وبالسند إلى المؤلف قال:
27 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) بفتح التحتية وألف بعد الميم الحكم بن نافع الحمصي (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأصيلي: (شُعَيْبٌ) هو: ابن أبي حمزة الأموي (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم.
(قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) بإسكان العين (بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) من الوقص وهو الكسر القرشي الزهري، سمع أباه، وعثمان، وجابر بن سمرة، وجماعة من الصحابة، وروى عنه سعيد بن المسيب، وسعد بن إبراهيم، والزهري، وآخرون، وكان ثقة كثير الحديث، مات سنة ثلاث أو أربع ومائة بالمدينة، روى له الجماعة.
(عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكور رضي الله عنه، وكنيته أبو إسحاق وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر الخلافة إليهم وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلاب وهو الأب الخامس، أسلم قديمًا وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أربعة، وقيل: بعد ستة، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكان مجاب الدعوة، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأول من أراق دمًا في سبيل الله، وكان يقال له فارس الإسلام، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليها، روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائتا حديث وسبعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر.
روى له الجماعة وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر رضي الله عنه، وولاه عمر العراق وهو الذي بنى الكوفة، ولما قتل عثمان رضي الله عنه اعتزل سعد الفتن ومات بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: خمس، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وحمل إلى المدينة على رقاب الرجال ودفن بالبقيع وهو آخر العشرة موتًا، وفي الصحابة من اسمه سعد فوق المائة.
تنبيه: العشرة المبشرون بالجنة كلهم من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى رَهْطًا) أي: جماعة.
في (( الصحاح ) ): رهط الرجل قومه وقبيلته، والرهط ما دون العشرة من الرجال ولا يكون فيهم امرأة انتهى.
وقال صاحب (( العين ) ): الرهط عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول من سبعة إلى عشرة وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر انتهى، ولا واحد له من لفظه، وجمعه أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط.
(وَسَعْدٌ جَالِسٌ) جملة اسمية وقعت حالًا، وفيه وضع الظاهر مكان المضمر والأصل وأنا جالس وهو من الالتفات عند السكاكي خلافًا للجمهور. وقال في (( الفتح ) ): فيه تجريد فليتأمل.
(فَتَرَكَ) بالفاء عطفًا على أعطى (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا) قال في (( الفتح ) ): اسمه جعيل بن سراقة الضمري سماه الواقدي في المغازي؛ أي: لم يعطه مع سؤاله العطاء.
(هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي: أفضلهم وأصلحهم وأحقهم في اعتقادي، ومقتضى الظاهر أن يقول أعجبهم إليه بالغيبة لقوله: وسعد جالس ففيه التفات.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ) يعني: لأي سبب عدولك عنه إلى غيره مع استحقاقه، ولفظة فلان كناية عن علم أبهم بعد أن ذكر (فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا) أكده بالقسم وأن واللام لما أنه ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنه غير مؤمن لعدم إعطائه مع أنه مؤمن بحسب ظنه، ففيه دليل على جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم ينهه عنه.
قال في (( الفتح ) ): وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه أقسم على وجدان الظن وهو كذلك، ولم يقسم على أن الأمر المظنون كما ظن انتهى.
(وأُرَاهُ) بضم الهمزة، قال في (( الفتح ) ): وقع في روايتنا من طريق أبي ذر وغيره بضم الهمزة هنا، وفي الزكاة وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره.
وقال النووي: بل هو بفتحها؛ أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها فيصير بمعنى أظنه؛ لأنه قال بعد ذلك: غلبني ما أعلم منه انتهى.
ولا دلالة فيما ذكر على تعيين الفتح لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى:
ج 1 ص 263
{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة:10] سلمنا لكن لا يلزم من إطلاق العلم أنه لا تكون مقدماته ظنية فيكون نظريًا لا يقينيًا، وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب (( المفهم ) )في شرح مسلم فقال: الرواية بضم الهمزة انتهى.
وتعقبه العيني فقال: قلت: بل الذي ذكره يدل على تعيين الفتح لأن قسم سعد وتأكيد كلامه بأن واللام، وصوغه في صورة الاسمية ومراجعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتكرار نسبة العلم إليه يدل على أنه كان جازمًا باعتقاده، وهذا لا يشك فيه قوله، لكن لا يلزم من إطلاق العلم ... إلخ لا يساعد هذا القائل؛ لأن سعدًا وقت الإخبار كان عالمًا بالجزم لما ذكرنا من الدلائل عليه انتهى.
وفيه نظر؛ لأن هذه الاستدلالات ساقطة عند ثبوت الرواية، على أن الجزم بالإيمان الذي هو أمر باطني لغير الأنبياء، ولغير من أخبر المعصوم بإيمانه أو دخوله الجنة مما لا سبيل إليه فليتأمل.
وفي (( المصابيح ) )قال ابن المنير: لو خرج قول سعد مخرج الشهادة ما أنكر عليه بت القول بأنه مؤمن بل على الشاهد أن يبت شهادته في التزكية، وهي أشد من الإيمان لأنها إيمان وعدالة، وإنما خرج مخرج المدح لصاحبه والتوسل له في طلب العطاء، فلذا نوقش في لفظه انتهى وهو كلام في غاية الحسن.
(فَقَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم معترضًا على سعد بجزمه بإيمانه مع أنه قلبي عاطفًا له على قول سعد مؤمنًا عطف تلقين (أَوْ مُسْلِمًا) قال في (( الفتح ) ): هو بإسكان الواو لا بفتحها فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك وأنه أمره أن يقولها معًا؛ لأنه أحوط، ويرد هذا رواية ابن الأعرابي في (( معجمه ) )في هذا الحديث فقال: لا تقل مؤمن بل مسلم، فوضح أنها للإضراب وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يختبر حاله الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر قاله النووي ملخصًا، وتعقبه الكرماني: بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دال على ما عقد له الباب، ولا يكون لرد الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد فائدة، وهو تعقب مردود، وقد بينا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل انتهى.
وفي (( المصابيح ) ): قال الزركشي على الإضراب عن قوله: مؤمنًا، والحكم بالظاهر فكأنه قال: بل مسلمًا ولا يقطع بإيمانه، فإن الباطن لا يعلمه إلا الله.
قلت: سيبويه يراها للإضراب بشرطين تقدم نفي أو نهي، وإعادة العامل نحو ما قام زيد، أو ما قام عمرو، ولا يقم زيد أو لا يقم عمرو، وكلاهما في الحديث منتف، نعم الكوفيون وبعض البصريين يرونها للإضراب مطلقًا، وعليه يتأتى ما قاله الزركشي، ويمكن جعلها للشك عند الجميع، والمعنى قل لأراه مؤمنًا أو مسلمًا أرشده بذلك إلى التعبير بعبارة سالمة عن الحرج إذ لا بت فيها بأمر باطن لا يطلع عليه انتهى.
أقول: وعلى تقدير كونها للإضراب ليس المعنى على إنكار كون الرجل مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأن الباطن لا يطلع عليه إلا الله تعالى، أو من أطلعه الله، فالأولى التعبير بالإسلام الظاهر، بل في الحديث إشارة إلى إيمان المذكور وهي قوله: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه.
قال سعد: (فَسَكَتُّ قَلِيلًا) قال العيني: نصب على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: سكوتًا قليلًا انتهى. وهذا لا يتمشى على قول سيبويه.
قال ابن هشام: وليس منه؛ أي: من للنائب عنه صفته كقوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا} [البقرة:35] وإنما هو حال من المصدر المفهوم من الفعل، والتقدير فكلا حالة كون الأكل رغدًا بدليل إقامتهم المجرور دون المصدر في قولهم: سير عليه طويلًا، فدل ذلك على أنه حال لا مصدر، وإلا جاز إقامته مقام الفاعل إذ المصدر يقوم مقام الفاعل باتفاق، وخالف في ذلك ابن مالك فأجاز إقامة صفة المصدر مقامه، وتبعه ابن هشام في الأوضح.
(ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي، وتحتمل الموصوفة والمصدرية (أَعْلَمُ مِنْهُ) أي: من الرجل الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: من صلاح حاله واحتياجه (فَعُدْتُ) أي: رجعت (لِمَقَالَتِي) أي: لمثلها مصدر ميمي بمعنى القول، وسقط لأبي ذر والأصيلي لفظ: .
