وبالسند إلى المؤلف:
73 -قال: (حدثنا الحُمَيْدِيُّ) أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي القرشي صاحب الشافعي أخذ عنه ورحل معه إلى مصر ولما مات الشافعي رجع إلى مكة وكان رئيس أصحاب سفيان بن عيينة، وتقدم في أول إسناد من هذا الكتاب توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
(قالَ: حدّثنا سُفْيانُ) هو ابن عيينة (قالَ: حدّثنِي) بالإفراد وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي: (إِسْمَاعيلُ بنُ أبِي خالِدٍ عَلَى غَيْرِ ما) أي: على غير اللفظ الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهرِيُّ) برفع (( الزهري ) )على الفاعلية لحدث والغرض من ذكره: الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمعه من الزهري إما مغايرة في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما في غير ذلك.
وفائدته: التقوية والترجيح بتعداد الطرق والحاصل: أن ابن عيينة روى الحديث عن إسماعيل بن خالد وساق لفظه هنا وعن الزهري وساق لفظه في التوحيد وسيأتي ما بين الروايتين من التخالف إن شاء الله تعالى.
(قالَ) أي: إسماعيل بن أبي خالد (سَمعتُ قَيْسَ بِنَ أَبِي حازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (قالَ: سَمعتُ عبدَ الله بن مسْعُودٍ) رضي الله عنه حال كونه قد (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لاَ حَسَدَ) محمودًا في شيء.
(إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ) بتاء التأنيث؛ أي: خصلتين، وللمؤلف في (( الاعتصام ) ): اثنين بغير تاء فالاستثناء متصل
ج 1 ص 444
على تقدير تقييد الحسد بالمحمود وهو حسد الغبطة منقطع على إبقاء الحسد على حقيقته وهو المذموم ويكون المراد من نفيه النهي عنه فهو خبر مستعمل في الإنشاء كقوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] ؛ أي: لكن هاتان الخصلتان محمودتان فلا حسد مذمومًا فيهما فتمنوا مثلهما؛ لأنفسكم إذا رأيتموهما لغيركم.
(رَجُلٌ) بالرفع بتقدير إحدى الاثنتين خصلة رجل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو بالجر بدل من (( اثنتين ) )على تقدير مضاف أيضًا بدل مفصل من عمل والبدل في الحقيقة مجموع المعطوف والمعطوف عليه، ويحتمل النصب بتقدير أعني بتقدير المضاف أيضًا.
(آتَاهُ اللَّهُ) بمد الهمزة؛ أي: أعطاه (مَالًا فَسُلِّطَ) بالبناء للمفعول مع حذف الضمير وهي لأبي ذر، ولغيره: وعبر بـ (( سلط ) )ليدل على قهر النفس المجبولة على الشح.
(عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتح اللام والكاف؛ أي: إهلاكه بأن أفناه كله في الحق لا في التبذير والسفه ووجوه المكاره (وَرَجُلٌ) بالأوجه الثلاث المتقدمة (آتَاهُ اللَّهُ) بالمد أيضًا (الْحِكْمَةَ) أي: القرآن أو علم الشريعة (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بين الناس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم.
قال في (( الفتح ) ): الحسد تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، وخصه بعضهم بأن يتمنى ذلك لنفسه والحق أنه أعم وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس فإذا رأى لغيره ما ليس له أحب أن يزول ذلك عنه إليه ليرتفع عليه أو مطلقًا ليساويه وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من تعميم أو قول أو فعل.
وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى فهذا حكم الحسد بحسب حقيقته.
وأما الحسد المذكور في الحديث: فهو الغبطة وأطلق الحسد عليها مجازًا وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه والحرص على هذا يسمى منافسة فإن كان في الطاعة فهو محمود.
ومنه: {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] وإن كان في المعصية فهو مذموم ومنه: ولا تنافسوا ... وإن كان في الجائز فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين ووجه الحصر أن الطاعات إما بدنية أو مالية أو كائنة عنهما.
وقد أشار إلى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها وتعليمها، ولفظ حديث ابن عمر: (( رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ) )والمراد بالقيام به العمل به مطلقًا أعم من تلاوته داخل الصلاة أو خارجها ومن تعليمه والحكم والفتوى بمقتضاه فلا تخالف بين لفظي الحديثين.
ولأحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي: (( رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه ) ). انتهى.
وفي (( المصابيح ) )قال الزركشي: قيل: أراد الغبطة وهي تمني مثل ما له من غير زوال النعمة عنه وهذا هو قضية تبويب البخاري، وقيل: هو على حقيقته وهو كلام تام قصد به نفي الحسد أو النهي عنه ثم قال: (( إلا في اثنتين ) )فأباح هذين وأخرجهما من جملة المنهي عنه كما رخص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة وهو استثناء من غير الجنس على الأول ومنه على الثاني.
قلت: هو مشكل فإن الاستثناء متصل على الأول قطعًا؛ لأنه استثناء مفرغ من خبر عام مقدر؛ أي: لا غبطة في شيء من الأشياء إلا في اثنتين، وأما على الثاني فجعله متصلًا يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرح به والحسد الحقيقي وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد لا يباح أصلًا وكيف يباح تمني زوال نعمة الله عن المسلمين القائمين بحق الله فيها. انتهى.
وهو كلام نفيس والفرق بينه وبين جواز الكذب في بعض المواضع: أنه قد يتضمن مصلحة كالإصلاح بين الاثنين مثلًا والحسد الحقيقي ليس كذلك فلا وجه لإباحته ومما ينسب للإمام الشافعي رحمه الله:
~وداريت كل الناس لكن حاسدي مداراته عزت وعز منالها
~وكيف يداري المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
وقال بعض الفضلاء: إذا أنعم الله على أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فهو حرام بكل حال إلا نعمة
ج 1 ص 445
أصابها كافر أو فاجر أو من يستعين بها على فتنة أو إفساد.
وقال ابن بطال: وفيه من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه تبارك وتعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا كذا في العيني.