فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 1465

وقال في (( الفتح ) ): المراد بالدواب معناه العرفي وهي ذوات الحافر من الخيل والبغال والحمير ويحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص، ثم عطف الخاص على العام والأول أوجه، ولهذا ساق أثر أبي موسى في صلاته في دار البريد؛ لأنها مأوى الدواب التي تركب وحديث العرنيين ليستدل به على طهارة أبوال الإبل وحديث مرابض الغنم ليستدل به على ذاك أيضًا. انتهى.

(وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا) أي: حكم أبوال الغنم وحكم مرابضها جمع مَربِض بفتح الميم وكسر الموحدة وبالضاد المعجمة اسم مكان من ربض بالمكان من باب ضرب أقام به، وهي للغنم كالمعاطن للإبل وربوض الغنم كبروك الإبل، ويقال: ربض أيضًا بفتحتين.

وقول صاحب (( الفتح ) ): جمع مربض بكسر أوله وفتح الموحدة سهو كما نبه عليه العيني والضمير في مرابضها يرجع إلى الغنم.

(وَصَلَّى أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري مما وصله أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب الصلاة له بقوله: (( حدثنا الأعمش عن مالك بن الحارث هو السلمي الكوفي عن أبيه قال: صلى بنا أبو موسى في دار البريد، وهناك سرقين الدواب والبرية على الباب، فقالوا: لو صليت على الباب؟ فقال: فقال: هاهنا وثم سواء ) ) (فِي دَارِ الْبَرِيدِ) بفتح الموحدة وكسر الراء وبالدال المهملة بعد التحتية الساكنة والجمع برد.

قال في (( الفتح ) ): وهو موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى أميرًا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن

ج 1 ص 710

عثمان، وكانت الدار في طرف البلد، فلذا كانت البرية إلى جانبها.

وقال المطرزي: البريد في الأصل الدابة المرتبة للرباط ثم سمي به الرسول الراكب عليها ثم سميت به المسافة المشهورة. انتهى.

أي: وهي اثنا عشر ميلًا كما قاله الجوهري.

(وَالسِّرْقِينِ) بالخفض، قال الكرماني: يحتمل عطفه على الدار أو على البريد، وقد يروى: بالرفع أيضًا. انتهى.

ووجه الرفع أنه مبتدأ حينئذٍ.

وقوله: (وَالْبَرِّيَّةُ) بفتح الموحدة وتشديد الراء؛ أي: الصحراء معطوف عليه.

وقوله: (إِلَى جَنْبِهِ) أي: جنب أبي موسى الخبر، والجملة حالية رفع السرقين أو جر، فإن البرية مرفوعة على التقديرين، فعلى تقدير رفع السرقين بالواو الداخلة عليه واو الحال، وعلى تقدير جره الواو في والبرية واو الحال، والسرقين بالكسر معرب؛ لأنه ليس في الكلام فعليل بالفتح، قاله الكرماني.

أقول: لكن حكى ابن سيده فيه الفتح.

قال في (( المصابيح ) )السرقين بقاف ويقال: بجيم وتفتح سينه فيهما وتكسر. انتهى.

وأصله: بجيم قريبة من الكاف وهو روث الدواب مطلقًا، والبرية منسوبة إلى البر، والجمع: براري.

(فَقَالَ) أبو موسى (هَاهُنَا) إشارة إلى المكان القريب وهو دار البريد (وَثَمَّ) بفتح المثلثة إشارة إلى المكان البعيد وهو البرية.

وقوله: (سَوَاءٌ) بفتح السين والمد بمعنى مستوي خبر مبتدأ محذوف تقديره الصلاة هاهنا وثم سواء في الصحة.

وقال العيني: هاهنا اسم موضع ومحله رفع على الابتداء، وثم عطف عليه وخبره قوله سواء. انتهى.

وفيه نظر؛ لأنهما ظرفان غير متصرفين فلا يقعان مبتدأ ولا فاعلًا ولا مفعولًا وإنما يقعان خبرًا نظر لمتعلقهما كبقية الظروف، والعيني نفسه قد اعترف بذلك في ثم فقال: وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غلط من أعربه مفعولًا لرأيت في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا} [الإنسان:20] .

يعني: فما أسرع ما نسي ما قدمه قبيل ذلك، وممن صرح بعدم التصرف في هنا ابن مالك في (( التسهيل ) ).

ومراد المؤلف من إيراد هذا التعليق: الاستدلال على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه أو أعم من ذلك؛ لأن البريد يربط فيه مأكول اللحم وغيره والسرقين أيضًا أعم؛ لأنه كما تقدم روث الدواب مطلقًا.

قال في (( الفتح ) ): وتعقب: بأنه ليس فيه دليل على طهارة أرواث الدواب عند أبي موسى؛ لأنه يمكن أن يصلي على ثوب يبسطه.

وأجيب: بأن الأصل عدمه وقد رواه سفيان الثوري في (( جامعه ) )عن الأعمش بسنده ولفظه: (( صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين ) ).

وهذا ظاهر في أنه بغير حامل، وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب وغيره: أن الصلاة على الطنفسة محدث وإسناده صحيح.

والأولى أن يقال: أن هذا من فعل أبي موسى، وقد خالف غيره من الصحابة كابن عمر وغيره، فلا يكون حجة أو لعل أبا موسى كان لا يرى الطهارة شرطًا في صحة الصلاة، بل يراها واجبة برأسها وهو مذهب مشهور، وتقدم مثله في قصة الصحابي الذي صلى بعد أن جرح وظهر عليه الدم الكثير، فلا يكون حجة في أن الروث طاهر كما أنه لا حجة في ذاك على أن الدم طاهر، وقياس غير المأكول على المأكول غير واضح؛ لأن الفرق بينهما متجه لو ثبت أن روث المأكول طاهر، وسنذكر ما فيه قريبًا، والتمسك بعموم حديث أبي هريرة الذي صححه ابن خزيمة وغيره مرفوعًا بلفظ: (( استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ) )أولى؛ لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها لهذا الوعيد. انتهى.

وتعقب العيني قوله: أن الصلاة على الطنفسة محدث بقوله: قلت أراد بهذا تأييد ما قاله، ولكنه لا يجزئه؛ لأن كون الصلاة على الطنفسة محدثة لا يستلزم أن يكون على الحصير ونحوه كذلك، فيحتمل أن يكون أبو موسى قد صلى في دار البريد أو السرقين على حصير أو نحوه وهو الظاهر على أن الطنفسة بكسر الطاء وفتحها بساط له خمل رقيق ولم يكونوا يستعملونها في حالة الصلاة لاستعمال المسرفين إياها، فكرهوا ذلك في الصدر الأول، واكتفوا بالدون من السجاجيد تواضعًا بل كان أكثرهم يصلي على الحصير بل كان الأفضل عندهم الصلاة على التراب تواضعًا ومسكنة. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت