وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
34 -قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وبالتحتية والصاد المهملة (بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، أبو عامر السُّوَائِي بضم المهملة وتخفيف الواو، سمع من سفيان صغيرًا فلم يضبط منه، فهو حجة إلا فيما روى عن سفيان.
قال النووي: ويكفي في جلالته
ج 1 ص 286
احتجاج البخاري به في مواضع غير هذا، وأما هذا الموضع فقد يقال: إنما ذكره متابعة لا متأصلًا.
قال الكرماني: وأقول: ليس ذكره في هذا الموضع على سبيل المتابعة؛ لمخالفة هذا الحديث ما تقدم لفظًا ومعنى من جهات، كالاختلاف في ثلاث وأربع وكزيادة لفظ خالصًا. انتهى.
وعنه أنه قال: جالست الثوري وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاث سنين، توفي في المحرم سنة ثلاث عشرة ومئتين، قاله قطب الدين في (( شرحه ) ).
وقال النووي: سنة خمس عشرة ومئتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بالحركات الثلاث في سينه: أبو عبد الله بن سعيد الثوري، منسوب إلى أحد أجداده المسمى بثور الكوفي الإمام الكبير العالم الرباني أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، المتفق على ارتفاع منزلته، وكثرة علومه، وصلابة دينه، القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم، وهو من تابعي التابعين.
قال ابن عاصم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: كتبت على ألف شيخ ومئة، وما كتبت عن أفضل من الثوري.
وقال ابن معين: كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري، وقال ابن عيينة: أنا من غلمان الثوري، وكان وهيب يقدم سفيان في الحفظ على مالك.
وفي الكرماني: روي: أن أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة وقال: إذا رأيتم سفيان فاقتلوه، فوصل النجارون إلى مكة ونصبوا الخشب، فنودي سفيان فإذا هو في حجر الفضيل بن عياض ورجله في حجر ابن عيينة، فقالوا: يا أبا عبد الله لا تشمت بنا الأعداء، فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها وقال: برئت منها إن دخل أبو جعفر، فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، وانتقل سفيان إلى البصرة فمات بها متواريًا من سلطانها، توفي سنة ستين ومئة.
(عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، الهمْدَاني بسكون الميم والدال المهملة الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة والراء والفاء، المتوفى سنة مئة في خلافة عمر بن عبد العزيز فيما قاله ابن سعد روى له الجماعة.
(عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجْدَع بالجيم والدال المهملة، أبي عائشة الهمْدَاني بسكون الميم وبالدال المهملة الكوفي، صلى خلف أبي بكر، وسمع عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهم، وكان من المخضرمين اتفق على جلالته وتوثيقه وإمامته وكان أفرس فارس باليمن وهو ابن أخت معدي كرب مات سنة ثلاث، وقيل: اثنتين وستين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرْبَعٌ) أي: أربع خصال، أو خصال أربع مبتدأ، وجملة: (مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) من الشرط والجزاء خبره.
وأعرب العيني: من موصولة مبتدأ، وكن صلتها، وكان منافقًا خبره، وهو غير ظاهر، والظاهر: ما قدمناه تبعًا للكرماني.
وقوله: (( كان منافقًا ) )محمول على ما تقدم من الوجوه الثمانية.
قال الكرماني: ووصفه بالخلوص يشد عضد الوجه السادس والسابع؛ أي: كان منافقًا عمليًا لا إيمانيًا أو منافقًا عرفيًا لا شرعيًا، إذ الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدرك الأسفل، وأما كونه خالصًا فيه؛ فلأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد عليه.
وقال ابن بطال: خالصًا معناه خالصًا في هذه الخصال المذكورة في الحديث فقط لا في غيرها.
وقال النووي: أي: شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. انتهى.
(وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ) بفتح الخاء؛ أي: خَلة بفتحها أيضًا، وهي رواية مسلم (مِنْهُنَّ كَانَتْ) وللأصيلي: (فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا) أي: يتركها (إِذَا اؤْتُمِنَ) على شيء (خَانَ) فيه (وَإِذَا حَدَّثَ) بشيء (كَذَبَ) فيه (وَإِذَا عَاهَدَ) أي: عهدًا من المعاهدة وهي المحالفة والمواثقة (غَدَرَ) أي: ترك الوفاء به ونقضه.
قال في (( الصحاح ) ): غدر به فهو غادر وغدر أيضًا، وأكثر ما يستعمل هذا في النداء بالشتم.
وفي (( المجمل ) ): الغدر: نقض العهد وتركه، ويقال: أصله من الغدير، وهو الماء الذي يغادره السيل؛ أي: يتركه، يقال: غادرت الشيء؛ أي: تركته فكأنك تركت ما بينك وبينه من العهد. انتهى.
وفي (( شرح الحضرمي ) ): غدر يغدِر ويغدُر بالكسر والضم، وفي مستقبل غدر بالكسر يغدَر بالفتح قياسًا.
(وَإِذَا خَاصَمَ) من المخاصمة وهي المجادلة (فَجَرَ) من الفجور، وهو الميل عن القصد والشق، فمعنى فجر مال عن الحق، وقال الباطل
ج 1 ص 287
إن شق ستر الديانة، وقد تحصل من الحديثين خمس خصال كما تقدم الثلاثة السابقة في الأول، والغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة في الثاني، فهي متغايرة باعتبار تغاير الأوصاف واللوازم.
ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما في الباطن، أما في الماليات وهو إذا اؤتمن، وأما في غيرها وهو إما في حالة الكدورة فهو إذا خاصم، وأما في حالة الصفاء فهو إما مؤكد باليمين فهو إذا عاهد أولًا فهو بالنظر إلى المستقبل فهو إذا وعد، وأما بالنظر إلى الحال فهو إذا حدث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث؛ لأن الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة والفجور في الخصومة داخل تحت الكذب في الحديث.
ورجال هذا الحديث كلهم كوفيون إلا الصحابي على أنه دخل الكوفة أيضًا، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، والتحديث والعنعنة.
وأخرجه المؤلف أيضًا في الجزية، ومسلم في الإيمان، وأصحاب السنن.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان الثوري (شُعْبَةُ) بن الحجاج في رواية هذا الحديث (عَنِ الأَعْمَشِ) قال في (( الفتح ) ): وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم، ورواية قبيصة عن سفيان وهو الثوري: ضعفها يحيى بن معين.
وقال النووي: إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة.
وتعقبه الكرماني: بأنها مخالفة في اللفظ والمعنى من عدة جهات فكيف تكون متابعة؟.
وجوابه: أن المراد بالمتابعة هنا كون الحديث مخرجًا في (( صحيح مسلم ) )وغيره من طريق أخرى عن الثوري، وعند المؤلف من طريق أخرى عن الأعمش منها رواية شعبة المشار إليها، وهذا هو السر في ذكرها هنا، وكأنه فهم أن المراد بالمتابعة حديث أبي هريرة المذكور في الباب.
وليس كذلك، إذ لو أراده لسماه شاهدًا، وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى، فليس بمسلم لما قررناه آنفًا، وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة؛ لأنها من ثقة متقن. انتهى.
وأقول: مراده بما قرره آنفًا ما تقدم من رجوع الخصلتين الزائدتين إلى الثلاث، ودخولهما تحتها.
وتعقبه العيني بقوله: قلت: نفيه التسليم ليس بمسلم؛ لأن المخالفة في اللفظ ظاهرة لا تنكر ولا تخفى، فكأنه فهم أن قوله: من جهات كالاختلاف تتعلق بالمعنى، وليس كذلك بل يتعلق بقوله: لفظًا فافهم. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأنه لا دليل على اختصاصه باللفظ. انتهى.
يعني: أن الاختلاف بين ثلاث وأربع حاصل في اللفظ والمعنى جميعًا.
وأقول: لا يخفى أن رجوع الاختلاف إلى المعنى مصادم لقول صاحب (( الفتح ) )آنفًا، وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم وغير دافع لاعتراض العيني، فليتأمل.