فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1465

وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

29 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) بصيغة أفعل التفضيل، أبي أسامة مولى عمر بن الخطاب، ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو ست وثلاثين ومائة (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بمثناة تحتية مفتوحة وسين مهملة خفيفة أبي محمد مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث أو أربع ومائة.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ومن لطائف هذا الإسناد أنهم كلهم مدنيون.

(قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأصيلي وابن عساكر في نسخة وأبي ذر: (صلى الله عليه وسلم أُرِيتُ) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول بمعنى أبصرت، وتاء المتكلم مفعوله الأول أقيم مقام الفاعل، وقوله: النار هو المفعول الثاني؛ أي: أراني الله (النَّارَ) ولأبي ذر: بالواو ثم راء وهمزة مفتوحتين، وللأصيلي: بالفاء، وعلى هاتين الروايتين يكون معطوفًا على رأيت الجنة؛ لأنه بعض حديث ذكر بتمامه في الكسوف (فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ) مبتدأ وخبر، وفي رواية: بنصب أكثر والنساء مفعولين لرأيت.

قال العيني: وفي بعض الروايات: (( أريت النار أكثر أهلها النساء ) )بدون قوله: فرأيت فعلى هذه الرواية أريت بمعنى أعلمت، فالتاء مفعوله الأول نائب عن الفاعل، والنار مفعوله الثاني، والنساء مفعوله الثالث، وقوله: أكثر أهلها منصوب؛ لأنه بدل من النار، ويجوز رفع النار على أنه مبتدأ، والنساء بالرفع أيضًا خبره، والجملة تكون حالًا بدون الواو كما في قوله تعالى: {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة:36] . انتهى.

قوله: ويجوز رفع النار ... إلخ صوابه: رفع أكثر كما يعلم بالتأمل، ولعله تحريف من قلم الناسخ.

وقال أيضًا: وفي (( صحيح مسلم ) )حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (( فإني رأيتكن أكثر أهل النار ) )، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟! قال: (( تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين ) )الحديث.

فقوله: أكثرَ بالنصب إما على المفعول، أو على الحال على مذهب ابن السراج وأبي علي الفارسي وغيرهما ممن قال: إن أفعل لا يتعرف بالإضافة، وقيل: هو بدل من الكاف في رأيتكن.

وقوله: (( وما لنا أكثر أهل النار ) ): قال النووي: نصب أكثر على الحكاية. انتهى.

أقول: ويجوز أن يكون منصوبًا على الحال على مذهب ابن السراج ومن وافقه.

(يَكْفُرْنَ) بلفظ المضارع للأكثر، وهي جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا كأن سائلًا سأل: لِمَ كُنَّ أكثر أهل النار؟ …وللأربعة: بباء السببية المتعلقة بقوله: أكثر، أو بفعل الرؤية (قِيلَ) أي: قال قائل: يا رسول الله (أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟) الهمزة للاستفهام الحقيقي، وهو دليل على أن الكفر لفظ مجمل بين الكفر بالله، والكفر الذي هو كفران العشير ونحوه.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أي:

ج 1 ص 270

الزوج فأل للعهد، وقيل: للجنس، فيشمل المعاشر مطلقًا زوجًا أو أبًا أو غيرهما من كل محرم مخالط لهن.

قال ابن الملقن: العشير: المعاشر، قالوا: والمراد به هنا: الزوج سمي بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه، ولا يمتنع كما قاله النووي حمله على عمومه، والعشير أيضًا: الخليط والصاحب. انتهى.

فإن قلت: لم غاير بين يكفرن بالله ويكفرن العشير، فعدى الأول بالباء، والثاني بنفسه؟ …

قلت: أجاب العيني تبعًا للكرماني: بأن الأول ضمن معنى الاعتراف، بخلاف الثاني، والظاهر: أن مراده تضمين معنى الاعتراف مع ملاحظة كونه مدخولًا للنفي؛ لظهور أن ليس معنى يكفرن بالله يعترفن به، والمراد بكفران العشير: كفران إحسانه، إذ لا معنى لكفران ذاته.

فحينئذ قوله صلى الله عليه وسلم: (وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ) كالبيان للجملة السابقة، وترتيب دخول النار على كفران العشير وكفران الإحسان يدل كما قال النووي على أنهما من الكبائر.

(لَوْ) حرف شرط يدل على امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، وهي هنا بمعنى أن الشرطية كما جاءت بذلك رواية الحموي والكشميهني.

وفي العيني: فإن قلت: لو لامتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح هنا هذا المعنى؟

قلت: لو هنا بمعنى أن؛ لمجرد الشرطية ومثله كثير، ويحتمل أن يكون من قبيل قوله عليه الصلاة والسلام: (( نِعمَ العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه ) ). بأن الحكم ثابتًا على النقيضين والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور. انتهى.

(أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) الدهر ظرف بمعنى الأبد، والعامل فيه أحسنت، والمراد به هنا: دهر الشخص؛ أي: مدة عمره، أو الدهر مطلقًا على سبيل الفرض مبالغة في كفرانهن، وليس الخطاب في قوله (( أحسنت ) )لواحد بعينه، بل ترك فيه الخطاب لغير معين، وهو كل من يتأتى منه الخطاب به كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ} [الأنعام:27] وهذا من المجاز على كل من قولي المتقدمين والمتأخرين، أما على قول المتأخرين القائلين: بأن الوضع في الضمائر لمعين فظاهر، وأما قول المتقدمين القائلين: بأن الوضع في الضمائر لمفهوم كلي كوضع لفظ أنا لمفهوم المتكلم، فلأن الواضع حين وضع لفظ أنا مثلًا لمفهوم كلي شرط أن لا يستعمل إلا في جزى، فاستعماله في غيره يكون مجازًا، وتحقيق وضع الضمير واسم الإشارة والموصول والحرف، والفرق بين وضعها ووضع العلم يطلب من رسالة الوضع وشروحها.

(ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) فيه حذف صفة يدل عليها السياق؛ أي: تكرهه أو لا يرضيها كقوله تعالى: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79] ؛ أي: معيبة بدليل: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79] ، والتنكير في شيئًا للتقليل أو التحقير.

(قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) الخطاب على نسق ما تقدم مصروف إلى غير معين، وقط ظرف زمان؛ لاستغراق ما مضى، وتختص بالنفي، يقال: ما فعلته قط، وقول العامة: لا أفعله قط لحن، وفيها لغات:

فتح القاف، وضمها مع تشديد الطاء المضمومة فيهما، وبفتحها مع تشديد الطاء المكسورة، وبالفتح مع إسكان الطاء، وبالفتح مع كسر الطاء المخففة.

قال الجوهري: قال الكسائي: كان أصلها قطط، فسكن الأول، وحرك الآخر بإعرابه، ثم قال بعد حكايته: فيها لغات منها عن بعضهم: قَطُ وقُطُ بالتخفيف، وزاد القاضي: قِط بكسر القاف مع التخفيف هذا كله إذا كانت زمانية، أما إذا كانت بمعنى حسب وهو الاكتفاء فهي مفتوحة ساكنة الطاء تقول: رأيته مرة واحدة فقط.

وفي هذا الحديث كما في العيني فوائد منها:

تحريم كفران الحقوق والنعم، إذ لا يدخل النار أحد إلا بارتكاب حرام.

وقال النووي: توعده على كفران العشير، وكفران الإحسان يدل على أنهما من الكبائر.

وقال ابن بطال: وفيه دليل على أن العبد يعذب على جحد الإحسان والفضل وشكر النعم.

قال: وقد قيل: إن شكر المنعم واجب.

ومنها: الدلالة على عظم حق الزوج كما تقدم أول الباب عن ابن العربي في وجه تخصيص كفران العشير دون سائر الذنوب.

ومنها: وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطاعة.

ومنها: مراجعة المتعلم العالم، والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه.

ومنها: أن النار التي هي دار عذاب الآخرة مخلوقة اليوم، وهو مذهب أهل السنة.

ومنها: جواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق.

ومنها: أن المعاصي تنقص الإيمان، ولا تدخل في الكفر الموجب للخلود في النار، وفي الحديث الذي أورده المصنف في الحيض

ج 1 ص 271

ورواه مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام فيه: (( تكثرن اللعن وتكفرن العشير ) )حرمة اللعن، وأنه كبيرة كما قال النووي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (( لعن المؤمن كقتله ) ).

قال: واتفق العلماء على تحريم اللعن، فلا يجوز لعن أحد بعينه مسلمًا أو كافرًا أو دابة إلا بعلم بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس عليهما اللعنة.

واللعن بالوصف: ليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة، وآكل الربا، وشبههم، واللعن في اللغة: الطرد والإبعاد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى، كذا في العيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت