وبالسند قال:
380 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ) التنيسي، وللأربعة: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) وهو زيد بن سهل الصحابي الجليل، وللكشمهيني والحموي: فأسقطا أباه ونسباه لجده.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بضم الميم؛ أي: جدة إسحاق لأبيه كما جزم به ابن عبد البر وعياض وعبد الحق، وصححه النووي.
وقال العيني: ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة أحيانًا، فيصلي
ج 2 ص 157
على بساط لنا، وهو حصير ننضحه بالماء، وأم سليم هي أم أنس، وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، وهي جدة أنس، واختلف في اسم أم سليم فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: الرميصاء، وقيل: الغميصاء، وقيل: غير ذلك، وتزوج أم سليم مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد الله وأبا عمير وعبد الله، هو والد إسحاق راوي هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه أنس بن مالك.
وقال ابن سعد وابن منده وابن الحصار: يعود الضمير في جدته على أنس نفسه، ويؤيده ما ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في الحادي عشر من (( فوائد العراقيين ) )بسنده إلى إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: أرسلت جدتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها مليكة فجاءنا فحضرت الصلاة، فقمت إلى حصير لنا، الحديث، ولا تنافي بين كون مليكة جدة أنس، وبين كونها جدة إسحاق انتهى ملخصًا.
وأقول: لم يظهر لي وجه التأييد للقول الأول، وأما التأييد للقول الثاني فظاهر مع أنه مقتضى السياق وحيث كانت مليكة جدة لإسحاق وجدة لأنس فما الداعي إلى صرف الضمير عن رجوعه إلى أقرب مذكور، وجعله راجعًا للأبعد والقائلون به أئمة محققون فليتأمل.
وبعد ففي قوله: ولا تنافي بين كون مليكة جدة أنس ... إلخ نظر؛ لأن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وأبو طلحة زوج أم سليم وولده عبد الله منها، فتكون أم سليم جدة إسحاق وهي والدة أنس، ومليكة أم أم سليم جدة أنس وجدة عبد الله والد إسحاق لا جدة إسحاق، فكيف يصح رفع التنافي.
ثم رأيت صاحب (( الفتح ) )أشار إلى ذلك بقوله: ومقتضى كلام من أعاد الضمير في جدته إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مليكة ومستندهم في ذلك قول أنس فيما رواه ابن عيينة، عن إسحاق: صففت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأمي أم سليم خلفنا، هكذا أخرجه المصنف كما سيأتي في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طولها مالك، واختصرها سفيان، ويحتمل تعددها فلا يخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق لما بيناه لكن الرواية التي سأذكرها عن غرائب مالك ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها انتهى.
وأقول: لم يظهر من بيانه كون جدة إسحاق وجدة أنس واحدة كما يعلم بمراجعة كلامه لأن مليكة إن كان اسمًا لأم سليم فهي جدة إسحاق ووالدة أنس، وإن كان اسمًا لوالدة أم سليم فهي جدة أنس وجدة والد إسحاق، وهو عبد الله فليحرر.
(دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ) أي: لأجله.
قال في (( الفتح ) )وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله انتهى.
وتعقبه العيني فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين الدعاء للصلاة، ولهذا صلى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكن جعلت الطعام مقدمة لها.
وقوله: وهذا هو السر ... إلخ، فيه نظر لأنه يحتمل أن الطعام كان قد حضر وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر فيقدم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان لعدم حضور الطعام انتهى.
ولم يتعرض في (( الانتقاض ) )لدفع هذا الاعتراض.
وأقول: من المقرر عندهم أن النكات لا تتزاحم فكل أبدى من المناسبة ما سنح له، والأمر في ذلك سهل.
(صَنَعَتْهُ) أي: مليكة جدة أنس، وقال القسطلاني: أو ابنتها أم سليم والدة أنس انتهى، وفيه نظر إذ لا ذكر لأم سليم في هذا الحديث ليرجع الضمير إليها.
(لَهُ) أي: لأجله صلى الله عليه وسلم (فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّ) بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء منصوب بأن مضمرة بعد اللام، ويؤخذ مما ذكره صاحب (( الفتح ) )والعيني في قوله صلى الله عليه وسلم: (( فلأصل لكم ) )ثمانية أوجه مبني أكثرها على اختلاف الروايات:
أحدها المتقدمة، قال صاحب (( الفتح ) )كذا في روايتنا، ووجهها ابن مالك بأن اللام لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة جوازًا، واللام ومصحوبها خبر لمحذوف تقديره: قوموا فقيامكم لأن أصلي لكم،
ج 2 ص 158
ويجوز على مذهب الأخفش كون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا.
ثانيها: بحذف الياء، وهي رواية الأصيلي، وعليها فاللام لام الأمر، وهي مكسورة، وأمر الإنسان نفسه عزاه فصيح وإن كان قليل الاستعمال قال تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت:12] .
وقال السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم:75] ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالإتمام لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله انتهى.
وقال الكرماني: واللام عند حذف الياء لام الأمر، ويجوز فتحها على لغة سليم وتسكينها بعد الفاء والواو، وثم على لغة قريش.
ثالثها: بإثبات الياء ساكنة، واللام حينئذ لام كي مكسورة، وسكنت الياء تخفيفًا، وهو لغة مشهورة.
قال شاعرهم:
~ولو أن واشٍ باليمامة داره
أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراءً للمعتل مجرى الصحيح، كقوله:
~ألم يأتيك، والأنباء تنمي
وكقراءة قنبل: «إنه من يتقي ويصبر» على بعض الاحتمالات.
رابعها: فأصلي، بإثبات الياء وحذف اللام، على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر لمحذوف؛ أي: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر.
خامسها: فلنصل، بحذف الياء مع إثبات اللام، مسندًا للمتكلم، ومعه غيره بكسر اللام على الأصل، ووجهه أن اللام لام الأمر والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء.
سادسها: فأصل، بحذف اللام والياء، ونسبت للكشميهني.
قال في (( الفتح ) )وليست هي فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة.
سابعها: قوموا أصل لكم، بحذف الفاء واللام والياء، وعزاها في (( المصابيح ) )للكشميهني، وإعرابها ظاهر.
ثامنها: فلأصلَيْ بفتح اللام وإثبات الياء ساكنة.
قال العيني: ووجهها أن تكون اللام لام الابتداء للتأكيد أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جزاء شرط محذوف تقديره: إن قمتم فوالله لأصلي لكم انتهى.
ورده ابن السيد كما نقله الزركشي فقال: هو غلط لأنه لا وجه للقسم، ولو كان لقال: فلأصلين بنون التأكيد.
وأقول: يمكن الجواب عنه بما قاله الكرماني بأن خلو جواب القسم المثبت عن نون التأكيد مذهب لبعض النحاة.
وقوله: (لَكُمْ) ؛ أي: لأجلكم، وكأن الظاهر أن يقول بكم لكن لما لاحظ فيه معنى التعليل عداه باللام، وقول القسطلاني قوله: قوموا.
قال السهيلي: بمعنى الخبر كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم:75] وهم أو سبق قلم من الناسخ، والصواب والأمر في قوله: فلأصل كما تقدم، نقله عن السهيلي.
(قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا) صفة لحصير، وقوله: (قَدِ اسْوَدَّ) صفة ثانية (مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) بالبناء للمفعول، وما مصدرية؛ أي: من طول لبسه، والمراد باللبس هنا الاستعمال مجازًا مرسلًا من إطلاق المقيد، وإرادة المطلق كاستعمال المشفر، وهو شفة البعير وإرادة مطلق الشفة.
قال في (( الفتح ) )فيه أن الافتراش يسمى لبسًا، وقد استدل به على منع افتراش الحرير، ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرًا فإنه لا يحنث بالافتراش لأن الإيمان مبناها على العرف انتهى.
وتعقبه العيني فقال: لبس هاهنا ليس من لبست الثوب، وإنما هو من قولهم: لَبِست امرأة؛ أي: تمتعت بها زمانًا طويلًا، فحينئذ يكون معنى قد اسود من كثرة ما تمتع به في طول الزمان، ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم، وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة من جواز افتراش الحرير وتوسده، ولكن الذي يدرك دقائق المعاني، ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويقر أن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سدى انتهى.
وعندهما يحرم افتراشه أيضًا وتوسده، وبقولهما أخذ أكثر المشايخ كما في القهستاني عن الكرماني، وهو الصحيح كما في البرهان.
(فَنَضَحْتُهُ) أي: رششته (بِمَاءٍ) قال في (( الفتح ) )يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره، ولا يصح الجزم بالأخير بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة.
وقال في (( المنحة ) )أو لتبريده، وقال: الأظهر أنه للشك في نجاسته، وهذا بناء على مذهبهم أن النجاسة المشكوك فيها تطهر بنضحها من غير غسل،
(فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: على الحصير (وَصَفَفْتُ) قال في (( المصابيح ) )والصاد من صففت مفتوحة، وتروى بالضم، ورجحها بعضهم بأن صف متعد، وليس في اللفظ مفعول انتهى.
(أنا وَالْيَتِيمَ) قال في (( الفتح ) )كذا للأكثر، وللمستملي والحموي: والأول أفصح لما فيه من العطف على الضمير المرفوع المتصل بعد تأكيده، بخلاف الثاني
ج 2 ص 159
ويجوز في اليتيم الرفع والنصب.
قال صاحب (( العمدة ) )اليتيم، هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة.
وقال ابن الحذاء: كذا سماه، ولم يذكر غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف في اسم أبي ضميرة، فقيل: روح، وقيل غير ذلك، انتهى.
ووهم بعض الشراح فقال: اسم اليتيم: ضميرة، ويقال: روح فكأنه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه، وسيأتي في باب المرأة تكون وحدها صفاء ذكر من قال أن اسمه سليم، وبيان وهمه في ذلك إن شاء الله تعالى، انتهى.
(وَرَاءَهُ) ظرف لصففت (وَالْعَجُوزُ) المذكورة، وهي مليكة (مِنْ وَرَائِنَا) حال من العجوز إن كانت معطوفة على الضمير المتصل في صففت أو خبر لها إن كانت مبتدأ، ويجوز نصب اليتيم مفعولًا معه، كما تقدم.
قال في (( المصابيح ) )والمشهور أن مِن بكسر الميم حرف جر ووراءنا مجرور به، وجوز بعضهم أن تكون من موصولة، ووراءنا ظرف انتهى.
(فَصَلَّى لَنَا) أي: لأجل تعليمنا (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ) قيل هما الضحى فإن مالكًا ذكر هذا الحديث في ترجمة صلاة الضحى، وتعقب بما رواه ابن سيرين عن أنس بن مالك أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا مرة في دار الأنصاري الضخم الذي دعاه ليصلي في بيته، كما أخرجه المصنف فيما سيأتي.
وأجاب صاحب (( القبس ) )بأن مالكًا نظر إلى كون الوقت التي وقعت به تلك الصلاة هو وقت الضحى، فحملها عليها، وأن أنسًا لم يطلع على أنه صلى الله عليه وسلم نوى بتلك الصلاة صلاة الضحى كذا في (( الفتح ) ).
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: ذهب إلى بيته أو انصرف من الصلاة؛ أي: فرغ، وفي الحديث من الفوائد:
إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس.
وجواز النافلة جماعة، وأن الأفضل أن تكون في البيت؛ لأن المساجد تبنى لأداء الفرائض، وفيه الصلاة في بيت الداعي، وتبركه بها.
قيل: وفيه تعليم أفعال الصلاة مشاهدة مع تبركهم، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله صلى الله عليه وسلم في المسجد لتأخرها في الموقف، فأراد أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها.
وفيه تنظيف مكان المصلى من الأوساخ والزبالات والكناسات، وفيه قيام الطفل مع الرجال في صف.
وفيه تأخر النساء عن الرجال، ويستنبط منه أن إمامة المرأة للرجال لا تصح لأن من نسبها إذا كانت خلف الأطفال فبالأولى أن لا تتقدم الرجال.
وفيه أن المستحب في نوافل النهار المثنى.
قال العيني: وقال بعضهم: وفيه الاقتصار على نافلة النهار على ركعتين خلافًا لمن اشترط أربعًا.
قلت: إن كان مراده أبا حنيفة فليس كذلك لأنه لم يشترط ذلك بل قال: الأربع أفضل سواء كان في الليل أو في النهار.
وفيه صحة صلاة الصبي المميز، وفيه أن الاثنين يكونان صفًا وراء الإمام، وهو مذهب العلماء كافة إلا ابن مسعود فإنه قال: يقف الإمام بينهما، قال ابن الملقن: وبه قال أبو حنيفة والكوفيون.
وقال العيني: مذهب أبا حنيفة ليس كذلك بل مذهبه أنه إذا أم اثنين يتقدم عليهما، وبه قال محمد، واحتجا في ذلك بهذا الحديث المذكور في الباب، نعم: عن أبي يوسف رواية أنه يتوسطهما.
قال صاحب (( الهداية ) )ونقل ذلك عن ابن مسعود. انتهى.
وفيه أن المنفرد خلف الصف تصح صلاته بدليل وقوف العجوز كذلك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعية والمالكية، وقال الحنابلة وبعض أصحاب الحديث: لا تصح لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا صلاة للمنفرد خلف الصف ) ).
وأجيب بأن المراد به نفي الكمال كقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ).