فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

233 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري قاضي مكة، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين عن ثمانين سنة (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزدي الجهني البصري (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني البصري (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف

ج 1 ص 711

عبد الله (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، وللأصيلي: (قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ) بهمزة مضمومة، وللكشميهني والسرخسي والأصيلي: بغير همز على رسول الله صلى الله عليه وسلم (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين وسكون الكاف، قبيلة من تميم الرباب (أَوْ) من (عُرَيْنَةَ) بالعين والراء المهملتين مصغر عرنة حي من بجيلة لا من قضاعة.

قال في (( الفتح ) ): الشك فيه من حماد، وللمصنف في المحاربين: عن قتيبة عن حماد: (( أن رهطًا من عكل أو قال: من عرينة، ولا أعلمه إلا قال من عكل ) )، وله في الجهاد عن وهيب عن أيوب: (( أن رهطًا من عكل ) )ولم يشك، وكذا في المحاربين عن يحيى بن أبي كثير، وفي الديات عن أبي رجاء كلاهما عن أبي قلابة، وله في الزكاة عن شعبة عن قتادة عن أنس: (( أن ناسًا من عرينة ) )ولم يشك أيضًا.

وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قرة عن أنس، وفي المغازي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: (( أن ناسًا من عكل وعرينة ) )بالواو العاطفة وهو الصواب.

ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبري من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، ولا يخالف هذا ما عند المصنف في الجهاد من طريق وهيب عن أيوب، وفي الديات من طريق حجاج الصواف عن أبي رجاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس: أن رهطًا من عكل ثمانية؛ لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم فلم ينسب، وغفل من نسب عدتهم ثمانية؛ لرواية أبي يعلى وهي عند البخاري، وكذا عند مسلم.

وزعم ابن التين تبعًا للداوردي: أن عرينة هم عكل وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان عكل من عدنان وعرينة من قحطان، وعكل بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم الرباب وعرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا حي من قضاعة وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبري من وجه آخر عن أنس.

ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة بإسناد ساقط: أنهم من بني فزارة وهو غلط؛ لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ولا مع عرينة أصلًا.

وذكر ابن إسحاق في (( المغازي ) ): أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها المصنف بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها.

وذكر الواقدي: أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما، والله أعلم.

وللمصنف في المحاربين من طريق وهيب عن أيوب: أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل. انتهى.

(فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ) بجيم ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة وواوين أولاهما مفتوحة والثانية ساكنة إلا إذا لاقاها ساكن كما هنا فتضم وصلًا؛ أي: أصابهم الجوى بالجيم وهو داء الجوف إذا تطاول، ويقال: الاجتواء كراهة المقام، يقال: اجتويت البلد إذا كرهتها، وإن كانت موافقة لك في بدنك واستوبلتها إذا لم توافقك في بدنك وإن أحببتها، كذا في العيني.

وللمؤلف من رواية سعيد عن قتادة في هذه القصة: فقالوا: (( يا نبي الله! إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ) ).

وله في الطب من رواية ثابت عن أنس: (( أن ناسًا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آونا وأطعمنا فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة ) ).

والظاهر: أنهم قدموا سقامًا من الهزال الشديد والجهد من الجوع مصفرَّةٌ ألوانهم، فلما صحوا من السقم أصابهم من حمى المدينة فكرهوا الإقامة بها.

ولمسلم عن أنس: (( وقع بالمدينة الموم بضم الميم وسكون الواو وهو ورم الصدر فعظمت بطونهم فقالوا يا رسول الله إن المدينة وخمة ) ).

(فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِقَاحٍ) أي: فأمرهم أن يلحقوا بها، وللمصنف من رواية همام عن قتادة: (( فأمرهم أن يلحقوا براعيه ) )، وله عن قتيبة عن حماد: (( فأمر لهم بلقاح ) )بزيادة اللام.

فيحتمل أن تكون زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو الاختصاص، وليست للتمليك.

وعند أبي عوانة من رواية معاوية بن قرة التي أخرج مسلم إسنادها: (( أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح فقالوا: يا رسول الله! قد وقع هذا الوجع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل ) ).

وللمصنف من رواية وهيب عن أيوب: أنهم قالوا: يا رسول الله! ابغنا رسلًا؛ أي: اطلب لنا لبنًا، قال: (( ما أجد لكم إلا أن تلقحوا بالذود ) ).

واللقاح باللام المكسورة والقاف وآخره مهملة: النوق

ج 1 ص 712

ذوات الألبان، واحدها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف.

وقال أبو عمر: ويقال لها ذلك: إلى ثلاثة أشهر ثم هي لبون، وظاهر ما مضى أن اللقاح كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بذلك في المحاربين عن موسى عن وهيب بسنده فقالوا: أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله فيه من رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بسنده: (( فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة ) )، وكذا في الزكاة من طريق شعبة عن قتادة، والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن المدينة تنفي خبثها ) ). وسيأتي في موضعه.

وذكر ابن سعد: أن عدد لقاحه كانت خمس عشرة وأنهم نحروا منها واحدة، يقال لها: الحناء وهو في ذلك متابع للواقدي.

وقد ذكره الواقدي في (( المغازي ) )بسند ضعيف مرسل كذا في (( الفتح ) ).

وعند أبي عوانة: وكانت ترعى بذي الجدر بالجيم وسكون الدال المهملة ناحية قباء قريبًا من عين بينها وبين المدينة ستة أميال.

(وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) أي: وأمرهم أن يشربوا، وله في رواية أبي رجاء: (( فاخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها ) )بصيغة الأمر، وفي رواية شعبة عن قتادة: (( فرخص لهم أن يأتوا الصدقة فيشربوا ) ).

(فَانْطَلَقُوا) أي: وشربوا منها حتى صحوا لما أنها ترعى الشيح والقيصوم فتدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء.

قال في (( الفتح ) ): فأما شربهم لبن الصدقة فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شربهم لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فبإذنه المذكور، وأما شربهم البول فاحتج به من قال بطهارته، أما من الإبل فبهذا الحديث، وأما من مأكول اللحم فبالقياس، وهذا قول مالك وأحمد وطائفة من السلف ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخري والروياني وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره.

واحتج ابن المنذر لقوله: بأن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة.

قال: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب؛ لأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير دليل على طهارتها.

قلت: وهو استدلال ضعيف؛ لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلًا عن طهارته، وقد دل على نجاسة الأبوال كلها حديث أبي هريرة الذي قدمناه قريبًا. انتهى.

وممن قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه محمد بن الحسن والأرواث عنده نجسة، وإن كانت من مأكول اللحم، لكنها مخففة.

وقال آخر: بطهارتها لعموم البلوى.

وفي المسألة قول ثالث: وهو أن بول كل حيوان غير الآدمي طاهرًا وإن كان مما لا يؤكل لحمه وهو قول ابن علية وأهل الظاهر.

وروي مثله عن الشعبي وهو رواية عن الحسن، وظاهر صنيع البخاري يوافقه حيث عطف الدواب على الإبل.

وفي (( الفتح ) ): وقال ابن العربي: تعلق بهذا الحديث من قال بطهارة أبوال الإبل، وعورضوا بأنه أذن لهم في شربها للتداوي.

وتعقب: بأن التداوي ليس حال ضرورة بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح للضرورة لا يسمى حرامًا وقت تناوله لقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام:119] ، فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر، والله أعلم.

وما تضمنه كلامه من أن الحرام لا يباح إلا لأمر واجب غير مسلم، فإن الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك يباح لأمر جائز كالسفر مثلًا وأما قول غيره لو كان نجسًا ما جاز التداوي به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ) ). رواه أبو داود من حديث أم سلمة، وستأتي له طرق أخرى في الأشربة من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

والنجس حرام فلا يتداوى به؛ لأنه غير شفاء فجوابه: أن الحديث

ج 1 ص 713

محمول على حالة الاختيار، وأما في حال الضرورة، فلا يكون حرامًا كالميتة للمضطر، ولا يرد قوله صلى الله عليه وسلم في الخمر: (( إنها ليست بدواء إنها داء ) )في جواب من سأله عن التداوي بها فيما رواه مسلم، فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر وغيره.

والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات: أن الحد يثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجر إلى مفاسد كثيرة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف معتقدهم، قاله الطحاوي بمعناه.

وأما أبوال الإبل: فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا: (( أن في أبوال الإبل شفاء للذرية بطونهم ) ).

والذرب: فساد المعدة فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، والله أعلم، وبهذه الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها كلها. انتهى بحروفه.

(فَلَمَّا صَحُّوا) بتشديد الحاء المهملة المضمومة، وفيه حذف دلت عليه رواية أبي رجاء؛ أي: فشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا، وفي رواية وهيب: (( وسمنوا ) )، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت: (( ورجعت إليهم ألوانهم ) ).

(قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وللأصيلي وابن عساكر: وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه يَسَار بفتح التحتية أوله وبالسين المهملة النوبي أعتقه النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه يحسن الصلاة، وبعثه في لقاح له إلى الحرة، فكان بها إلى أن قتله العرنيون، وذلك أنهم لما غدوا على اللقاح أدركهم ومعه نفر، فقاتلهم فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، كذا في (( طبقات ابن سعد ) ).

(وَاسْتَاقُوا) من الاستياق وهو السوق العنيف (النَّعَمَ) بفتحتين واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما تقع على الإبل وهو المراد هنا، وفي بعض النسخ: (( واستاقوا إبلهم ) ) (فَجَاءَ الْخَبَرُ) عنهم (فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي آثَارِهِمْ) .

قال في (( الفتح ) ): وفي رواية وهيب عن أيوب: الصريخ بالخاء المعجمة وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ هو أحد الراعيين، كما ثبت في حديث أبي عوانة من رواية معاوية بن قرة عن أنس.

وقد أخرج مسلم إسناده ولفظه: (( فقتلوا أحد الراعيين وجاء الآخر قد جزع فقال قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل ) )ولم أقف على تسمية الراعي الآتي بالخبر.

والظاهر: أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم، لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس: (( ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم ) )بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض على راعي النبي صلى الله عليه وسلم.

وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز بالإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح؛ لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، والله أعلم. انتهى ملخصًا.

(فَبَعَثَ) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي آثَارِهِمْ) جمع إثْر بكسر الهمزة وسكون المثلثة، يقال: خرجت في إثره إذا خرجت وراءه، زاد في رواية الأوزاعي الطلب، وفي حديث سلمة بن الأكوع: (( خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابر الفهري ) )بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي كذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون.

وللنسائي من رواية الأوزاعي: (( فبعث في طلبهم قافة ) )جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة عن أنس: (( أنهم شبان من الأنصار قريب من عشرين رجلًا، وبعث منهم قائفًا يقتص آثارهم ) ).

قال في (( الفتح ) ): ولم أقف على اسم هذا القائف، ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في (( مغازي الواقدي ) ): (( أن السرية كانت عشرين رجلًا ) ).

ولم يقل: من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الحصيب وسلمة بن الأكوع الأسلميان وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيان وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان وبلال بن الحارث

ج 1 ص 714

وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان وغيرهم.

والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار فأطلق الأنصار تغليبًا أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم. انتهى.

وتعقب العيني قوله: الواقدي لا يحتج به بقوله: قلت: ما للواقدي وهو إمام ثقة وثقه جماعة منهم أحمد، والعجب من هذا القائل أنه يقع فيه وهو أحد مشايخ إمامه. انتهى.

ويجاب عنه: بأن الأكثر على جرحه، والجرح مقدم على التعديل، ولا يلزم من كونه من مشايخ زمانه توثيقه.

(فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ) فيه حذف أشعرت به الفاء المسماة بالفصيحة، تقديره: فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا فلما ارتفع النهار جيء بهم؛ أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسارى فأجرى عليهم العقوبة على قدر جنايتهم (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ) كذا هو للأكثرين؛ أي: أمر بقطعها، وفي رواية الأصيلي والمستملي والسرخسي: وهو المراد بالرواية الأولى، والروايات يفسر بعضها بعضًا.

وقال الداوردي: يعني: قطع يدي كل واحد ورجليه.

قال في (( الفتح ) ): وهذا يرده رواية الترمذي من خلاف، وكذا ذكره الإسماعيلي عن الفريابي عن الأوزاعي بسنده، وللمصنف من رواية الأوزاعي أيضًا ولم يحسمهم؛ أي: لم يكوِ ما قطع منهم بالنار لينقطع الدم بل تركه ينزف. انتهى.

(وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) بضم السين.

قال المنذري: بتخفيف الميم؛ أي: كحلت بالمسامير المحمية، قال: وشددها بعضهم، والأول أشهر وأوجه.

وقال في (( الفتح ) ): بتشديد الميم، وفي رواية أبي رجاء: (( وسمرت ) )بتخفيف الميم ولم تختلف روايات البخاري في أنه بالواو، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز: بالتخفيف واللام.

قال الخطابي: السمل: فقئ العين بأي شيء كان.

قال أبو ذؤيب الهذلي:

~والعين بعدهم كأن حذاقها سملت بشوك فهي عورًا تدمع

قال: والسمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب.

قال: وقد يكون من المسمار يريد كحلوا بأميال قد أحميت.

قلت: قد وقع التصريح بالمراد عند المصنف من رواية وهيب عن أيوب، ومن رواية الأوزاعي عن يحيى كلاهما عن أبي قلابة، ولفظه: (( ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها ) ).

فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية السمل؛ لأنه فقئ العين بأي شيء كان كما مضى. انتهى.

وإنما فعل ذلك بهم قصاصًا؛ لأنهم فعلوا براعيه لمثل ذلك وليست من المثلثة المنهي عنها كما سيأتي.

(وَأُلْقُوا) بالبناء للمفعول (فِي الْحَرَّةِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي أرض ذات حجارة سود بظاهر المدينة كأنها أحرقت بالنار، وإنما ألقوا فيها؛ لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا، وهي التي كانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية.

وقال البرماوي تبعًا للكرماني: ويحتمل أن يراد بها حرارة الشمس.

(يَسْتَسْقُونَ) بالبناء للفاعل من باب الاستفعال؛ أي: يطلبون السقي فلا يسقون بالبناء للمفعول من سقى المجرد، زاد وهيب والأوزاعي: (( حتى ماتوا ) ).

وفي رواية أبي رجاء: (( ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا ) )، وفي رواية شعبة عن قتادة: (( يعضون الحجارة ) )، وفي الطب من رواية ثابت قال أنس: (( فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت ) )، ولأبي عوانة من هذا الوجه: (( يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة ) )، وزعم الواقدي أنهم صلبوا والروايات الصحيحة ترده.

لكن عند أبي عوانة من رواية ابن عقيل عن أنس: (( فصلب اثنين وقطع اثنين وسمل اثنين ) )كذا ذكر ستة فقط، فإن كان محفوظًا فعقوبتهم كانت موزعة، ومال جماعة منهم ابن الجوزي: إلى أن ذلك كان على سبيل الاقتصاص منهم؛ لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: (( إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة ) ).

وتعقبه ابن دقيق العيد: بأن المثلة في حقهم وقعت من جهات، وليس في الحديث إلا السمل فيحتاج إلى ثبوت البقية.

قال في (( الفتح ) ): قلت: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ قال ابن شاهين: عقب حديث عمران بن حصين في

ج 1 ص 715

النهي عن المثلة هذا الحديث ينسخ كل مثلة وتعقبه ابن الجوزي بأن دعاء النسخ محتاج إلى تاريخ.

قلت: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الإذن ثم النهي.

وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود ولموسى بن عقبة في المغازي وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة وإلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في (( النهاية ) )عن الشافعي.

واستشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم. انتهى.

وهو ضعيف جدًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وسكوته كاف في ثبوت الحكم وأجاب النووي: بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا للطهارة ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشًا فلا حرمة له في سقي الماء وترك المثلة وغيرها إذ دم الكافر عند الله كدم الكلب العقور.

وقال الخطابي: إنما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بهم؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم؛ لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم.

قال العيني: وفيه ضعف، وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: (( عطش الله من عطش آل محمد ) )أخرجه النسائي فأجاب الله دعاءه، وكان ذلك بسبب أنهم منعوا في تلك الليلة إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لقاحه كل ليلة ذكره ابن سعد كذا في العيني.

(قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ) بكسر القاف عبد الله (فَهَؤُلاَءِ) أي: العرنييون والعكليون (سَرَقُوا) أي: لأخذهم اللقاح من حرز مثلها؛ لأنها محرزة بالحافظ لها.

قال في (( الفتح ) ): وهذا قاله أبو قلابة استنباطًا.

(وَقَتَلُوا) أي: الراعي كما مر (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) قال الكرماني: فإن قلت: ما الذي يدل على كفرهم ومن أين استفاد ذلك؟.

قلت: علم من الطرق الأخر روى مسلم في (( صحيحه ) )، وكذا الترمذي أنهم ارتدوا عن الإسلام.

وقال صاحب (( الفتح ) ): وهو في رواية سعيد عن أنس في المغازي، وفي رواية وهيب في الجهاد في أصل الحديث، وليس موقوفًا على أبي قلابة كما ظنه بعضهم.

(وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) قال العيني: أطلق عليهم المحاربين؛ لما ثبت عند أحمد من رواية حميد عن أنس رضي الله عنه في أصل الحديث وهربوا محاربين.

قال في (( الفتح ) ): وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم قدوم الوفود على الإمام ونظره في مصالحهم، وفيه: مشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وفيه: أن كل جسد يطب بما اعتاده، وفيه: قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة إن قلنا أن قتلهم كان قصاصًا.

وفيه: المماثلة في القصاص وليس ذلك من المثلة المنهي عنها وثبوت حكم المحاربة في الصحراء وأما في القرى ففيه خلاف.

وفيه: جواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره قياسًا عليه بإذن الإمام، وفيه: العمل بقول القائف وللعرب في ذلك المعرفة التامة. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت