35 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بفتح التحتية، الحكم بن نافع البَهراني بفتح الموحدة الحمصي، الثقة، الثبت، يقال: أن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ)
ج 1 ص 288
هو: ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الله بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
أنه قال: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أي: بالعبادة والطاعة فيها (إِيمَانًا) أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة (وَاحْتِسَابًا) أي: حُسبَةً لوجه الله تعالى لا لرياء ونحوه، ونصبهما على المفعول له.
وجوز أبو البقاء فيما حكاه البرماوي: أن يكون نصبهما على الحال مصدرًا بمعنى الوصف؛ أي: مؤمنًا محتسبًا، ويحتملان التمييز أيضًا.
واستبعد الكرماني الحالية بأنه حينئذٍ لا يدل على الترجمة، إذ المفهوم منه ليس إلا أن القيام في حال الإيمان.
وأجاب: بأن كونه في حال الإيمان، وفي زمانه مشعرٌ بأنه من جملته.
ثم قال: فالتمييز والمفعول له لا يدلان أيضًا على أنه من الإيمان.
قلت: من للابتداء؛ فمعناه: أن القيام منشؤه الإيمان؛ فيكون للإيمان أو من جهته، ثم اعترض ذلك بأن شرط التمييز أن يقع موقع الفاعل نحو: طاب زيد نفسًا.
وأجاب: بأن اطراد هذا الشرط ممنوع، ولئن سلمنا فهو أعم من كونه فاعلًا بالفعل أو بالقوة كما يؤول: طار زيد فرحًا، بقولك: طيره الفرح فهو في قوة إقامة الإيمان. انتهى.
وتعقبه العيني بما لا يخلو عن تكلف.
وقال في (( بهجة النفوس ) ): يحتمل أن الإيمان والاحتساب بمعنى لأن الإيمان يتضمن الاحتساب، فيكون فائدة توكيده؛ ليفرق بين الإيمان الحقيقي وبين الإيمان الضعيف، فيكون هذا الفضل لا يحصل إلا لمن كانت له الدرجة العليا في الإيمان، ويحتمل تغايرهما فالإيمان شرط في القبول والاحتساب؛ ليكون مقابلًا بغفران الذنوب. انتهى.
وقال الكرماني في الحديث الآتي في تطوع قيام رمضان من الإيمان:
فإن قلت: كل من اللفظين يغني عن الآخر، إذ المؤمن لا يكون إلا محتسبًا والمحتسب لا يكون إلا مؤمنًا فهل غير التأكيد فيه فائدة أم لا؟.
قلت: المصدق بالشيء ربما لا يفعله مخلصًا بل للرياء ونحوه والمخلص في الفعل ربما لا يكون مصدقًا بثوابه وبكونه طاعة مأمورًا به سببًا للمغفرة ونحوه أو الفائدة هو التأكيد ونعم الفائدة. انتهى.
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمجهول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ما موصولة أو موصوفة نائب فاعل غفر، وفي كتاب الصيام من هذا الكتاب زيادة: (( وما تأخر ) ).
والمراد بالذنب هنا: الصغائر كما في نظائره من المكفرات للأدلة الدالة على أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله تعالى.
وقال النووي: وفي التخصيص نظر، لكن أجمعوا على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو الحد. انتهى.
ويستثنى من الذنب أيضًا ما كان حقًا لآدمي للإجماع على أن حقوق العباد لا بد فيها من إرضاء الخصوم فهو عام اختص بحق الله تعالى بالإجماع ونحوه مما يدل على التخصيص.
وقال هنا: من يقم بالمضارع وفيما بعده من قوله: (( من قام رمضان ) )من صام رمضان بالماضي.
قال الكرماني: لأن قيام رمضان وصيامه محقق الوقوع، فجاء بلفظ يدل عليه، بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن فلهذا ذكره بلفظ المستقبل.
فإن قلت: فما بال الجزاء لم يطابق الشرط في الاستقبال مع أن المغفرة في زمن الاستقبال؟.
قلت: إشعارًا بأنه متيقن الوقوع متحقق الثبوت فضلًا من الله تعالى على عباده.
فإن قلت: لفظ من يقم ليلة القدر هل يقتضي قيام تمام الليلة أو يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام فيها؟.
قلت: يكفي الأقل، وعليه بعض الأئمة، حتى قيل: بكفاية أداء فرض صلاة العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظاهر منه عرفًا أنه لا يقال: قيام الليلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها.
فإن قلت: ما معنى القيام فيها، إذ ظاهره غير مراد قطعًا؟.
قلت: القيام للطاعة، فإنه معهود من قوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] ، وهو حقيقة شرعية فيه. انتهى.
وقال العيني: إن من يقم ليلة القدر مثل من يصم يومًا، فكما لا يكفي صوم بعض اليوم ولا أكثره، فكذلك لا يكفي قيام بعض ليلة القدر ولا أكثرها، وذلك لأن ليلة القدر مفعول ليقم، وشأن المفعول أن يكون مشمولًا بفعل الفاعل. انتهى.
وأقول: في قياسه القيام على الصوم نظر، إذ صوم بعض اليوم أو أكثره لا يقال: له صوم، بخلاف قيام بعض الليل أو أكثره، وكون المفعول مشمولًا بفعل الفاعل غير لازم بدليل: ضربت زيدًا، فإن الضرب يقع على جزء منه.
ويجيء فعل الشرط هنا مضارعًا والجزاء ماضيًا على حد قول عائشة رضي الله تعالى عنها: (( إن أبا بكر رجل أسيف متى يقم مقامك رق ) )على بعض الروايات دليل على جوازه، قاله ابن مالك، وأيده بقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ} [الشعراء:4] ؛ لأن فظلت معطوف على الجواب، فله حكمه، وهو مذهب الفراء، وهو الصحيح؛ لوروده نثرًا ونظمًا.
وأورد ابن مالك في (( توضيحه ) )على جوازه عشرة شواهد شعرية، ومنعه الأكثرون وخصوه بالضرورة، وقالوا: إن الحديث مروي بالمعنى، وأما الآية فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
قال في (( الفتح ) ): وعندي في الاستدلال بالحديث نظر؛ لأني أظنه من تصرف الرواة؛ لأن المشهور في روايته عن أبي هريرة بالمضارع، وكذا رواه النسائي عن محمد بن ميمون عن أبي اليمان بلفظ: (( من يقم ليلة القدر يغفر له ) )، ورواه أبو نعيم في (( المستخرج ) )عن سليمان والطبراني من طريق
ج 1 ص 289
أبي اليمان بلفظ: (( لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا إلا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )فظهر أنه من تصرف الرواة لأن مخرج الحديث واحد.
وتعقبه العيني بقوله: قلت: لم لا يجوز أن يكون تصرف الرواة فيما رواه النسائي والطبراني، وأن ما رواه البخاري بالمغايرة بين الشرط والجزاء هو اللفظ النبوي، بل الأمر كذلك؛ لأن رواية محمد بن علي بن ميمون عن أبي اليمان: لا تعادل رواية البخاري عن أبي اليمان، ولا رواية أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أبي اليمان مثل رواية البخاري عنه.
ويؤيد هذا: أن رواية مسلم أيضًا مثل رواية البخاري ولفظه: (( من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )ولفظ حديث الطبراني: (( ينادي بأعلى صوته ) )بوقوع التغيير والتصرف من الرواة فيه؛ لأن فيه النفي والإثبات موضع الشرط والجزاء في رواية البخاري ومسلم. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) ): فقال: أما التجويز فلا مانع منه، لكنه لما احتمل لا يصلح للاحتجاج سواء كان راجحًا أو مرجوحًا، وكذا تقديم رواية البخاري ومسلم، لكنه لما كان يحتمل امتنع الجزم بأن اللفظ النبوي هو بعض تلك الألفاظ، وحينئذ فلا يصلح للاحتجاج به. انتهى.
أقول: ما جنح إليه صاحب (( الفتح ) )من عدم صلاحية الأحاديث للاحتجاج على إثبات الأحكام النحوية، صرح به أبو حيان، وشنع على ابن مالك في إثباته إياها بالأحاديث، والأقرب إلى الصواب ما ذهب إليه ابن مالك، فإن المطلب ظني لا يقيني فلا يقدح فيه ذلك الاحتمال.
قال البدر الدماميني في (( شرحه على التسهيل ) ): وقد أكثر من الاستدلال بالأحاديث النبوية على إثبات الأحكام النحوية.
وشنع أبو حيان عليه وقال: إن ما استند إليه من ذلك لا يتم إلا لتطرق احتمال الرواية بالمعنى إلى ما يستدل به من تلك الأحاديث، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه عليه الصلاة والسلام: حتى يقوم به الحجة.
وقد أجريت ذلك لبعض شيوخنا فصوب رأي ابن مالك فيما فعله من ذلك بناء على أن اليقين غير مطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية، وكذا ما تتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ، وقوانين الإعراب، فالظن في ذلك كله كافٍ، ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتج به لم يبدَّل؛ لأن الأصل عدم التبديل لاسيما والتشديد في الضبط، والتحري في نقل الأحاديث شائع بين النقلة والمحدثين ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى إنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه، فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون مع قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحًا، فيلغى ولا يقدح في صحة الاستدلال بها، ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدون في الكتب، وأما ما دُوِّنَ وحُصِّلَ في بطون الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم في ذلك.
قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى: أن هذا الخلاف لا نراه جاريًا، ولا أجراه الناس فيما نعلم فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتابٍ مصنَّف، ويثبت فيه بدله لفظًا آخر بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والتعب، وذلك مفقود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب. انتهى كلام ابن الصلاح وتدوين الأحاديث والأخبار، بل وأكثر الروايات.
وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية حين كان كلام أولئك المبدلين على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال، ثم دون ذلك البدل على تقدير التبديل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى كما قال ابن الصلاح، فبقي حجة في بابه صحيحة، ولا يضر توهم ذلك الاحتمال السابق في شيء من استدلالهم المتأخر، والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام الدماميني بحروفه.
ونقلته على طوله لما فيه من تحقيق محل النزاع، وللاحتياج إليه في كثير من المواضع، وعلم منه: أن ما قاله العيني هو الحق الحقيق بالقبول.
وقوله: ليلة القدر مفعول فيه ليقم، أو مفعول به له بتضمينه معنى يجيء، ويشهد له ما جاء في رواية أخرى للبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في رمضان: (( من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).
وفي رواية للنسائي: (( فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن ذنبه ) ).
قال الكرماني وتبعه العيني: يتعلق بغفر؛ أي: غفر من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل، أو من ذنبه بيان لما تقدم فهو مرفوع المحل
ج 1 ص 290
على لأن ما تقدم هو مفعول ما لم يسم فاعله. انتهى.
وأقول: المنصوص عليه في كثير من كتب العربية أن من المبنية ومجرورها في محل نصب على الحال.
قال البدر الدماميني في (( شرحه على التسهيل ) ): وهي ومخفوضها في ذلك في موضع نصب على الحال، ومنه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج:30] . انتهى فليحرر.
وليلة القدر قد اختلف فيها هل هي محققة ترى أم لا؟.
فقال قوم: رفعت لقوله عليه الصلاة والسلام حين تلاحى رجلان: (( رفعت ) ).
قال العيني: وهذا غلط؛ لأن آخر الحديث يرد عليه: (( وهو عسى أن يكون خيرًا لكم التمسوها في السبع والتسع ) )وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علم عينها لا رفع وجودها.
وقال النووي: أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر وهي موجودة ترى، ويحققها الله تعالى لمن شاء من بني آدم كل سنة في رمضان، وأخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصى.
وأما قول المهلب: لا يمكن رؤيتها حقيقة؛ فغلط.
وقال الزمخشري: ولعل الحكمة في إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلبًا لموافقتها فتكثر عبادته وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل، فيفرطوا في غيرها، ثم إن القائلين بوجودها وعدم رفعها اختلفوا هل هي منتقلة أو تلزم ليلة واحدة كل سنة؟.
فقال جماعة: هي منتقلة تكون في سنة في ليلة، وفي سنة في ليلة أخرى وهكذا وبهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على اختلاف أوقاتها، وبه قال مالك وأحمد وغيرهما، قالوا: أنها تنتقل في العشر الأواخر من رمضان، وقيل: بل في كله، وقيل: أنها معينة لا تنتقل أبدًا، بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها، وقيل: هي في السنة كلها، وقيل: في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله.
وقيل: بل في العشر الأوسط والأواخر، وقيل: بل في الأواخر، وقيل: تختص بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعه، وقيل: بل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، وقيل: ليلة أربع وعشرين وهو محكي عن بلال وابن عباس رضي الله عنهم.
وقيل: سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال زيد بن أرقم: سبع عشرة، وقيل: تسع عشرة، وحكي عن علي رضي الله عنه، وقيل: آخر ليلة من الشهر، وميل الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنها ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين، ذكره الرافعي وهو خارج عن المذكورات، كذا في العيني.
وقد نقل الكرماني هذه الأقوال عن النووي إلا أنه قال: وقيل: هي في السنة كلها، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه.
وقال الكرماني متعقبًا له: ثم إن مذهب أبي حنيفة مخالف لما ذكره ولمذهب صاحبيه أيضًا.
قال في المنظومة:
~وليلة القدر بكل الشهر دائرة وعيناها فأدري
وأخرج المصنف هذا الحديث مطولًا في الصيام، وسيأتي تمام الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي ومالك في (( الموطأ ) ).
قال ابن بطال: هذا الحديث أيضًا حجة على أن الأعمال إيمان؛ لأنه جعل القيام إيمانًا، فبهذا تحصل المناسبة بين الحديث والترجمة.