فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 1465

(54)(باب إِمَامَةِ الْعَبْدِ): أي: الباقي على رقه(وَالْمَوْلَى): أي: الذي أعتقه سيده.

قال ابن المنير: لم يفصح بالجواز لكن لوح به لإيراده أدلته.

(وَكَانَتْ عَائِشَةُ) : وفي نسخة: .

قال في (( المنحة ) ): وهي شاذة؛ أي: يجوز عدم إلحاق التاء في لغة شاذة حكاها سيبويه من نحو قولهم قال فلانة (يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ) : بالذال المعجمة المفتوحة، وكنيته أبو عمرو ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين دبرته عائشة مات أيام الحرة وقيل قتل بها.

وقوله: (مِنَ الْمُصْحَفِ) : متعلق بيوم بتضمينه معنى يقرأ؛ أي: يومها قارئًا من المصحف بأن ينظر فيه ويقرأ منه ولم يقترن به ما يبطل الصلاة من عمل كثير ونحوه.

وفيه دليل على جواز ذلك وهو مذهب الشافعي وأحمد وعطاء وأبي يوسف ومحمد وكثيرين، سواء كانت الصلاة فرضًا أم نفلًا وعند مالك وأحمد لا تفسد في النفل.

وذهب مالك وأبو حنيفة وآخرون إلى أنه يفسد الصلاة مطلقًا عند أبي حنيفة والمفروضة عند مالك قيل لأنه

ج 2 ص 490

عمل كثير.

قال في (( النهر ) ): أراد بالمصحف ما كتب فيه شيء من القرآن وهذا قول الإمام وقالا يكره فقط لأنها عبادة ضمت إلى مثلها وله أن حمل المصحف وتقليب أوراقه عمل كثير يقطع من رآه أنه ليس في صلاة ولأنه يتلقن منه فأشبه التلقين من غيره فهاتان علتان، وعلى الثانية لا فرق بين المحمول وغيره في الفساد.

قال السرخسي: وهو الصحيح ولا بين قراءته مما يمكن حمله أو لا كالمحراب وهو الأصح.

ثم قال نقلًا عن (( البحر ) ): وإطلاقه يفيد أنه لا فرق بين القليل والكثير ولا بين الحافظ وغيره، لكن قال الرازي ما قاله الإمام محمول على غير الحافظ أما الحافظ فلا تفسد صلاته في قولهم جميعًا وجزم به في (( فتح القدير ) (( النهاية ) (( التبيين ) )وهذا أوجه. انتهى.

وأقول: إطلاق عدم الفساد في الحافظ إنما يتم على العلة الثانية وأما على الأولى فلا فرق بين الحافظ وغيره.

وعبارة الشارح: ولو كان يحفظ وقرأ من غير حمل قالوا لا تفسد لعدم الأمرين.

وفي (( الفتح ) ): ولو كان يحفظ إلا أنه نظر وقرأ لا تفسد.

وهاتان العبارتان لا غبار عليهما. انتهى.

وقال ابن الملقن: وكره القراءة في الصلاة من المصحف النخعي وابن المسيب والشعبي وروي عن الحسن وقال هكذا تفعل النصارى. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وأثر عائشة وصله ابن أبي داود في كتاب (( المصاحف ) )من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة أن عائشة كان يؤمها غلامها ذكوان في المصاحف، ووصله ابن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة عن عائشة أنها أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف.

ووصله الشافعي وعبد الرزاق من طريق أخرى عن ابن أبي مليكة: أنه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وهو يومئذ غلام لم يعتق، وأبو عمرو المذكور هو ذكوان.

وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور. وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرار إلا إن كان قارئًا وهم لا يقرؤون فيؤمهم، إلا في الجمعة لأنها لا تجب عليه. وخالفه أشهب واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها. انتهى.

(وَوَلَدِ الْبَغِيِّ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية، وهي الزانية.

قال في (( الفتح ) ): ونقل ابن التين أنه رواه بفتح الموحدة وسكون المعجمة والتخفيف، والأول أولى. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: قوله (( والتخفيف ) )غلط لأن السكون يغني عنه. انتهى.

وأقول: لا يقال لذكر المستغنى عنه غلط وإنما قال مستغنى عنه أو تطويل أو حشو ولم يقل أحد في قوله: وأعلم علم اليوم والأمس قبله أنه غلط، ولا قوله: وألفى قولها كذبًا ومينًا، وليس قوله: وولد البغي من أثر عائشة كما ظنه القرطبي في (( مختصر البخاري ) )، بل هو مجرور عطفًا على العبد أو المولى في الترجمة كالذين بعده وأثر عائشة جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه إذ لم ينقل أن عائشة أمها أحد من ولد البغي وما عطف عليه.

والمراد بولد البغي ولد الزنا وإلى صحة إمامته ذهب الجمهور منهم الثلاثة والثوري والأوزاعي، وكان مالك يكره أن يتخذ إمامًا راتبًا، وعلته عنده أنه يصير معرضًا لكلام الناس فيأثمون بسببه، وقيل: لأنه ليس له في الغالب من يفقهه فيغلب عليه الجهل.

وعلة الجمهور أن إثم الزنا على أمه، وليس عليه من وزرها شيء لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] .

(وَالأَعْرَابِيِّ) : بفتح الهمزة، نسبة إلى الجمع؛ لأنه صار علمًا بالغلبة لسكان البادية من العرب، وقيل: مطلقًا.

وإلى صحة إمامته ذهب الجمهور أيضًا، وخالف مالك وعلته عنده غلبة الجهل على سكان البوادي، وقيل: لأنهم يديمون نقص السنن وترك حضور الجماعة غالبًا.

قال ابن الملقن: وفي الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا لا يتقدم الصف الأول أعرابي ولا أعجمي ولا غلام لم يحتلم.

(وَالْغُلاَمِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ) : بالجر أيضًا عطفًا على ما قبله وظاهره مطلق يشمل المراهق وغيره، لكن يخرج منه من كان دون سن التمييز بدليل آخر.

قال العيني: ويفهم منه أن البخاري يجوز إمامته وهو مذهب الشافعي أيضًا ومذهب أبي حنيفة أن المكتوبة لا تصح خلفه، وبه قال أحمد وإسحاق وفي النفل روايتان عن أبي حنيفة وبالجواز في النفل.

قال أحمد: وقال داود: لا يصح فيهما، وحكاه ابن أبي شيبة عن الشعبي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعطاء

ج 2 ص 491

وأما ما نقله ابن المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه أنه مكروهة فلا يصح هذا النقل، وعند الشافعي في الجمعة قولان وفي غيرها يجوز لحديث عمرو بن سلمة الذي فيه: أؤمهم وأنا ابن سبع أو ثمان سنين.

وعن ابن عباس لا يؤم الغلام حتى يحتلم، وذكر الأثرم بسند له عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يجب عليه الحدود، وعن إبراهيم لا يؤم الغلام قبل أن يحتلم في رمضان وعن الحسن مثله ولم يقيده. انتهى.

(لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) : أي: إمامة هؤلاء جائزة لقول النبي إلخ فكل من اتصف بالإقرائية فإمامته جائزة سواء كان عبدًا أو ولد بغي أو أعرابيًا أو صبيًا مميزًا لم يبلغ الحلم وسواء كان يقرأ من مصحف أو عن ظهر قلب، وهذا بعض حديث مر في باب أهل العلم أحق بالإمامة وأخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله الحديث.

وفي حديث عمرو بن سلمة: ليؤمكم أكثركم قرآنًا.

وفي حديث أبي سعيد عند مسلم أيضًا: إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم.

وقال العيني: الذي يظهر من هذا أن إمامة أحد هؤلاء إنما تجوز إذا كان أقرأ القوم ألا ترى أن الأشعث ابن قيس قدم غلامًا فعابوا ذلك عليه فقال ما قدمته، ولكن قدمت القرآن العظيم.

وعند أبي داود من حديث ابن مسعود: وليؤمكم أقرؤكم. كذا في العيني.

وقوله: (ولا يمنع) : بالبناء للمفعول (العبد من) : ولابن عساكر: (الجماعة بغير علة) : وللأصيلي: باللام، من كلام البخاري وليس من المعلق والمراد بالعلة ضرورة سيده كذا قيده في (( الفتح ) ).

وتعقب العيني: تقييد الضرورة بسيده بأنه لا طائل تحته لأنه عند الضرورة الشرعية ليس عليه الحضور مطلقًا كالحر.

وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأنه لضرورة سيده يفارق الحر فقيد بها. انتهى.

ومقتضاه أنه ليس لسيد العبد منعه حضور الجماعة إذا لم يتضرر وبه قال القاضي حسين.

قال الكرماني وغيره: لأن أداء حقوق الله تعالى مقدم على أداء حقوق السادات.

وأقول: لعل ذلك مبني على القول بوجوب صلاة الجماعة عينًا، وأن البخاري قائل بذلك، وقد صرح بذلك ابن رجب فقال: هذا يدل على أن البخاري يرى وجوب الصلاة في الجماعة على المملوك وأن سيده لا يملك منعه منها.

وهو أيضًا ظاهر كلام الإمام أحمد. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت