وبالسند قال:
275 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) : الجعفي المسندي (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) : بضم العين أبو محمد الفارسي البصري المتوفى سنة ثمان ومائتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) : ابن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) : محمد بن مسلم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) : ابن عبد الرحمن بن عوف.
وفي القسطلاني: بإسقاط لفظ ابن وهو سهو من قلم الناسخ والصواب ما هنا كما في (( التقريب ) ).
وعبارته: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. قيل: اسمه: عبد الله. وقيل: إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة. مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة. انتهى
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) : قال الكرماني: المراد من الإقامة: ذكر الألفاظ المخصوصة المشهورة المشعرة بالشروع في الصلاة وهي أخت الآذان.
وقال العيني: معناه: إذا نادى المؤذن بالإقامة فأقيم المسبب مقام السبب. انتهى.
وأقول: لا حاجة إلى ارتكاب هذا التأويل إلا على قول أبي حنيفة؛ فإن الإمام يشرع في الصلاة عنده عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة وعند أبي يوسف ومحمد وبقية الأئمة: لا يشرع إلا بعد فراغ الإقامة
(وَعُدِّلَتِ) : أي: سويت وتعديل الشيء: تقويمه يقال: عدله فاعتدل؛ أي: قومه فاستقام. وبين البخاري ذلك في الصلاة من رواية صالح بن كيسان أنه كان قبل أن يكبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ج 1 ص 779
(الصُّفُوفُ قِيَامًا) : قال الكرماني: جمع قائم كتجار وتاجر أو مصدر يجري على حقيقته فهو تمييز أو محمول على معنى اسم الفاعل فهو حال. انتهى.
وقال العيني: إذا كان لفظ: (( قيامًا ) )مصدر يكون منصوبًا على التمييز؛ لأن في قوله: (( وعدلت الصفوف ) ): إبهام فيفسره قوله: (( قيامًا ) ): أي: من حيث القيام وإذا كان جمعًا لقائم يكون انتصابه على الحالية وذو الحال محذوف تقديره: وعدل القوم الصفوف حال كونهم قائمين. انتهى.
وفيه نظر؛ إذ صاحب الحال الصفوف الذي هو نائب الفاعل وهو مذكور، والحال كما يجيء من الفاعل يجيء من نائبه ومن المفعول على أن المعنى على ما قدره فاسد؛ لأنه لا يلزم من كون القوم المعدلين قائمين أن يكون الصفوف قائمين، والمقصود هذا وقد تبعه على ذلك القسطلاني على عادته في تقليده من غير تأمل
(فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ) : بضم الميم؛ أي: مكان صلاته واسم المكان في غير الثلاثي يأتي على صيغة اسم المفعول (ذَكَرَ) : أي: تذكر قبل أن يكبر ويدخل في الصلاة (أَنَّهُ جُنُبٌ) : بفتح الهمزة وفهم أبو هريرة ذلك بالقرائن أو من قوله: (( مكانكم ) )، وإلا فالذكر المراد هنا باطن لا يطلع عليه
(فَقَالَ) : عليه السلام (لَنَا) : باللفظ حقيقة أو بالإشارة ويدل له ما عند الإسماعيلي: (( فأشار بيده ) )ففيه إطلاق القول على الفعل. ويجوز أن يكون جمع بين الإشارة والقول ليفهم من كان بعيدًا لا يسمع القول
(مَكَانَكُمْ) : منصوب على الإغراء بفعل محذوف؛ أي: الزموا مكانكم.
قال العيني: إذا ثبت أنه تكلم بهذه اللفظة فالإشارة لماذا؟ قلت: يحتمل أنه جمع بين الكلام والإشارة أو يكون الراوي روى أحدهما بالمعنى
(ثُمَّ رَجَعَ) : إلى الحجرة (فَاغْتَسَلَ) : من الجنابة (ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ) : أي: والحال أن رأسه (يَقْطُرُ) : أي: ماء من ماء الاغتسال. ونسبة القطر إلى الرأس مجاز مرسل علاقته المجاورة أو الحالية والمحلية، أو هو من مجاز الحذف. والظاهر: أن التراخي المفهوم من (( ثم ) )هنا غير مراد
(فَكَبَّرَ) : من غير إقامة مكتفيًا بالإقامة الأولى كما هو ظاهر من تعقيبه بالفاء وهو حجة لقول الجمهور أن الفصل جائز بينها وبين الصلاة بالكلام مطلقًا، وبالفعل إذا كان لمصلحة الصلاة.
وفي (( الدر المختار ) ): صلى السنة بعد الإقامة أو حضر الإمام بعدها لا يعيدها (( بزازية ) )وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما يعد قاطعًا كأكل أن تعاد.
وقيل: يمتنع فيؤول قوله: (( فكبر ) ): أي: مع رعاية ما هو وظيفة الصلاة قبل التكبير كالإقامة أو يؤول قوله أولًا: (( أقيمت ) ): أي: أمر بإقامتها أو بغير الإقامة الاصطلاحية
(فَصَلَّيْنَا مَعَهُ) : وستأتي بقية مباحث هذا الحديث _ إن شاء الله تعالى _ في كتاب الصلاة قبيل أبواب صلاة الجمعة بعد فراغ أبواب الأذان.
وفي الحديث من الفوائد: استحباب تعديل الصفوف وهو بالإجماع إلا ما شذ به ابن حزم فقال: فرض على المؤمنين تعديل الصفوف الأول فالأول والتراص فيها والمحاذاة بالمناكب والأرجل.
قال العيني: وقد اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب الشافعي وطائفة إلى أنه يستحب أن لا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وكان أنس رضي الله عنه يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة والكوفيون: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وحكاه ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة وقيس بن أبي سلمة وحماد.
وقال جمهور السلف والخلف: لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن، وقال زفر: إذا قال: قد قامت الصلاة قاموا وإذا قالها ثانيًا افتتحوا. وعن أبي موسى: أنه يشرع عقيب الفراغ من الإقامة محافظة على القول بمثل ِما يقوله المؤذن، وبه قال الشافعي وأحمد.
وفيه أيضًا: أن الإمام إذا طرأ له ما يمنعه من التمادي استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد القولين لأصحاب مالك حكاه القرطبي.
وفيه أيضًا: جواز البناء في الحدث، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
وفيه أيضًا: جواز النسيان على الأنبياء عليهم السلام في العبادات.
وفيه _ كما قال ابن بطال _ حجة لمذهب مالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام وهو قول عامة الفقهاء. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: ذكر ابن بطال أن أبا حنيفة مع مالك غير صحيح؛ لأن مذهب أبي حنيفة أن المأموم يجب عليه أن يكبر مع الإمام مقارنًا، وعند أبي يوسف ومحمد: يكبر بعده ثم قيل: الخلاف في الأفضلية. انتهى.
وأقول: ما عبر عنه بقيل هو المعتمد ففي (( الملتقى ) ): ومقارنة تكبير المؤتم تكبير الإمام أفضل خلافًا لهما. انتهى.
أي: فعندهما: بعد تكبير الإمام
ج 1 ص 780
أفضل.
وفي الحديث أيضًا: ما استدل به البخاري على الجنب إذا دخل المسجد ناسيًا فذكر أنه جنب يخرج ولا يتيمم
وقال ابن بطال: من التابعين من يقول: إن الجنب إذا نسي فدخل المسجد فإنه يتيمم ويخرج قال: والحديث يرد عليهم.
قال العيني: من الذين ذهبوا إلى التيمم: النووي وإسحاق قال: وكذا قول أبي حنيفة في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء فإنه يتيمم ويدخل في المسجد فيستقي ثم يخرج الماء من المسجد. انتهى.
وتقدم أن مسألة أبي حنيفة غير داخلة تحت ترجمة البخاري، ولا يصح قياسها على من تذكر الجنابة في المسجد؛ إذ لا مندوحة له عن الخروج بخلاف مسألة المستقي؛ فإن له مندوحة عن الدخول؛ لأنه يمكن له أن يأمر غيره بإخراج الماء ولو بالأجرة.
ولو فرض أنه لم يجد أحدًا فالقياس يقتضي أن يتيمم ويصلي؛ لأن وجود الماء مع المانع كعدمه، فلو وجد المسافر ماء وعند الماء أسد أو عدو يعدل إلى التيمم، غير أن المانع شرعي وهو عدم جواز المرور للجنب عند أبي حنيفة رحمه الله. وإنما ذهب في هذه المسألة إلى ما ذهب إليه؛ لأنه رأى أن المصلحة في التيمم للعبور وأداء الصلاة بطهارة الوضوء أتم من أداء الصلاة بالتيمم، فليتأمل.
وقال الشافعي: له العبور في المسجد من غير لبث كانت له حاجة أم لا ومثله عن الحسن وابن المسيب وعمرو بن دينار وأحمد. وعن الشافعي: له المكث فيه مطلقًا واعتبروه بالمشرك وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن لا ينجس ) ). وكان أحمد بن حنبل يقول: يجلس الجنب فيه ويمر فيه إذا توضأ، ذكره ابن المنذر.
واحتج من أباح العبور بقوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء:43] . قال الشافعي: قال بعض العلماء: القرآن معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة. وأجاب من منع: بأن المراد بالآية: نفس الصلاة وحملها على مكانها مجاز لا يصار إليه مع تأتي الحقيقة على أن الأولى حملها على عمومها؛ أي: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذه الحال إلا أن تكونوا مسافرين وهو المراد بـ {عَابِرِي سَبِيلٍ} فتيمموا واقربوا ذلك فصلوا.
وتعقب ذلك الكرماني فقال: الحمل على العموم ممتنع؛ إذ يلزم منه إرادة معنى الحقيقة والمجاز بإطلاق واحد وذلك غير جائز عندهم. انتهى.
وأقول: كل ما أوهم إرادة المعنى الحقيقي والمجازي يحمل عند الحنفية على عموم المجاز كما هو مقرر في كتبهم وقد نقل الرازي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن المراد بعابري السبيل: المسافر يعدم الماء يتيمم ويصلي والتيمم لا يرفع الجنابة فأبيح لهم الصلاة تخفيفًا.
وفي الحديث أيضًا: طهارة الماء المستعمل؛ لأنه خرج ورأسه يقطر، وفي رواية أخرى: (( ينطف ) )، وهي بمعناها.
ورواة هذا الحديث الستة ما بين بصري وأيلي ومدني. وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة. وأخرجه المؤلف أيضًا، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الطهارة والصلاة، والنسائي في الطهارة
(تَابَعَهُ) : الضمير لعثمان؛ أي: تابع عثمان بن عمر السابق قريبًا (عَبْدُ الأَعْلَى) : ابن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري (عَنْ مَعْمَرٍ) : هو ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) : محمد بن مسلم وهذه متابعة ناقصة؛ لأن معمرًا وافق عثمان في شيخ شيخه وهو الزهري ولو كانت تامة لوافقه في شيخه يونس وهو تعليق من البخاري موصول عند الإمام أحمد عن عبد الأعلى
(وَرَوَاهُ) : أي: روى هذا الحديث عبد الرحمن (الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) : محمد بن مسلم.
قال العيني: وروايته موصولة عند البخاري في أول أبواب الإمامة _ كما سيأتي إن شاء الله تعالى _ وقال بعضهم: ظن بعضهم أن السبب في التفرقة بين قوله: (( تابعه ) )وبين قوله: (( ورواه ) ): كون المتابعة وقعت بلفظه والرواية بمعناه وليس كما ظن بل هو من التفنن في العبارة. انتهى.
قلت: أراد بقوله: ظن بعضهم الكرماني؛ فإنه قال في (( شرحه ) ): فإن قلت: لم قال أولًا: (( تابعه ) )وثانيًا: (( رواه ) )؟ قلت: لم يقل: وتابعه الأوزاعي إما لأنه لم ينقل لفظ الحديث بعينه، بل رواه بمعناه؛ إذ المفهوم من المتابعة الإتيان بمثله على وجهه بلا تفاوت والرواية أعم من ذلك، وإما لأنه يكون موهمًا بأنه تابع عثمان أيضًا، وليس كذلك؛ إذ لا واسطة بين الأوزاعي والزهري وإما للتفنن في الكلام أو لغير ذلك. انتهى.
فهذا كما رأيت أجاب عنه الكرماني بثلاثة أجوبة، وكلها جياد، والجواب الذي استحسنه هذا القائل من الكرماني أيضًا، ولكن قصده الغمز فيه حيث يأخذ منه ثم ينسبه إلى الظن مع علمه بأن الذي اختاره بمعزل عن هذا الفن. انتهى كلام العيني.