(فَقُلْتُ) يا رسول الله (مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟. فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاه) باللام وضم الهمزة، كذا رواه ابن عساكر، ورواه أبو ذر: (مُؤْمِنًا، فَقَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (أَوْ مُسْلِمًا فَسَكَتَ) سكوتًا قليلًا، وسقط للحموي قوله: (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: لمقالته، وسقط للكشميهني إعادة السؤال والجواب عنه ثانيًا، ولم يقبل صلى الله عليه وسلم قول سعد في جعيل لما تقدم عن ابن المنير أنه لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح للتوسل إلى العطاء.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مطلعًا له على الحكمة في إعطاء أولئك، وحرمان جعيل مع أنه أحب إليه منهم (يَا سَعْدُ) ناداه مع أنه حاضر ليفرغ ذهنه لما يلقى إليه من سر ذلك وحكمته (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) آل فيه مثلها في قولك: ادخل السوق واشتر اللحم كما في قوله تعالى حكاية عن يعقوب {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} [يوسف:13] وهي التي يسمها أهالي المعاني بالعهد الذهني، والمراد به هنا الضعيف الإيمان بقرينة المقام، وحذف المفعول الثاني لأعطي لعدم تعلق الغرض به؛ أي: إني لأعطي الرجل المال لأتألف قلبه به وأرغبه في الإسلام.
(وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملة حالية، ولأبي ذر والحموي والمستملي: (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ) خشية بالنصب بدون تنوين مفعول له
ج 1 ص 264
لأعطي، وهو مضاف إلى المصدر المنسبك من أن والفعل؛ أي: خشية كب الله إياه في النار ومعنى يكبه في النار يلقيه فيها منكوسًا لكفره، إما بارتداده إن لم يعط أو لكونه ينسب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى البخل.
وأما من قوي إيمانه فلا يخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سواء في اعتقاده، وفيه الكناية لأن الكب في النار من لوازم الكفر فأطلق اللازم وأريد به الملزوم، يقال: كبه فأكب وهذا من النوادر على عكس القاعدة المشهورة، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير الهمزة، والمتعدي بالهمزة وأكب لازم وكب متعد، وقد جاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها انسل ريش الطائر ونسلته وأنزفت البئر ونزفتها أنا، وأمرت الناقة در لبنها وأمريتها أنا، وأقشع السحاب؛ أي: انكشف وقشعته الريح، وأشنق البعير رفع رأسه وشنقته أنا، وأجفل الظليم وجفلته الريح وألوت الناقة بذنبها ولوته، وصر الفرس أذنه نصبها للاستماع وأصر بها وعليت الوسادة وأعليت عليها.
قال العيني: والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألفًا له، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة وترك جعيلًا وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه خاطبه سعد رضي الله عنه في أمره؛ لأنه كان يرى أن جعيلًا أحق منهم لما اختبر منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة فنبهه النبي صلى الله عليه وسلم على أمرين:
أحدهما: على الحكمة في إعطاء أولئك الرهط، ومنع جعيل مع كونه أحب إليه ممن أعطى لأنه لو ترك إعطاء المؤلفة لا يأمن ارتدادهم فيكبون في النار.
والآخر: أنه ينبغي التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر.
وفي الحديث كما قال الحافظ والعيني وغيرهما فوائد:
الأولى: جواز الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم.
والثانية: جواز مراجعة المشفوع إليه إذا لم يؤد إلى مفسدة.
الثالثة: الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم فيه القطع.
الرابعة: أن الإمام عليه صرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم.
الخامسة: أن المتسوغ إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة.
السادسة: أنه ينبغي للمشفوع إليه أن يعتذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها.
السابعة: أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه مصلحة لينظر فيه الفاضل.
الثامنة: أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه النص كالعشرة المبشرة.
التاسعة: أن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا قرن به الاعتقاد بالقلب وعليه الإجماع، ولهذا كفر المنافقون، واستدل به جماعة على جواز قول المسلم: أنا مؤمن مطلقًا من غير تقييد بقوله: إن شاء الله تعالى.
قال القاضي عياض: فيه حجة لمن يقول بجواز الإطلاق في قوله: أنا مؤمن من غير استثناء، ورد على من أباه، وقد اختلف فيها من لدن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهلم جرًا، وكل قول إذا حقق كان له وجه، فمن لم يستثن أخبر عن حكمه في الحال، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في اللوح المحفوظ، وإلى التوسعة في القولين ذهب الأوزاعي وغيره، وهو قول أهل التحقيق نظرًا إلى ما قدمناه ورفعًا للخلاف.
العاشرة: فيه دليل على جواز الحلف على الظن وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور.
قال العيني: قلت: اختلف العلماء في يمين اللغو على ستة أقوال:
أحدها: قول مالك كما ذكروه عنه، وقال الشافعي: هي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصد اليمين كقول الإنسان لا والله، واستدل بما روي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: (( إن لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله ) ).
وحكى ذلك محمد عن أبي حنيفة، وأما المشهور عند أصحابنا أن لغو اليمين هو الحلف على أمر يظنه كما قال، والحال أنه خلافه كقوله في الماضي: والله ما دخلت الدار، وهو يظن أنه لم يدخلها والأمر بخلاف ذلك، وفي الحال كقوله وعمرو مقبل عليه: والله إنه لزيد وهو يظن أنه زيد فإذا هو عمرو انتهى.
الحادية عشر: هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمن إلا مسلمًا، وقد يكون مسلم غير مؤمن ولفظ هذا الحديث يدل عليه.
وقال الخطابي: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإيمان والإسلام فيقال له مسلم؛ أي: مستسلم، ولا يقال له مؤمن وهو معنى الحديث قال الله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14] أي: استسلمنا، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن فيقال للمسلم مؤمن، وللمؤمن مسلم، وقد تقدم الكلام فيه في أول كتاب الإيمان.
(وَرَوَاهُ) بواو العطف وللأربعة إسقاطها؛ أي: روى هذا الحديث أيضًا (يُونُسُ بن يزيد) الأيلي، قال في (( الفتح ) ): وحديثه موصول في كتاب الإيمان لعبد الرحمن بن عمر الزهري الملقب رسته بضم الراء وإسكان السين المهملتين وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحة، ولفظه قريب من سياق الكشميهني ليس فيه إعادة السؤال ثانيًا ولا الجواب عنه انتهى.
(وَصَالِحٌ) يعني ابن كيسان وحديثه موصول عند المؤلف في كتاب الزكاة، وفيه من اللطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم صالح والزهري وعامر ومعمر.
قال في (( الفتح ) ): يعني ابن راشد، وحديثه عند أحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عن عبد الرزاق عنه وقال فيه: إنه أعاد السؤال ثلاثًا، ورواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، ووقع في إسناده وهم منه أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد
ج 1 ص 265
عن ابن عيينة عن معمر عن الزهري بزيادة معمر بينهما، وكذا حدث به ابن أبي عمر شيخ مسلم في (( مسنده ) )عن ابن عيينة، وكذلك أخرجه أبو نعيم في (( مستخرجه ) )من طريقه، وزعم أبو مسعود في (( الأطراف ) ))) أن الوهم من ابن أبي عمر وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدث به مسلمًا، لكن لم يتعين الوهم في جهته، وحمله النووي على أن ابن عيينة حدث به مرة بإسقاط معمر، ومرة بإثباته وفيه بعد؛ لأن الروايات قد تظافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في (( تعليق التعليق ) )انتهى.
(وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هو محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري ضعفه ابن معين ووثقه غيره.
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، مات شهيدًا بإغراء ابنه غلمان على قتله طمعًا في الميراث سنة اثنين وخمسين ومائة عن الزهري محمد بن مسلم يعني أن هؤلاء الأربعة المذكورين رووا هذا الحديث عن الزهري بإسناده، كما رواه شعيب عنه، وحديث ابن أخي الزهري موصول عند مسلم، وساق فيه السؤال والجواب ثلاث مرات وقال في آخره: خشية أن يكب على البناء للمفعول.
وفي رواية ابن أخي الزهري لطيفة وهي رواية أربعة من بني زهرة على الولاء هو وعمه وعامر وأبوه، وفي هذا وشبهه من نحو قول الترمذي، وفي الباب عن فلان وفلان، كما قال العيني فوائد:
الأولى: كثرة طرقه ليزداد الحديث قوة وصحة.
الثانية: أن تعلم رواته ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما.
الثالثة: أن يعرف أن هؤلاء المذكورين رووه فقد يتوهم من لا خبرة له أنه لم يروه غير المذكور في الإسناد، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فيتوهم أنه غلط وليس كذلك.
الرابعة: الوفاء بشرطه صريحًا على ما قال بعضهم أن شرطه أن يكون لكل حديث راويان فأكثر.
الخامسة: أن يصير الحديث مستفيضًا فيكون حجة عند المجتهدين الذين اشترطوا كون الحديث مشهور في تخصيص القرآن ونحوه، والمستفيض بمعنى المشهور ما زادت نقلته على ثلاث.