: حقق وحكم أن ينجز له ذلك.

وحكى عياض: أن معناه: سارع بثوابه وحسن جزائه، قال ابن الملقن: وكل ذلك عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان.

قال العيني: قلت: كأنه يريد ما وعده الله تعالى بقوله: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} [التوبة:111] الآية. انتهى.

ولذا قال بعض الصحابة: ما أبالي قَتَلت أو قُتِلت في سبيل الله، ثم تلا هذه الآية.

وقال في (( الفتح ) ): وقع في رواية الأصيلي هنا: بتحتانية مهموزة بدل النون من المأدبة،

ج 1 ص 292

يقال: أدب القوم مخففًا إذا دعاهم، وهو تصحيف، وقد وجهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرج كافٍ في تخطئته. انتهى.

وقال العيني نقلًا عن القاضي عياض، وعن صاحب (( المطالع ) ): أن القابسي رواه: (( ائتدب ) )بهمزة صورتها ياء من المأدبة، يقال: أدب القوم مخففًا إذا دعاهم، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: (( القرآن مأدبة الله في الأرض ) ).

ثم نقل عبارة صاحب (( الفتح ) )وقال متعقبًا لها: لم يقل أحد من الشراح، ولا من الرواة الكبار أن هذا تصحيف، ولا أطبقت الرواة على خلافه، وقد رأيت ما قالت المشايخ فيه، والدعوى بلا برهان لا تقبل. انتهى.

وأقول: غاية ما يلزم مما نقله من ثبوت هذه الرواية أنها ليست بخطأ كما زعمه صاحب (( الفتح ) )، لكن ثبوت التكلف فيها مع غرابتها غير مندفع كما هو ظاهر.

(لِمَنْ خَرَجَ) متعلق بانتدب (فِي سَبِيلِهِ) متعلق بخرج، وضميره راجع إلى الله تعالى حال كونه (لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) بالرفع فيهما على الفاعلية بالاستثناء المفرغ، والجملة في موضع نصب على الحال من فاعل خرج، والمضارع المنفي إذا وقع حالًا يجوز فيه الواو وتركها.

وفي قوله: (( إيمان بي ) ). (( وتصديق برسلي ) ): التفات من الغيبة إلى التكلم.

وقول ابن مالك في (( التوضيح ) ): كان الأليق إيمان به، ولكنه على تقدير حال محذوف؛ أي: قائلًا لا يخرجه إلا إيمان بي، ولا يخرجه مقول القول؛ لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله تعالى.

رده ابن المرحل فقال: أساءت في قوله كان الأليق، وإنما هو من باب الالتفات ولا حاجة إلى تقدير حال؛ لأن حذف الحال لا يجوز، حكاه الزركشي وغيره.

قال في (( المصابيح ) ): قلت: أما الأول؛ فمسلم، وأما الثاني؛ فممنوع؛ فقد ذكر ابن مالك من شواهده هنا: قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [البقرة:127] ؛ أي: قائلين، وقوله تعالى: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} [الرعد:23 - 24] ؛ أي: قائلين سلام عليكم، وقوله تعالى: {يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر:7] ؛ أي: قائلين ذلك.

قال ابن المرحل: وإنما هو من باب الالتفات.

قال الزركشي: الأليق أن يقال: عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور، يعني: أن الالتفات موهم للجسمية، فلا يطلق في كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء البيان. انتهى.

أقول: وفي تعليله بعدم وقوعه في كلامه تعالى بإيهام الجسمية نظر أيضًا؛ لأنه على تقدير تسليمه لا يمنع وقوع الالتفات فيه مطلقًا، بل إذا لم يكن مقولًا على ألسنة العباد يدل لذلك تمثيلهم الالتفات من التكلم إلى الخطاب بقوله تعالى: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس:22] ، ومقتضى الظاهر أرجع، ومن التكلم إلى الغيبة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ} [الكوثر:1 - 2] ، فلعل الصواب العبارة، فلا يطلق على الله، فإنه المطابق لمراد الزركشي، وإلا فمن المعلوم أن الزركشي لا يمنع وقوعه في كلام الله تعالى إذا كان واقعًا على غيره؛ لأنه من المحسنات، فليتأمل.

