فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 1465

وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

32 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسي الباهلي البصري السابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (ح) مهملة إشارة إلى التحويل على المشهور، وهي ثابتة في اليونينية وفرعها، وسقطت لكريمة (وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ) .

قال في (( الفتح ) ): كذا هو في الروايات المصححة بواو العطف، وفي بعض النسخ قبلها صورة: (ح) فإن كانت من أصل التصنيف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار، وإن كانت مزيدة من بعض الرواة، فيحتمل أن تكون مهملة كذلك، أو معجمة مأخوذة من البخاري؛ لأنها رمزه؛ أي: قال البخاري وحدثني بشر. انتهى.

وبِشْر هذا بكسر الباء الموحدة وإسكان الشين المعجمة.

قال في (( الفتح ) ): هو ابن خالد العسكري، وشيخه محمد هو ابن جعفر المعروف بغُندر وهو أثبت الناس في شعبة، ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عاليًا عن أبي الوليد، واللفظ المساق هنا لفظ بشر، وكذلك أخرجه النسائي عنه، وتابعه ابن أبي عدي عن شعبة وهو عند المؤلف في تفسير الأنعام، وأما لفظ أبي الوليد فساقه المؤلف في قصة لقمان بلفظ: (( أينا لم يلبس إيمانه بظلم ) ).

وزاد فيه أبو نعيم في (( مستخرجه ) )من طريق سليمان بن حرب عن شعبة بعد قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] : فطابت أنفسنا. انتهى.

وتوفي بشر سنة ثلاث وخمسين ومائتين.

(قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولابن عساكر: كما في اليونينية وفرعها، أبو عبد الله الهذلي البصري المعروف بغندر، المتوفى فيما قاله أبو داود سنة ثلاث وتسعين ومائة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش

ج 1 ص 279

الكوفي، ولد يف عاشوارء يوم استشهد الحسين سنة ستين أو إحدى وستين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة.

قال ابن الملقن: نسب الأعمش إلى التدليس، وقد عنعن في هذا الحديث عن إبراهيم، وذكر الخطيب عن بعض الحفاظ: أنه يدلس عن غير ثقة بخلاف سفيان، لكن أسلفنا أن حديثه في (( الصحيح ) )محمول على السماع. انتهى.

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخعي التابعي الثقة الفقيه الكوفي، وكان يرسل كثيرًا، مات سنة ست وتسعين وهو مختفٍ من الحجاج، ولم يحضر جنازته إلا سبعة (عَنْ عَلْقَمَةَ) بفتح العين المهملة وبالقاف ابن قيس النخعي، يكنى بأبي شبل ولم يولد له قط، اتفقوا على رفعة قدره وكمال منزلته، مات سنة اثنتين وستين أو سبعين (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله عنه.

(لَمَّا نَزَلَتِ) وللأصيلي زيادة: ( {الَّذِينَ آمَنُوا} ) أي: آية الذين آمنوا ( {وَلَمْ يَلْبِسُوا} ) بكسر الموحدة مضارع لبَس الأمر بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع من باب ضرب يضرب، عكس لبس الثوب، فإنه من باب علم، ومصدر الأول: اللَّبس بالفتح مصدر لَبسَ الأمر إذا خلطه، ومصدر الثاني: اللُّبس بالضم؛ أي: لم يخلطوا.

( {إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ) وتمامها: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82] .

وقوله: {بِظُلْمٍ} أي: عظيم وهو الشرك؛ أي: لم يخلطوه بشرك، إذ لا أعظم من الشرك، وقد ورد التصريح بذلك عند المؤلف من طريق حفص بن غياث عن الأعمش، ولفظه: قلنا يا رسول الله: أينا لم يظلم نفسه، قال: (( ليس كما تقولون {لَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] بشرك ألم تسمعوا إلى قول لقمان، فذكر الآية ) ).

وعند مسلم: قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ) ).

فهاتان الروايتان يتفسر بهما المبهم في غيرهما.

قال البيضاوي: استئناف منه، أو من الله بالجواب عما استفهم عنه، والمراد بالظلم هنا: الشرك لما روي: أن الآية لما نزلت شَقَّ ذلك على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فقال عليه الصلاة والسلام: (( ليس كما تظنون إنما هو ما قال لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ) ).

وليس الإيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم، ويخلط بهذا التصديق الإشراك به، وقيل: المعصية. انتهى.

وقال التيمي: معنى الآية: لم يفسدوا إيمانهم ويبطلوه بكفر؛ لأن الخلط بينهما لا يتصور، فيكون الموجود منهم الإيمان متقدمًا، ثم أوقعوا الكفر عقبه فكأنهم خلطوه به، أو معناها: ينافقون، فيجمعون بينهما ظاهرًا وباطنًا وهذا أظهر في معنى اللبس، ولما كان المفهوم لغة من وقوع النكرة في سياق النفي أن المراد بالظلم مطلق مجاوزة الحد، فيشمل سائر أنواعه من معصية وكفر.

(قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ) وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ) أي: نفسه بدليل ما في بعض النسخ، ويحتمل أن المعنى لم يوجد منه ظلم بتنزيله منزلة اللازم والجملة من المبتدأ والخبر مقول القول (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى) ولأبي ذر والأصيلي: عقب ذلك ( {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ) والمعنى: أن الصحابة فهموا الظلم على الإطلاق، فشق عليهم ذلك، فبين الله عز وجل أن المراد الظلم المقيد وهو الظلم الذي لا ظلم بعده.

وقال الخطابي: إنما شق عليهم؛ لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس، والافتيات السبق إلى الشيء، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد هنا معناه الظاهر، ومن أثبت الربوبية لغير الله تعالى فهو ظالم، بل أظلم الظالمين.

قال العيني: اختلفت ألفاظ الحديث في هذا، ففي رواية جرير عن الأعمش: فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( ليس كذلك ألم تسمعوا إلى قول لقمان ) )وفي رواية وكيع عنه فقال: (( ليس كما تظنون ) )، وفي رواية عيسى بن يونس عنه: (( إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان ) ).

وفي رواية شعبة عنه: ما مضى ذكره هاهنا، فبين رواية شعبة عنه، وبين رواية جرير ووكيع وعيسى بن يونس اختلاف، والتوفيق بينها أن تجعل إحداها مبينة للأخرى، فيكون لما شق عليهم أنزل الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ، فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم المطلق في إحداهما يراد به المقيد في الأخرى، وهو الشرك.

فالصحابة رضي الله تعالى عنهم حملوا اللفظ على عمومه، فشق عليهم إلى أن أعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس كما ظننتم بل كما قال لقمان عليه السلام. انتهى.

وقال في (( فتح الباري ) ): واقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سببه نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواية البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب؛ ففي رواية جرير عنه: فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: (( ليس بذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان ) )، وفي رواية وكيع عنه: (( ليس كما تظنون ) ).

وفي رواية عيسى بن يونس عنه: (( إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان ) )، فظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت

ج 1 ص 280

معلومة عندهم، ولذلك نبههم.

ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم، ثم نبههم فتلتئم الروايات.

قال الخطابي: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يلقب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية على ما عداه يعني من المعاصي فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية، كذا قال وفيه نظر.

والذي يظهر لي: أنهم حملوا الظلم على عمومه الشرك فما دونه وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف، وإنما حملوه على العموم؛ لأن قوله: (( {بِظُلْمٍ} ) )نكرة في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر.

قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم، ويقويه نحو: (( من ) )في قوله: (( ما جاءني من رجل ) )أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك.

فإن قيل: من أين يلزم أن من لبس الإيمان بظلم لا يكون آمنًا ولا مهتديًا حتى شق عليهم، والسياق إنما يقتضي أن من لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد، فما الذي دل على نفي ذلك عن من وجد منه الظلم؟.

فالجواب: أن ذلك مستفاد من المفهوم وهو مفهوم الصفة، أو مفهوم من الاختصاص المفهوم من تقديم لهم على الأمن؛ أي: لهم الأمن لا لغيرهم، كذا قال الزمخشري في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] .

وقال في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100] أنه يفيد الاختصاص؛ أي: هو قائلها لا غيره.

فإن قيل: لا يلزم من قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] أن غير الشرك لا يكون ظلمًا؟.

فالجواب: أن التنوين في قوله: {بِظُلْمٍ} للتعظيم، وقد بين ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ عظيمٍ؛ أي: بشرك، إذ لا ظلم أعظم منه، وقد ورد ذلك صريحًا عند المؤلف في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام من طريق حفص بن غياث عن الأعمش ولفظه: قلنا: يا رسول الله! أينا لم يظلم نفسه؟ قال: (( ليس كما تقولون، {لَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} بشرك أَوَلَم تسمعوا إلى قول لقمان فذكر الآية ) ). انتهى.

وفي الحديث من الفوائد: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا عن وقت الحاجة كما ذهب إليه المازري.

قال في (( الفتح ) ): واستنبط منه المازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ونازعه القاضي عياض فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده فما هي الحاجة؟.

ويمكن أن يقال: أن المعتقدات أيضًا تحتاج إلى البيان، فلما أجمل الظلم حتى يتناول إطلاقه المعاصي شق عليهم، حتى ورد البيان فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر. انتهى.

وتعقبه العيني بما فيه تكلف فلينظر فيه.

وفي الحديث أيضًا: أن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن العام يطلق ويراد به الخاص، فحمل الصحابة رضي الله عنهم ذلك على جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه، وأن المفسر يقضي على المجمل، وأن النكرة في سياق النفي تعم، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض، وأن المعاصي لا تكون كفرًا كما هو مذهب أهل الحق.

وفي إسناده رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم: الأعمش عن شيخه إبراهيم النخعي عن خاله علقمة بن قيس، والثلاثة كوفيون فقهاء، وهذا من أحد ما قيل فيه: أنه أصح الأسانيد، وأمن تدليس الأعمش بما وقع مصرحًا فيه بالتحديث عند المؤلف فيما مر من رواية حفص بن غياث عنه حدثنا إبراهيم، وفيه التحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة.

وأخرج متنه المؤلف أيضًا في باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي التفسير، ومسلم في الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت