فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

142 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضم الصاد المهملة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ) أتى به مضارعًا استحضارًا لصورة القول، كذا قال الكرماني، وأقول: لا حاجة لذلك؛ لأن المضارع هنا وقع حالًا، وهو صالح للحال والاستقبال، وإنما يحتاج إلى إبداء هذه النكتة لو كان مخصوصًا بالاستقبال.

(كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ) أي: أراد دخوله، كما وقع التصريح به في التعليق آخر الباب (قَالَ) خبر كان، وفي بعض النسخ: (( يقول ) )وعليها بنى الكرماني قوله: قال العلماء: لفظ كان في مثل هذا التركيب يفيد تكرار ذلك الفعل وبيان كونه عادة له انتهى.

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) مقول القول، الخبث بضم المعجمة والموحدة وقد تسكن، وهي رواية الأصيلي كما في الفرع، وهي ذكور الشياطين والخبائث إناثها.

وقال الخطابي في (( معالم السنن ) ): الخبث بضم الباء جمع الخبيث، وعامة أصحاب الحديث يقولونها ساكنة الباء، وهو غلط والصواب ضمها انتهى.

وأنكر عليه النووي وابن دقيق العيد؛ لأن فعلا بضم الفاء والعين تخفف عينه بالتسكين اتفاقًا، ورده الزركشي في (( تعليق العمدة ) )بأن التخفيف إنما يطرد فيما لا يلتبس كعنق من المفرد، ورسل من الجمع لا فيما يلتبس كحمر فإنه لو خفف التبس بجمع أحمر انتهى.

وتعقبه صاحب (( المصابيح ) )بأن هذا التفصيل لا يعرف لأحد من أئمة العربية بل في كلامه ما يدفعه، فإنه صرح بجواز التخفيف في عنق مع أنه يلتبس حينئذ بجمع أعنق، وهو الرجل الطويل العنق، والأنثى عنقاء بينة العنق، وجمعها عنق بضم العين وإسكان النون انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): ووقع في نسخة ابن عساكر: ويقال: الخبث؛ أي: بإسكان الموحدة، فإن كانت مخففة من المحركة فقد تقدم توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابي: الشيء المكروه، قال: فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة انتهى.

وفي الكرماني قال التوربشتي في إيراد الخطابي: هذا اللفظ في جملة الألفاظ الملحونة نظر؛ لأن الخبيث إذا جمع يجوز أن تسكن فيه الباء للتخفيف، وهذا مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته، إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر انتهى.

وفيه أيضًا قال في (( أعلام الحديث ) ): وإنما خص بذلك حال الخلاء؛ لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى، فقدم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( إن هذه الحشوش محتضرة؛ أي: تحضرها الشياطين فإذا جاء أحدكم الخلاء فليتعوذ بالله ) )انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ إظهارًا للعبودية، ويجهر بها للتعليم وإلا فهو عليه السلام محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا بسارية من سواري المسجد، وقد روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: (( إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ) )وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية انتهى.

أقول: وحيث كان على شرط مسلم فمعلوم أن هذه الزيادة زيادة ثقة، وهي

ج 1 ص 589

مقبولة؛ لأن فيها زيادة علم.

قال ابن بطال: وفيه جواز ذكر الله تعالى على الخلاء.

وقال عكرمة: لا يذكر الله تعالى في الخلاء بلسانه ولكن بقلبه.

وفي الكرماني: وأما اختلاف ألفاظ الرواة فالمعنى فيها متقارب، ألا ترى قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل:98] ؛ أي: إذا أردت قراءة القرآن، غير أن الاستعاذة متصلة بالقراءة لا زمان بينهما، وكذا الاستعاذة لمن أراد دخول الخلاء متصلة بالدخول، فلا يمنع من إتمامها في الخلاء، مع أن من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك إذا دخل الخلاء أولى من رواية من روى إذا أراد أن يدخل لأنها زيادة؛ أي: في المعنى، والأخذ بالزيادة أولى انتهى.

(تَابَعَهُ) ولابن عساكر: أي: تابع آدم بن أبي إياس.

(ابْنُ عَرْعَرَةَ) بعينين وراءين مهملتين، واسمه محمد؛ أي: في رواية هذا الحديث (عَنْ شُعْبَةَ) كما رواه المؤلف في الدعوات موصولًا، والحاصل أن محمد بن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم عنه، وهذه متابعة تامة، وفائدتها التقوية (وَقَالَ غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح المهملة آخره راء، لقب محمد بن جعفر البصري.

(عَنْ شُعْبَةَ) مما وصله البزار في (( مسنده ) )بلفظ: (إِذَا أَتَى الْخَلاَءَ) وهذا استشهاد لا متابعة، وذكره البخاري تعليقًا؛ لأنه لم يدرك زمانه، ورواه أحمد بن حنبل عن غندر بلفظ: (( إذا دخل ) )فيكون متابعة.

(وَقَالَ مُوسَى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي مما وصله البيهقي (عَنْ حَمَّادٍ) أي: ابن سلمة بن دينار الربعي، وكان يعد من الأبدال، وعلامة الأبدال أن لا يولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يولد له.

قال الكرماني: وقيل: فضل حماد بن سلمة بن دينار على حماد بن زيد بن درهم كفضل الدينار على الدرهم، مات سنة سبع وستين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري فإنه ذكره متابعة، وحماد يروي عن عبد العزيز عن أنس، فهي متابعة ناقصة لا تامة انتهى.

بلفظ: (إِذَا دَخَلَ) أي: الخلاء (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) ابن درهم الجهضمي البصري أبو الحسن الأزدي، أخو حماد بن زيد بن درهم مما وصله المؤلف في (( الأدب المفرد ) ) (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) ابن صهيب بلفظ: (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ) وسعيد هذا تكلم فيه من قبل حفظه، وليس له عند المؤلف غير هذا التعليق مع أنه لم ينفرد بهذا اللفظ، فقد رواه مسدد عن عبد الوارث عن عبد العزيز مثله، وأخرجه البيهقي من طريقه وهو على شرط المصنف، وهذه الروايات وإن كانت مختلفة اللفظ فمعناها متقارب يرجع إلى معنى واحد، وهو أنه كان يقول ذلك إذا أراد الدخول في الخلاء، ولم يذكر المؤلف ما يقول بعد الخروج منه لأنه ليس على شرطه، وإن كان صحيحًا، وفي ذلك حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان وابن خزيمة في (( صحيحيهما ) ): (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: غفرانك ) )، وحديث أنس عند ابن ماجه: (( إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ) )، وحديث ابن عباس عند الدارقطني مرفوعًا: (( الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك علي ما ينفعني ) )، وفي رواية: (( الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى علي قوته، وأذهب عني أذاه ) ).

والحكمة في ذلك أنه يستغفر الله من تركه ذكر الله تعالى مدة لبثه في الخلاء، ويقرب منه ما قيل أنه يشكر النعمة التي أنعم الله عليه بها إذا أطعمه وهضمه، فحق على من خرج سالمًا مما استعاذه منه أن يؤدي شكر النعمة في إعاذته وإجابة سؤله، وأن يستغفر الله تعالى خوفًا أن لا يؤدي شكر تلك النعم، كذا في العيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت