فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

137 - (حَدَّثَنَا عَليَّ) هو ابن عبد الله بن المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيانُ) ابن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهرِيُّ) أي: محمد بن مسلم (عنْ سَعيدِ بنِ المسيّبِ) بفتح الياء (وعن عَبَّادِ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة (بنِ تميمٍ) بميمين مكسورة أوليهما ابن زيد بفتح الزاي بن عاصم الأنصاري المدني قال: أعي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين.

قال العيني: فينبغي إذًا أن يعد في الصحابة، وقال ابن الأثير وغيره أنه تابعي لا صحابي. وهذا هو المشهور وليس في الصحابة من يسمى عباد بن تميم سواه على قول من يعده صحابيًا، وممن عده من الصحابة الذهبي، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه رواية عباد عن أبيه عن عمه حديث الاستسقاء، وتبعها ابن عساكر، والصواب عن عبد الله بن أبي بكر قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن أبي عن عمه، وعباد بالضبط المذكور يشتبه بعباد بضم العين

ج 1 ص 577

وتخفيف الباء وهو والد قيس.

قال في (( الفتح ) ): قوله: (( وعن عباد ) )هو معطوف على قوله: (( عن سعيد بن المسيب ) )، وسقطت الواو من رواية كريمة غلطًا؛ لأن سعيدًا لا رواية له عن عباد أصلًا، ثم إن شيخ سعيد فيه يحتمل أن يكون عم عباد كأنه قال: كلاهما عن عمه؛ أي: عم الثاني وهو عباد، ويحتمل أن يكون محذوفًا ويكون من مراسيل ابن المسيب، وعلى الأول جرى صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي سعيد الخدري أخرجه ابن ماجه ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه فقال: إنه منكر انتهى.

(عن عَمِّه) أي: عم عباد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني من بني مازن بن النجار المدني، له ولأبويه صحبة ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوًا عضوًا، فقضى الله أن عبد الله هو الذي شارك وحشيًا في قتل مسيلمة الكذاب رماه وحشي بحربته وعلاه عبد الله بسيفه، وليس هو صاحب رؤيا الأذان كما توهمه ابن عيينة بل ذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه، ولم يشتهر له إلا حديث واحد وهو حديث الأذان، وأما عبد الله راوي هذا الحديث فروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بواحد، قتل في ذي الحجة بالحرة عن سبعين سنة، وكانت وقعة الحرة في آخر سنة ثلاث وستين، وهو أحدي ولم يصح أنه بدري.

(أَنَّهُ شَكا) بالبناء للفاعل؛ أي: عبد الله بن زيد كما صرح به ابن خزيمة (إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الرّجل) بالنصب على المفعولية، وفي بعض الروايات: مبنيًا للمفعول موافقة لمسلم كما ضبطه النووي (( الرجل ) )بالضم.

قال الزركشي: وعلى هذين الوجهين يجوز في الرجل الرفع والنصب.

وقال في (( المصابيح ) ): بل الوجهان محتملان على الأول وحده، وذلك أن ضمير (( أنه ) )يحتمل أن يكون ضمير الشأن، و (( شكا الرجل ) )فعل وفاعل تفسير لضمير الشأن، ويحتمل أن يعود إلى الراوي و (( شكا ) )مسند إلى ضمير يعود إليه، و (( الرجل ) )مفعول به انتهى.

(الذّي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: يوسوس إليه.

قال في (( الفتح ) ): وأصله من الخيال، والمعنى يظن، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين انتهى.

(أَنَّهُ) بفتح الهمزة (يَجِدُ الشَّيْءَ) أي: الحدث خارجًا منه (فِي الصَّلاَةِ) أن وما بعدها في تأويل مصدر مرفوع على النيابة عن الفاعل لـ (( يخيل ) ).

قال في (( الفتح ) ): وصرح بالخروج الإسماعيلي ولفظه: (( يخيل إليه في صلاته أنه يخرج منه شيء ) )وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه لا لضرورة انتهى.

وقد تمسك بعض المالكية بظاهر قوله: (( في الصلاة ) )فخصوا الحكم بمن كان داخلًا في الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها، وفرقوا بالنهي عن إبطال العبادة.

وأجاب في (( الفتح ) ): بأن النهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيل إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ يَنْفَتِلْ) بفتح التحتية أوله وبالنون الساكنة وبالفاء المفتوحة والفوقية المكسورة وباللام من الانفتال وهو مجزوم بلا الناهية، ويجوز فيها الرفع على أن (( لا ) )نافية ويكون هذا النفي مجازًا عن النهي كقوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] .

وكذا قوله: (أَوْ: لاَ يَنْصَرِفْ) وهو شك من الراوي.

قال في (( الفتح ) ): والشك من عليٍّ شيخ المؤلف؛ لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: (( لا ينصرف ) )من غير شك انتهى.

وقال الكرماني: إنه من عبد الله بن زيد انتهى.

وأقول: الأقرب ما قاله في (( الفتح ) )؛ لأن ما ذكره من تتبع الطرق دليل عليه بخلاف ما ذكره الكرماني فإنه احتمال عقلي لا دليل عليه.

(حَتَّى) أي: إلى أن (يَسْمَعَ صَوْتًا) أي: صوت ريح خارج من دبره (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) منه أيضًا، و (( أو ) )فيهما للتنويع لا للشك، والمراد بسماع الصوت ووجدان الريح ما مر التصريح به في حديث أبي هريرة في الباب السابق كنى عنهما بسماع الصوت ووجدان الريح لاستقباح التصريح باسميهما من غير ضرورة.

قال الخطابي: لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما وقصر الحكم عليهما حتى لا يحدث بغيرها، وإنما هو جواب على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، وقد تخرج منه الريح ولا يسمع لها صوتًا ولا يجد لها ريحًا، فيكون عليه استئناف الطهارة إذا تيقن ذلك، وقد يكون بإذنه وقر فلا يسمع الصوت أو يكون أخشم فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من

ج 1 ص 578

الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا أصل في كل أمر قد ثبت يقينًا فإنه لا يدفع حكمه بالشك كمن تيقن النكاح، فإن الشك في ذلك لا يزاحم اليقين، وقد يستدل به في أن رؤية المتيمم الماء في صلاته لا ينقض طهارته، ولا يصح الاستدلال به؛ لأنه ليس من باب ما تقدم قولنا فيه من أن المعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى؛ لأنه هو فيما يقع تحت الجنس الواحد، ولا نشك أن المقصود به جنس الخارجات من البدن، فالتعدي إلى غير جنس المقصود به اغتصاب للكلام وعدوان فيه، كذا في الكرماني.

وقال في (( الفتح ) ): وعبر بالوجدان دون الشم ليشمل ما لو لمس المحل ثم شم يده ولا حجة فيه لمن استدل به على أن لمس الدبر لا ينقض؛ لأن الصورة تحمل على لمس ما قاربه لا عينه انتهى.

وقال النووي: هذا الحديث أصل في بقاء حكم الأشياء على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، ففيه قاعدة لكثير من الأحكام، وهي استصحاب اليقين وطرح الشك الطارئ، والعلماء متفقون على ذلك، فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث بالمعنى الشامل للظن والوهم عمل بيقين الطهارة، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة عمل بيقين الحدث، فلو تيقنهما وجهل السابق فضد ما قبلهما يأخذ به إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء بكل حال، والمختار لزوم الوضوء مطلقًا، كذا في ابن الملقن. وتمام تفصيل ذلك في كتب الفروع.

قال العيني أخذًا من ابن الملقن وعلى هذا الأصل: من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث انتهى.

وقال ابن الملقن أيضًا: ونختم الكلام على الحديث بما روينا عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول قال: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت أم لا؟ فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلقتها، قال: فتركه، ثم جاء إلى سفيان الثوري فسأله، فقال: اذهب فراجعها فإن كنت طلقتها فقد راجعتها، وإلا فلا تضرك المراجعة، فتركه، وجاء إلى شريك، فقال: اذهب فطلقها ثم راجعها، فتركه، وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، وقص القصة، فقال: في جواب أبي حنيفة الصواب قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضحك مليًا، ثم قال: لأضربن لهم مثلًا، رجل مر بمثعب يسيل دمًا، فشك في ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قال له أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال له سفيان: اغسله فإن كان نجسًا فقد طهرته وإلا فقد زدته طهارة، وقال له شريك: بل عليه ثم اغسله انتهى.

ولقد أنصف رحمه الله تعالى في نقد هذه الأجوبة، وأجاد في ضرب هذا المثل، وفي الحديث كما قال الخطابي حجة لمن أوجب الحد على من وجدت منه رائحة المسكر، وإن لم يشاهد شربه ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به.

قال العيني: وفيه نظر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات والشبهة هنا قائمة فافهم.

وفيه: مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع وجواب المسائل.

وفيه: ترك الاستحياء في العلم، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث.

وفيه: قبول خبر الواحد.

وفيه: أنه من كان على حال لا ينتقل عنها إلا بوجود خلافها.

وفيه: أنهم كانوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما ينزل بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت