وبالسند قال:
803 -804 - (حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: حَدَّثَنا) وللأصيلي وأبي ذر وابن عساكر: (شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة (عنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد(أَبُو بَكْرٍ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنُ الحَارِثِ
ج 2 ص 633
بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ)رضي الله عنه (كَانَ يُكَبِّرُ) زاد النسائي عن الزهري حين استخلفه مروان على المدينة.
(فِي كُلِّ صَلاَةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا) أي: من النوافل (فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ) ثم فصل قوله: (( كان يكبر في كل صلاة ) )بقوله: (فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ) أي: للإحرام بالصلاة (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) عبر بثم لتراخي تكبير الركوع عن تكبير الإحرام (ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: حين يشرع في الرفع من الركوع ويمده حتى ينتصب قائمًا.
(ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بالواو في الاعتدال (قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، حِينَ يَهْوِي) بفتح أوله للأكثر، وبضمه لأبي ذر (سَاجِدًا) فيه إشارة إلى أن التكبير ذكر الهوي إلى السجود، فلذا يبتدأ به من حين يشرع في الهوي من الاعتدال إلى حين يشرع في السجود.
وقول (( الفتح ) ): إلى حين يتمكن ساجدًا يوهم أنه لا يقطعه بالشروع في السجود، وليس مرادًا. انتهى.
وقال الكرماني: قال هنا: ثم يقول الله أكبر وفي سائر المواضع، ثم يكبر؛ لأن سياق الكلام على ما يدل عليه عقد الباب على هذا التكبير، فأراد أن يصرح بما هو المقصود نصًا على لفظه.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) أي: إلى أن يجلس فيشرع في دعاء الجلوس (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ) أي: ثانيًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ) أي: الثاني (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الاِثْنَتَيْنِ) لغة في الثنتين؛ أي: بعد التشهد في الركعتين الأوليين، وفيه إشعار بأن التكبير للقيام، فيشرع من ابتداء القيام بعد التشهد الأول ما داله إلى التلبس بالركعة الثالثة خلافًا لمالك كما تقدم حيث قال: لا يكبر حتى يستوي قائمًا.
(وَيَفْعَلُ ذَلِكَ) المذكور من التكبير وغيره (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، حَتَّى يَفْرُغَ) بضم الراء (مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَقُولُ) أي: أبو هريرة، وكان الظاهر التعبير بالماضي، لكنه عبر بالمضارع استحضارًا لصورة ذلك القول الماضي (حِينَ يَنْصَرِفُ) أي: يفرغ من الصلاة، وفيه ما في يقول.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: بقدرته فعبر عنها باليد مجازًا (إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا) بفتحتين (بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النون مخففة من الثقيلة (كَانَتْ هَذِهِ) أي: الصلاة التي صليتها لكم على هذه الكيفية (لَصَلاَتَهُ) عليه الصلاة والسلام؛ أي: مثلها واللام في لصلاته هي اللام الفارقة بين إن المخففة من الثقيلة، وأن النافية، وهل هي اللام المؤكدة الداخلة في خبر أن أو لام زائدة اجتلبت للفرق خلاف شهير بين النحاة.
قال في (( الفتح ) ): إن كانت هذه لصلاته، قال أبو داود: هذا الكلام يؤيد رواية مالك وغيره عن الزهري عن علي بن حسين يعني مرسلًا.
قلت: وكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون الزهري رواه أيضًا عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن أبي هريرة.
ويؤيد ذلك: ما تقدم في باب التكبير إذا قام من السجود من طريق عقيل عن الزهري، فإنه صريح في أن الصفة المذكورة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (حَتَّى فَارَقَ) غاية لقوله: (( كانت هذه لصلاته ) ).
(قَالاَ) أي: أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة المذكوران في الإسناد السابق إليهما فهو موصول.
وقوله: (وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) مقول قالا.
قال في (( الفتح ) ): وإنما ذكره ههنا استطرادًا وقد أورده مختصرًا في الباب الذي ذكر فيه ما يقول في الاعتدال. انتهى.
(وكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أي: من الركوع (يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ) بالواو، أي يجمع بينهما، وجملة: (يَدْعُو لرِجَالَ) حال من فاعل يقول أو بدل من يقول.
قال الكرماني: أو خبر ثان لكان، أو معطوف بإسقاط العاطف.
وقوله: (( لرجال ) )أي: من المسلمين كانوا يعذبون في الله والجار والمجرور متعلق بيدعو.
(فَيُسَمِّيهِمْ) أي: يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجال (بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ) بقطع همزة أنج (ابْنَ الْوَلِيدِ) بصيغة التكبير فيهما، والمدعو له أخو خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي أسر يوم بدر كافرًا، ولما فدى نفسه قيل له: هلا أسلمت قبل أن تفدي قال: كرهت أن يظن بي أني أسلمت جزعًا فحبسه المشركون
ج 2 ص 634
بمكة ثم أفلت منهم ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وَسَلَمَةَ) بفتحات (ابْنَ هِشَامٍ) بن المغيرة وهو أخو أبي جهل وكان قديم الإسلام وعذب في الله ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة استشهد سنة أربع عشرة أول خلافة عمر رضي الله عنهما (وَعَيَّاشَ) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية وبالشين المعجمة (ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) بن المغيرة خال أبي جهل لأمه أسلم قديمًا فأوثقه أبو جهل وقتل يوم اليرموك بالشام وهؤلاء الذين دعا لهم عليه الصلاة والسلام نجوا من أسر الكفار وشرهم ببركة دعائه لهم.
قال الكرماني: فهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحد منهم ابن عم الآخر.
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،) من عطف العام على الخاص (اللَّهُمَّ اشْدُدْ) بهمزة وصل مضمومة عند الابتداء بها تبعًا لعين الفعل وفك الإدغام؛ لأنه لولا الفك لالتقى فيه ساكنان على غير حده (وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وفتح الهمزة هي كالضغطة من الوطئ وهو شدة الاعتماد على الرجل، وهو هنا مجاز؛ أي: اشدد بأسك أو عقوبتك.
(عَلَى مُضَرَ) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، هو ابن نزار بن معد بن عدنان وهو شعب عظيم فيه قبائل كثيرة كقريش وهذيل وأسد وتميم وضبة ومزينة، والضباب وغيرهم ومضر شعب رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتقاقه من اللبن المضير وهو الحامض، قاله ابن دريد.
ويقال لها: مضر الحمر التخصيص نزار مضرًا دون إخوته بالذهب في حياته وخص إخوته الثلاثة كل واحد منهم بشيء اشتهر به اسم القبيلة.
(وَاجْعَلْهَا) أي: الوطأة كما قال الزركشي أو الأيام وإن لم يسبق لها ذكر؛ لدلالة السنين عليها، والأقرب أن يجعل الضمير عائدًا إلى السنين وإن كانت متأخرة لفظًا ورتبة.
قال في (( المصابيح ) ): قلت: لا مانع من أن يجعل عائدًا إلى السنين لا إلى الأيام التي دلت عليها السنين، وقد نصوا على جواز عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبة إذا كان مخبرًا عنه بخبر يفسره مثل: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الأنعام:29] ، وما نحن فيه من هذا القبيل.
(عَلَيْهِمْ) أي: على مضر؛ لأن المراد هنا القبيلة (سِنِينَ) جمع سنة والمراد بها هنا زمن القحط (كَسِنِي يُوسُفَ) بإسقاط النون للإضافة جريًا على اللغة الغالبة وهي إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم، وقد يجري مجرى حين، فتعرب بالحركات الظاهرة، قال: دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيبًا وشيبتًا مردًا، وسقط لفظ (( سنين ) )لأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر.
وجملة: (وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ) بالميم حالية (يَوْمَئِذٍ) أي: يوم إذ دعا عليهم (مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ) بالخاء المعجمة (لَهُ) صلى الله عليه وسلم بكفرهم وشركهم وكانوا في نجد وهي شرقي المدينة وتقدم في وفد عبد القيس أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نصل إليك إلا في شهر حرام الحديث، وسني يوسف هي السبع التي عبرها للعزيز المذكورة في سورة يوسف عليه السلام.
قال الخطابي: وفي الحديث إثبات القنوت وأن موضعه في الرفع من الركوع وفيه أن تسمية من يدعي له أو عليه باسمه في الصلاة غير مفسد لها.
وقال العيني: قلنا: النسخ شمل الكل؛ لأن مثل هذا الدعاء عندهم يبطل الصلاة؛ لأنه يشبه كلام الناس، ويمكن طلبه منهم وما كان كذلك فيبطل الصلاة وإن كان دعاء.
وقال ابن رجب: وأما تسمية المدعو لهم وعليهم في الصلاة فجائز عند أكثر العلماء منهم عروة بن الزبير والأوزاعي والشافعي وأحمد وغيرهم، وروي عن أبي الدرداء وكرهه عطاء والنخعي وأحمد في رواية، وعند الثوري وأبي حنيفة أن ذلك الكلام يبطل الصلاة، واستدل لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صرف أصحابه عن سلامهم في التشهد على جبريل وميكائيل وأمرهم أن يسلموا على عباد الله الصالحين عمومًا، ولا حجة في ذلك؛ لأنه إنما قصد جوامع الكلم واختصاره. انتهى.
وفيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع سوى الرفع من الاعتدال فإن السنة فيه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.