وبالسند قال:
446 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) : المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) : وللأصيلي زيادة: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) : بفتح الكاف، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ) : مولى عبد الله بن عمر.
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) : زاد الأصيلي: (أَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ) : النبوي (كَانَ عَلَى عَهْدِ) : أي: زمن (رَسُولِ اللَّهِ) : وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم مَبْنِيًّا) : بتشديد المثناة التحتية (بِاللَّبِنِ) : بفتح اللام وكسر الموحدة ويجوز تسكينها مع كسر اللام، وهو: الطوب النيء فإن شوي سمي آجرًّا.
(وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ) : جملة حالية، ويجوز أن يكون سقفه معطوفًا على اسم (( كان ) )لوجود الفاصل، و (( الجريد ) )منصوب عطفًا على خبرها وهو من العطف على معمولي عامل واحد، ولا خلاف في جوازه والاحتمالان يجريان في قوله: (وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ) : وعمده _ بفتحتين وضمتين وبضم فسكون _ ويجري مثل ذلك في (( خشب ) ).
وعلى كل وجه في العمد يجري ثلاثة أوجه في الخشب فيحصل من مجموعهما تسعة أوجه حاصله من ضرب ثلاثة في مثلها، ويجمع العمود في القلة على أعمدة وفي الكثرة على عُمُد _ بضمتين _ وعَمَد _ بفتحتين _ وقرئ بهما في قوله تعالى: {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} [الهمزة:9] .
وقال الكرماني: والخشب مفردًا وجمعًا. انتهى.
وأقول: مراده بما يكون مفردًا وجمعًا المفتوح، وأما المضموم فلا يستعمل مفردًا.
ففي (( القاموس ) ): الخَشَب محركة ما غلظ من العيدان الجمع خشب بحركة أيضًا، وبضمتين، وخُشُب وخُشُبان بضمهما. انتهى. فلم يورد المضموم إلا جمعًا.
(فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ) : رضي الله عنه (شَيْئًا) : أي: لم يغيره عما كان في عهده صلى الله عليه وسلم (وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ بن الخطاب) : زمن خلافته في طوله وعرضه (وَبَنَاهُ) : حين زاد فيه (عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : فالجار والمجرور حال من بنيانه.
وقال العيني: قوله في عهد رسول الله إما صفة للبنيان أو حال وفيه نظر؛ لأن بنيانه معرفة محضة فلا مجال للوصفية.
قال الكرماني: فإن قلت: إذا بنى على تلك البنيان فكيف زاد في المسجد؟ قلت: لعل المراد بالبنيان بعضها أو الآلات أو بالزيادة رفع سمكه أو المراد على هيئة بنيانه ووضعها. انتهى.
(بِاللَّبِنِ) : في حيطانه (وَالْجَرِيدِ) : في سقفه (وَأَعَادَ) : عمر (عُمُدَهُ) : لما وهت ونخرت (خَشَبًا) : جديدًا يحتمل أن تكون تلك الخشب من النخل وأن تكون من غيره مما هو أشد صلابة منه ولم يغيره عن صورته التي كان عليها بزيادة ولا نقصان وبناه بجنس آلاته الأصلية.
(ثُمَّ غَيَّرَهُ) : بتشديد التحتية، أمير المؤمنين (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّان) : زمن خلافته لما رآه ضاق بالمسلمين ولا سيما في أشهر الحج لكثرة من يفد على المسجد الشريف من الزوار (فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً) : توسعة على المسلمين.
(وَبَنَى جِدَارَهُ) : مفرد مضاف فيعم سائر جدرانه (بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ) : بدل اللبن، وللحموي والمستملي: بالتنكير (وَالْقَصَّةِ) : بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، الجص بلغة أهل الحجاز يقال: قصص داره؛ أي: جصصها.
وقال الخطابي: تشبه الجث وليست به.
وقال العيني: القصة الجص بلغة الحجاز وهي فارسية معربة وفيها لغتان: فتح الجيم وكسرها، وهو الذي تسميه أهل مصر جير وأهل الشام كلسًا.
(وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ) : بصيغة الماضي مخففًا ومثقلًا ويحتمل أن يكون اسمًا ساكن القاف منصوبًا
ج 2 ص 229
عطفًا على عمده (بِالسَّاجِ) : متعلق بـ (( سقفه ) )على رواية سقفه بلفظ الماضي، وبجعل على روايته بلفظ المصدر والساج نوع من الخشب معروف يؤتى به من الهند الواحدة ساجة.
أقول: ما فعله سيدنا عثمان رضي الله عنه كان باجتهاد منه توسعة على المسلمين لما اتسعت رقعة الإسلام وهو معدود في تعظيم شعائر الله ولمن تأخر عنه من بناة المساجد مقاصد حسنة في تحسين المساجد لتكون معظمة في أعين الناس وجاذبة للنفوس المتهاونة في العبادة إلى حضور الجماعات، فإن النفوس حصل لها فتور في الطاعات بسبب بعد العهد النبوي فيحدث لها تحسين المساجد نشاطًا تقبل به على العبادة.
قال ابن المنير: فإن قلت: إذا كان تشييد المساجد وتحميرها وتصفيرها منهيًا عنه فكيف تنفذ الوصية به، وماذا يقال في المسجد الشريف وقد حدث فيه ما حدث من الانهدام هل كان الأولى أن يعاد بالتشييد أو كما كان باللبن والعريش؟
قلت: قد حدث عند الناس مؤمنهم وكافرهم تشييد بيوتهم وتزيينها ولم يكن أن يمنعوا من ذلك فكانت بيوت الله أولى، وذلك لأنا لو بنينا مساجدنا باللبن النيء وسقفناها بالعريش وجعلناها متطامنة بين الدور الشاهقة، ولعلها لأهل الذمة لكانت مستهانة فحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا.
ولو أن المسجد الشريف أعيد بالطين والسعف وشيدت دور المدينة إلى جنبه لكان ذلك إهمالًا من المسلمين فالذي اختاره الله الآن للمسلمين خير إن شاء الله تعالى ولو كان الزمان كما كان لما عدل عن إعادة المسجد إلى ما يناسب حال القوم من التواضع والتقنع. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة فلا لبقاء العلة. انتهى.
أقول: ويدفع ذلك بأنه لا يلزم من رفع أبنية المساجد وبنائها بالأحجار زخرفتها بالنقوش على أن شغل بال المصلي إنما يحصل بالنقش في جدار القبلة والمالكية والحنفية قائلون بكراهة النقش فيه وأما بقية الجدران فلا إشغال لقلب المصلي بنقشها فانتفت العلة الموجبة للكراهة.
قال في (( الفتح ) ): وفي حديث أنس علم من أعلام النبوة لإخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال. انتهى.
وإنما خص حديث أنس بذلك ولم يقل بمثله في حديث ابن عباس مع أن فيه إخبارًا بما سيقع فوقع كما قال لأنه موقوف على ابن عباس ولم يثبت رفعه.