وقال العيني: قال الكرماني: لابد من التأويل، وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال كأنه قال: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلًا لا يخرجه إلا الإيمان بي.

قلت: هذا ليس بسديد؛ لأنه على تقديره يلزم أن يكون ذو الحال هو الله تعالى، ويكون قوله: لا يخرجه مقول القول، بل ذو الحال هو الضمير الذي في خرج، وأيضًا فيه حذف الحال، وهو لا يجوز. انتهى.

وأقول: بل اعتراضه على الكرماني غير سديد؛ لأن الكرماني حاكٍ له عن ابن مالك، وأما قوله: وأيضًا فيه حذف الحال، وهو لا يجوز فقد تقدم عن الدماميني ما يدفعه.

وفي الكرماني أيضًا: قوله: (( أو تصديق ) )، وفي بعض النسخ: بالواو الواصلة وهو ظاهر.

فإن قلت: إذا كان بأو الفاصلة فما معناه، إذ لا بد من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسل الله؟ …

قلت: أو معناها هاهنا: امتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما؛ أي: لا يخلو عن أحدهما، وقد يجتمعان، بل يلزم الاجتماع، إذ الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله، إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله، وكذا التصديق بالرسل يستلزم الإيمان بالله وهو ظاهر. انتهى.

وتعقبه في (( الفتح ) ): بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ: (( أو ) )فلا حاجة إلى ما تكلفه.

لكن قال القسطلاني بعد نقله كلام (( الفتح ) ): نعم وجدته في أصل فرع اليونينية كهي: (( أو ) )بالألف قبل الواو، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن البخاري من النسخة التي وقفت عليها من (( تنقيح ) )الزركشي، وكذا في نسخة كريمة. انتهى.

أقول: ولعل ذلك عند صاحب (( الفتح ) )من اختلاف النسخ، فلا تثبت به الرواية؛ لأن مرجع الرواية النقل لا الوجدان في بعض النسخ، فليتأمل.

ج 1 ص 293

وقال العيني متعقبًا للكرماني: هذا الذي ذكره ليس مما يدل عليه (( أو ) )؛ لأن الاجتماع هنا لازم، و (( أو ) )لا تدل على لزوم الاجتماع. انتهى.

وأقول: يمكن الجواب عنه: بأن وجوب الاجتماع هنا علم من القرينة، وخصوص المادة لا من (( أو ) )؛ ليرد ما ذكره.

(أَنْ أُرْجِعَهُ) يتعلق بقوله: انتدب، وأن مصدرية، وحرف الجر مقدر قبلها؛ أي: بأن أَرجعه بفتح الهمزة من رجع المتعدي، ومصدره الرجع كما في قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} [الطارق:8] ، لا من رجع اللازم الذي مصدره الرجوع، قال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ} [التوبة:83] ، وقال: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة:10] .

وقال البرماوي: وحكى فيه ثعلب: أُرْجع كأنه تعدية اللازم بالهمزة.

وقال ابن الملقن وهذيل: تقول ارجع رباعيًا والمرجوع إليه محذوف؛ أي: أن أرده إلى وطنه أو مسكنه.

(بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) ما موصولة أو موصوفة والعائد محذوف؛ أي: بما ناله والجار والمجرور متعلق بأرجعه ونال أصاب من النيل وهو العطاء، والمراد بقوله: (( من أجر ) )يعني: فقط إن كان حيًا ولم يغنم أو غنيمة؛ أي: مع الأجر إن كان حيًا وغنم فأو لمنع الخلو أو هي بمعنى الواو كما في رواية أبي داود: (( وأتى ينال ) )ماضيًا لتحقق وعده تعالى (أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) معطوف على أرجعه.

قال الكرماني: فإن قلت: جميع المؤمنين يدخلهم الله تعالى الجنة برحمته، فما وجه اختصاصه بذلك؟.

قلت: قال القاضي البيضاوي: يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى: {أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] ويحتمل أن يكون المراد الدخول عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب وعذاب ولا مؤاخذة بذنوب، وتكون الشهادة مكفرة لها.

وأقول: للمجاهد حالتان: الشهادة والسلامة، فالجنة: للحالة الأولى، والأجر والغنيمة: للثانية.

فإن قلت: هاهنا حالة ثالثة للسالم وهو الأجر بدون الغنيمة.

قلت: هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثانية، إذ هي أعم من الأجر فقط أو منه مع الغنيمة.

فإن قلت: لفظة (( أو ) )في قوله: (( أو غنيمة ) )تدل على أن للسالم إما الأجر وإما الغنيمة لا كلاهما.

قلت: معناها ما تقدم آنفًا، وهو أن اللفظ لا ينفي اجتماعهما، بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر فقد يجتمعان.

فإن قلت: الأجر ثابت للشهيد الداخل في الجنة، فكيف يكون السالم والشهيد مفترقين في أن لأحدهما الأجر، وللآخر الجنة مع أن الجنة أيضًا أجر؟.

قلت: هذا أجر خاص، والجنة أجر أعلى منه فهما متغايران أو أن القسمين هما الرجع والإدخال لا الأجر والجنة.

قال النووي: قالوا: معناه مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا أو من الأجر والغنيمة معًا إن غنموا، وقيل: أن أو هاهنا بمعنى الواو؛ أي: من أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في رواية أبي داود.

ومعنى الحديث: إن الله ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيرًا بكل حال فإما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر فقط وإما بأجر وغنيمة.

وأقول: اللفظ لا يدل على تقريره مع أنه لا يدفع بعض السؤالات. انتهى كلام الكرماني.

وانتصر البرماوي للنووي فقال: بل يدل عليه وهو ظاهر لمن تأمل. انتهى.

(وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) هذه لولا الامتناعية وأن ما بعدها في تأويل مصدر مبتدأ والخبر محذوف وجوبًا.

وقوله: (مَا قَعَدْتُ) جوابها، وقوله: (خَلْفَ سَرِيَّةٍ) ظرف متعلق بقعدت وخلف هاهنا بمعنى بعد والسرية هي القطعة من الجيش؟.

يقال: خير السرايا أربعمئة رجل والمعنى: ما تخلفت عن سرية، بل كنت أخرج معها بنفسي لعظم أجر الخروج للجهاد.

(وَلَوَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى معطوف على ما قعدت واللام فيه هي الداخلة في جواب لولا وقد تحذف كما حذفت هنا من المعطوف عليه والود محبة الشيء وتمني كونه له، قاله الراغب (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) أن بفتح الهمزة وصلتها مفعول به لوددت والأفعال الخمسة مبنية للمفعول.

قال العيني: كلمة ثم وإن كانت تدل على التراخي في الزمان ولكنها هنا حملت على التراخي في الرتبة؛ لأن المتمني حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، وفي رواية الأصيلي: بدل: (( أني ) )وعليها بنى العيني إعرابه.

ولأبي ذر: للتنبيه على أن المودود وقوع القتل عقب الحياة من غير مهلة حرصًا على نيل الشهادة وإنما ختم بالقتل والقرار إنما هو على حالة الحياة؛ لأن المراد الشهادة فختم الحال عليها أو أن الإحياء للجزاء من المعلوم فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنه ضروري الوقوع.

فإن قلت: كيف تمنى عليه الصلاة والسلام أن يقتل مع أنه يلزم منه تمني كفر القاتل وبقاء الكفر في الدنيا، إذ لا جهاد بدونه؟.

أجيب: بأن ذلك غير مقصود بالتمني إنما التمني للحالة الرفيعة وهي الشهادة، وتلك تحصل تبعًا،

ج 1 ص 294

كذا في العيني وغيره من (( الشروح ) ).

وفيه: أنه غير حاسم لمادة الشبهة، فلعل الأَولى أن يقال: أنه صلى الله عليه وسلم علم بقاء الكفر في الدنيا بعد وفاته، فتمنى أن تكون وفاته في الجهاد على أكمل أنواع الوفاة، وهي الشهادة على يد مشرك علم الله تعالى موته على الشرك ليعظم له الأجر، فليتأمل.

وقال الكرماني: فإن قلت: لا مشقة على الأمة في ودادة الرسول؛ لأن غاية ما في الباب وجوب المتابعة في الودادة وليس فيها مشقة.

قلت: ودادته لا نسلم أن ليس فيها مشقة، ولئن سلمنا، فربما ينجرُّ إلى تشريع مودوده، فيصير سببًا للمشقة، أو نقول: اللام فيه جواب قسم محذوف؛ أي: والله لوددت. انتهى.

أي: وليست كلمة وددت داخلة في خبر جواب لولا، فيلزم ما ذكر، واستشكل ما هنا بما في (( الصحيح ) )من قوله عليه الصلاة والسلام: (( ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم ) ).

والإخفاق: أن تغزو ولا تغنم شيئًا، فهذا الحديث ظاهره يعارض حديث الباب المؤيد بأهل بدر: (( فإن الغنيمة لم تنقص من أجرهم شيئًا ) )ولذا كانوا أفضل المجاهدين.

وأجيب عن ذلك بأجوبة منها:

الطعن في هذا الحديث، فإن في سنده حميد بن هانئ وليس بمشهور، لكن رد بأن مسلمًا قد أخرج له في (( صحيحه ) ).

وقال يحيى بن سعيد: حدث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة.

ومنها: أن التي تخفق تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم، ويضاعف لها كما يضاعف لمن أصيب بأهله وماله.

ومنها: أن يحمل الأول على من أخلص في نيته لقوله: (( لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي ) ).

ويحمل الحديث الثاني على من خرج بنية الجهاد والمغنم، فهذا شرك بما يجوز فيه التشريك، وانقسمت نيته بين الوجهين فنقص أجره، والأول أخلص فكمل أجره.

وقال النووي: الصواب: أنه لا تعارض بينهما، فإن الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة رضي الله عنهم كقولهم: (( فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يجتنيها ) ). انتهى.

وفي العيني: قال القاضي: الحديث الذي فيه بما نال من أجر وغنيمة مطلق؛ لأنه لم يقل فيه أن الغنيمة تنقص الأجر، والحديث الثاني مقيد، وأما استدلالهم بغزوة أهل بدر فليس فيه أنهم لو لم يغنموا؛ لكان أجرهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًا عنهم لا يلزم منه ألا يكون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل. انتهى.

وقال النووي: في الحديث فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله، والحث على حسن النية، وبيان شدة شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، ورأفته بهم، واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول الإنسان: وددت كذا من الجزاء الذي يعلم أنه لا يحصل.

وفيه: أنه إذا تعارض مصلحتان بدأ بأهمهما، وأنه يترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها، أو لخوف مفسدة تزيد عليها.

قال: وقالوا: هذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه.

وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وفيه: تمني الشهادة، وفيه: السعي في زوال المكروه، والمشقة عن المسلمين، وفيه: عدم نقصان الأجر بالغنيمة، فإنه بفضل الله تعالى، وأهل بدر أفضل المجاهدين، ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة.

وقال ابن بطال: هذا الباب أيضًا حجة في أن الأعمال إيمان؛ لأنه لما كان الإيمان بالله هو المخرج في سبيله كان الخروج إيمانًا بالله تعالى لا محالة كما تسمي العرب الشيء باسم ما يكون من سببه، فيقولون للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت