وبالسند قال:
745 - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) : سعيد بن محمد المصري (قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) : الحجبي بضم العين (قَالَ: حَدَّثَنِي) : بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) : بالتصغير واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله التيمي واسم ابنه عبد الرحمن.
(عَنْ أَسْمَاءَ) : بالمد (بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) : وللأصيلي زيادة: رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ) : بالكاف، وهو للشمس بخلاف القمر فإنه يقال فيه خسوف.
قال في (( المصباح ) ): كسفت الشمس من باب ضرب كسوفًا وكذلك القمر قاله ابن فارس والأزهري.
وقال ابن القوطية أيضًا: كسف القمر والشمس وكسفها الله كسفًا يتعدى ولا يتعدى.
وقال في باب الخاء: خسف القمر ذهب ضوءه أو نقص وهو الكسوف أيضًا.
وقال ثعلب: أجود الكلام خسف القمر وكسفت الشمس.
وقال أبو حاتم في الفرق: إذا ذهب بعض نور الشمس فهو الكسوف ولذا ذهب جميعه فهو الخسوف. انتهى.
(فَقَامَ) صلى الله عليه وسلم (فَأَطَالَ الْقِيَامَ) : لأنه قرأ فيه سورة البقرة (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) : لأنه سبح فيه نحو مائة تسبيحة يقول: سبحان ربي العظيم (ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ) : أي: بقراءته فيه بآل عمران أو مائتي آية (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) : بتسبيحه فيه نحو ثمانين تسبيحة.
(ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) : من الركوع ولا إطالة هنا ومن ثم لم يذكرها (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ) : بتسبيحه فيه نحو مائة تسبيحة كما في الركوع الأول (ثُمَّ رَفَعَ) : أي: من السجود وليس في هذا الرفع تطويل (ثُمَّ سَجَدَ) : أي: بعد الجلوس بين السجدتين من غير تطويل (فَأَطَالَ السُّجُودَ) : بتسبيحه فيه ثمانين تسبيحة مثل الركوع الثاني.
(ثُمَّ قَامَ مِنَ السُّجُودِ) : الثاني (فَأَطَالَ الْقِيَامَ) : بقراءته فيه نحو مائة وخمسين آية أو النساء بعد الفاتحة (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) : بتسبيحه فيه نحو سبعين تسبيحة (ثُمَّ رَفَعَ) : أي: من الركوع الأول من الركعة الثانية(فَأَطَالَ
ج 2 ص 556
الْقِيَامَ): بقراءته فيه نحو مائة آية أو سورة المائدة (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) : بتسبيحه فيه نحو خمسين تسبيحة (ثُمَّ رَفَعَ) : أي: من الركوع الثاني ولا إطالة في هذا الرفع (فَسَجَدَ) : وللأصيلي: .
(فَأَطَالَ السُّجُودَ) : أي: لتسبيحه فيه نحو سبعين تسبيحة (ثُمَّ رَفَعَ) : أي: من السجود ولا طول في هذا الرفع (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجودَ) : الثاني لتسبيحه فيه نحو خمسين تسبيحة (ثُمًّ انْصَرَفَ) : صلى الله عليه وسلم بالسلام بعد التشهد ولم يرد فيه تطويل وهذه الكيفية أكمل كيفيات صلاة الكسوف ولا يجوز فعلها بأكثر من ركوعين خلافًا لمن جوز فعلها بأربع ركوعات ولا تعاد لتمادي الكسوف.
قال العيني: وهي كهيئة النافلة عندنا بغير أذان ولا إقامة مثل صلاة الفجر والجمعة في كل ركعة ركوع واحد، وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى وهو مذهب عبد الله بن الزبير.
ورواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن ابن عباس وروي ذلك أيضًا عن ابن عمر وأبي بكرة وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو وقبيصة الهلالي والنعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة.
وعند الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وعلماء الحجاز: صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان.
وعن أحمد وإسحاق: في كل ركعة ثلاث ركوعات.
واحتج الشافعي ومن معه بحديث عائشة [1] رضي الله عنها أخرجه الأئمة الستة في كتبهم على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
وحديث الثلاث ركوعات في كل ركعة أخرجه مسلم عن عطاء عن جابر قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ست ركوعات بأربع سجدات. انتهى.
وعند أبي حنيفة: لا يجهر بكسوف الشمس.
قال النووي في (( شرح مسلم ) ): مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق: يجهر فيهما.
وقال محمد بن جرير الطبري: الجهر والإسرار سواء، وعند الشافعية تصلى في وقت الكراهة لأن سببها متقدم وعند الحنفية لا تصلى فيه وهو مذهب الحسن والثوري وابن علية ومالك.
وسيأتي تمام الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى مستوفى في بابه.
(فَقَالَ) : صلى الله عليه وسلم (لِأَصْحَابِهِ: قَدْ دَنَتْ) : أي: قربت (مِنِّي الجنَّةُ) : يحتمل أن يكون هذا الدنو حقيقيًا ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم: (( حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف ) ).
لكن يكون المراد من الجنة صورتها لأن الأرض لا تسع الجنة لأن عرضها السماوات والأرض، ويدل له ما يأتي في الباب الذي بعده: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار.
لكن يعكر عليه قوله: لجئتكم بقطاف وقوله في الحديث الآتي: فتناولت منها عنقودًا؛ لأن المجيء بالقطاف وتناول العنقود لا يكون إلا من الجنة لا من صورتها وكون المراد بالقطاف والعنقود صورتهما في غاية البعد لقوله في الحديث الآتي ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا.
اللهم إلا أن يقال لا مانع أن يجعل الله تعالى العنقود الحقيقي في صورة الجنة، ويحتمل أن يكون مجازيًا على معنى كشف له صلى الله عليه وسلم عنها وهي في مكانها وكذلك النار، لكن يصد عنه قوله في الحديث الآتي ممثلتين في قبلة هذا الجدار وتناول العنقود فليحرر ذلك فإني لم أر أحدًا من مشاهير الشراح تعرض لذلك.
ومحمل مثل هذا عند الصوفية على عالم المثال فإنه عالم واسع خارج عن طور العقل كعالم البرزخ تجتمع فيه المتضادات ويدخل فيه الزمن الطويل في الزمن القصير ومنه أرض السمسمة التي ذكرها الشيخ محيي الدين بن عربي قدس سره ومنه ظهور جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي مع أن جثته تسد الأفق.
ومنه ما حكاه المناوي في (( طبقات الأولياء ) )أن رجلًا من خطباء مصر ذهب إلى شاطئ النيل لأجل غسل الجمعة فأمسك له خادمه فوطة ليتزر بها بعد انغماسه في الماء فانغمس في النيل ثم خرج فإذا هو في شاطئ الدجلة فرحمه بعض الناس وألبسه ثوبًا ثم مكث في بغداد وتزوج وجاءه أولاد فنزل يومًا إلى شاطئ الدجلة ليغتسل غسل الجمعة فخرج من شاطئ نيل مصر وإذا الخادم ممسك بالفوطة وهو يقول له أبطأت الناس ينتظرونك في الجامع فأخبر بعد ذلك بما وقع له فلم يصدق حتى أتي له بأولاده وزوجته من بغداد.
(حَتَّى لَو اجْتَرَأْتُ عَلَيهَا) : أي: على الجنة.
قال الكرماني: من الجرأة وهي الجسارة
ج 2 ص 557
وإنما كانت جرأة لأنه لم يكن مأذونًا من عند الله بأخذه منها.
والقِطاف: بكسر القاف جمع القطف وهو العنقود. انتهى.
(لجَئِتْكُمُ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا) : فالثاني جمع القطف كما قال الكرماني، والأول أيضًا جمع القطف ولا مانع من كونه بعضًا من الثاني فكأنه قال: لجئتكم بعناقيد من عناقيدها.
وفي (( القاموس ) ): قطف العنب يقطفه جناه كقطف والدابة ضاق مشيها يقطف ويقطف قِطافًا وقُطوفًا: بالكسر والضم والقطاف اسم.
وفي بعض النسخ: بقطف وهي ظاهرة.
وقال العيني: قال ابن الأثير: القطف بالكسر اسم لكل ما يقطف كالذبح والطحن ويجمع على قطاف وقطوف وأكثر المحدثين يروونه بفتح القاف وإنما هو بالكسر. انتهى.
(وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ) : أي: جهنم أعاذنا الله تعالى منها (حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ) : أي حرف نداء، وسقط أي رب لغير أبي ذر (أَوَأَنَا مَعَهُمْ) : بهمزة الاستفهام والواو العاطفة على مقدر في رواية الأكثرين، ولكريمة بحذف الهمزة لكنها مقدرة وفي رواية ابن ماجه: وأنا فيهم.
وقال الإسماعيلي: والصحيح أو أنا معهم.
وقال ابن رجب: قوله: أي رب أوأنا معهم يشير إلى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال:33] فخشي صلى الله عليه وسلم أن يكون إدناؤها منه عذابًا أرسل على الأمة فاستفهم عن ذلك، وقال: أتعذبهم وأنا معهم.
هذا القول الظاهر أنه كان بقلبه دون لسانه وكذلك سؤاله عن المرأة فإن عالم الغيب في هذه الدار إنما تدركه الأرواح دون الأجساد غالبًا وقد يدرك بالحواس الظاهرة لمن كشف الله تعالى له ذلك من أنبيائه ورسله.
ويحتمل أن يكون قوله وأنا معهم بلسانه؛ لأن هذا من باب الدعاء فإنه إشارة منه إلى أنه موعود بأنه لا يعذب أمته وهو فيهم يدل عليه ما روى عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله.
وفيه فجعل ينفخ في آخر سجوده ويبكي ويقول: لم تعدني هذا وأنا فيهم لم تعدني هذا ونحن نستغفرك الحديث خرجه أحمد وأبو داود والنسائي وأما سؤاله عن المرأة فلا يحتمل أن يكون بلسانه. انتهى.
(فَإِذَا امْرَأَةٌ) : لم يعلم اسمها لكنها حِمْيَرية كما في بعض الروايات قاله ابن الملقن.
(حَسِبْتُ) : بكسر السين وضم التاء؛ أي: ظننت (أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا) : بفتح الفوقية وسكون الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة؛ أي: تخمشها.
وقال ابن الأثير: خدش الجلد قشره بعود أو نحوه.
قال في (( الفتح ) ): قائل ذلك نافع بن عمر راوي الحديث كما بينه الإسماعيلي فالضمير في أنه لابن أبي مليكة. انتهى.
وقال الكرماني: قال أي: أبو هريرة حسبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. فضمير أنه للنبي صلى الله عليه وسلم وضمير حسبت لأبي هريرة.
(هِرَّةٌ) : بكسر الهاء وتشديد الراء فاعل تخدشها؛ أي: تعذيبًا لها (قُلْتُ: مَا شَأْنُ) : أي: حال (هَذِهِ) : أي: المرأة ويحتمل أن تكون الإشارة للهرة على بعد (قَالُوا) : أي: الملائكة الموكلون بجهنم أو غيرهم.
(حَبَسَتْهَا) : بفتح الموحدة (حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) : تمييز (لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا) : سقط هي للكشميهني والحموي: قاله في (( الفتح ) ) (وَلاَ هِيَ أَرْسَلَتْهَا) : سقط هي لغير الأصيلي وابن عساكر (تَأْكُلُ) : بضم الكاف.
(قَالَ نَافِعٌ) : بن عمر راوي الحديث (حَسِبْتُ) : أي: ظننت (أَنَّهُ) : وضمير أنه يجري فيه الاحتمالان السابقان (قَالَ مِنْ خَشِيشِ) : بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة أيضًا؛ أي: حشرات (الأَرْضِ) : وهوامها (أَوْ) قال (خُشَاشِ) : بتثليث الخاء المعجمة بمعناه أيضًا، وللأصيلي وأبي ذر زيادة: (( الأرض ) ).
قال في (( الفتح ) ): كذا في هذه الرواية على الشك وكل من اللفظين بمعجمات مفتوح الأول.
والمراد حشرات الأرض وأنكر الخطابي رواية خشيش وضبطها بعضهم بضم أوله على التصغير من لفظ خشاش فعلى هذا لا إنكار، ورواها بعضهم: بحاء مهملة.
وقال عياض: هو تصحيف. انتهى.
وفي قوله: فعلى هذا لا إنكار نظر لأن ثبوت خشيش بالتصغير لا يدفع إنكار خشيش بدونه.
ومن فوائد الحديث: لا يجوز تعذيب الحيوان وأن المظلوم من الحيوان يسلط يوم القيامة على ظالمه.
وأخرجه المؤلف في الشرب أيضًا والنسائي وابن ماجه في الصلاة.
[1] في هامش المخطوط: (( لعل الصواب أسماء ) ).