فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

240 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) : بفتح العين ابن عثمان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) : بالإفراد (أَبِي) : عثمان بن جَبَلة بفتح الجيم والموحدة (عَنْ شُعْبَةَ) : ابن الحجاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : عمرو بن عبد الله السَّبيعي _ بفتح السين المهملة وكسر الموحدة _ الكوفي التابعي

(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) : بفتح العين الكوفي الأَوْدي _ بفتح الهمزة وبالدال المهملة _ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم،

ج 1 ص 726

ولم يره، وحج مائة حجة وعمرة، وأدى صدقته إلى عمال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية، فاجتمعت القِرَدَة عليها ورجموها، مات سنة خمس وسبعين

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) : ابن مسعود، وفي رواية: (( قال عبد الله ) ) (قَالَ: بَيْنَا) : بغير ميم زيدت فيه الألف إشباعًا للفتحة وهو مضاف إلى الجملة بعده.

قال الكرماني والعيني: والعامل فيه: (( إذ قال بعضهم ) ): الذي يجيء في الحديث بعد التحويل إلى الإسناد الثاني. انتهى.

أقول: وكون (( بينا ) )كبينما مضافين للجملة هو الصحيح ومذهب الجمهور، وذهب قوم إلى أن ما والألف كافتان عن الإضافة، والجملة بعدهما لا موضع لها من الإعراب.

وذهب بعضهم إلى أن الألف غير كافة عن الإضافة بخلاف ما، واختاره المغاربة، ذكره السيوطي في (( الهمع ) ).

(رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ) : أي: في صلاته وبقية الحديث من رواية عبدان المذكورة: وحوله ناس من قريش من المشركين، ثم ساق الحديث مختصرًا

(ح) : مهملة إشارة إلى تحويل الإسناد، ولابن عساكر: أي: البخاري (وَحَدَّثَنِي) : بالإفراد وللأصيلي: (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) : ابن حَكِيم _ بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف _ الأودي الكوفي المتوفى سنة ستين ومائتين

(قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ) : بالشين المعجمة المضمومة وبالراء المفتوحة وبالحاء آخره (بْنُ مَسْلَمَةَ) : الكوفي التَّنُّوخي.

قال الكرماني: بالتاء المثناة الفوقية وبالنون المشددة وبالخاء المعجمة. انتهى.

وقال العيني: وتنوخ: حي من اليمن، ولا تشدد فيه النون. انتهى.

وقال السيوطي في (( لب الألباب ) ): التَّنُوخي _ بالفتح وضم النون الخفيفة ومعجمة _ نسبة إلى تنوخ، قبائل أقاموا بالبحرين، فليحرر، توفي سنة اثنين وعشرين ومائتين

(قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) : السبيعي المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائة (عَنْ أَبِيهِ) : يوسف بن إسحاق (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : عمرو بن عبد الله السابق قريبًا (قَالَ: حَدَّثَنِي) : بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) : المتقدم آنفًا

(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) : وللكشميهني: (بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ) : أي: بيت الله الحرام (وَأَبُو جَهْلٍ) : بفتح الجيم عمرو بن هشام المخزومي عدو الله وفرعون هذه الأمة، وكان يكنى في الجاهلية بأبي الحكم، فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي جهل، قتل يوم بدر وألقي في القليب كما سيأتي قريبًا

(وَأَصْحَابٌ لَهُ) : قال في (( الفتح ) ): هم السبعة المدعو عليهم بعد كما بينه البزار من طريق الأجلح عن أبي إسحاق

(جُلُوسٌ) : جمع جالس وهو خبر (( أبو جهل ) )وما عطف عليه، والجملة حالية مرتبطة بالواو (إِذْ قَالَ) : وسقط: لابن عساكر (بَعْضُهُمْ) : هو أبو جهل كما في مسلم، وزاد فيه: وقد نحرت جزور بالأمس (لِبَعْضٍ) أي: لأصحابه

(أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى) : بفتح السين المهملة واللام مقصور، وهو الجلدة التي يكون فيها ولد البهائم كالمشيمة للآدميات.

وحكى صاحب (( المحكم ) )أنه يقال فيهن أيضًا

(جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ) : مجرور بإضافة سلى إليه، والجَزُور _ بفتح الجيم وضم الزاي _ من الإبل يقع على الذكر والأثنى وهي تؤنث، والجمع: الجزر، يقال: جزرت الجزور أجزُرها _ بالضم _ واجتزرتها: إذا نحرتها، كذا في العيني.

وقال في (( المحكم ) ): الجزور: الناقة المجزورة والجمع: جزائر وجزر.

أقول: ظاهر كلام (( المحكم ) )أنها لا تطلق على غير الناقة

(فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ) : أي: انطلق وهو مطاوع بعث يقال: بعثته فانبعث (أَشْقَى الْقَوْمِ) : وفي نسخة: (( أشقى قومه ) )قاله في (( المنحة ) )، وللكشميهني والسرخسي:: بالتنكير، ولا يخفى ما فيه من المبالغة؛ لأنه يفيد أنه أشقى كل قوم من أقوام الدنيا.

قال في (( الفتح ) ): لكن المقام يقتضي أن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك الأقوام فقط. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: التنكير أولى لما قلنا من المبالغة؛ لأنه يدخل هاهنا دخولًا ثانيًا بعد الأول، وهذا القائل ما أدرك هذه النكتة. انتهى.

والمراد بالأشقى هاهنا: عقبة بن أبي مُعَيْط _ بمهملتين مصغرًا _ وإنما كان أشقاهم _ مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا منه وإيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام _ لأنهم اشتركوا في الكفر والرضا بذلك الفعل القبيح، وانفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم، ولذا قتلوا في المعركة وقتل هو صبرًا.

وقال الداودي: إنه أبو جهل كما نقله عنه ابن الملقن والعيني، وعليه فكونه أشقى القوم ظاهر لا شبهة فيه

(فَجَاءَ) : أي: أشقى القوم (بِهِ) : أي: بسلى الجزور (فَنَظَرَ) : أي: انتظر (حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ) : الشريف (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) قال عبد الله

ج 1 ص 727

بن مسعود: (وَأَنَا أَنْظُرُ) : جملة حالية؛ أي: أشاهد تلك الحالة.

وقوله: (لاَ أُغْنِيْ شَيْئًا) : أي: في كف شرهم، جملة وقعت حالًا من ضمير: (( أنظر ) )، فهي من الحال المتداخلة. وللكشميهني والمستملي:: أي: من فعلهم شيئًا (لَوْ كَانَ) : ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (لِي مَنَعَةٌ) : بفتح النون وحكي إسكانها.

قال النووي: وهو شاذ ضعيف وخالفه القرطبي فقال: المنعة: بسكون النون، وروي: بفتحها على أنه جمع مانع. وقال العيني: يرد على النووي أن صاحب كتاب (( المحكم ) )حكى فيها ثلاث لغات.

قال النووي: وإنما قال ابن مسعود ذلك؛ لأنه لم يكن له بمكة عشيرة لكونه هذليًا حليفًا للكفار إذ ذاك.

وجواب (( لو ) ): محذوف؛ أي: لطرحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصرح به مسلم، أو لكففت شرهم. ويجوز أن تكون (( لو ) ): للتمني فلا تطلب جوابًا. وللبزار: (( وأنا أرهب منهم ) )

(قَالَ) : أي: ابن مسعود (فَجَعَلُوا) : أي: أبو جهل وأصحابه. وجعل هنا من أفعال الشروع وخبرها جملة قوله: (يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ) : بضم التحتية وكسر الحاء المهملة (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) : أي: ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعض بالإشارة تهكمًا واستهزاءً.

قال الكرماني: من قولك: أحلت الغريم: إذا جعلت له أن يتقاضى المال من غيرك، ولمسلم من رواية زكريا: (( ويميل ) ): بالميم من الميل مكان (( يحيل ) ): أي: يميل بعضهم على بعض من كثرة الضحك. ويؤيده: ما جاء في رواية: (( حتى مال بعضهم على بعض من كثرة الضحك ) )

(وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) : من السجود (حَتَّى جَاءَتْهُ) : ولأبي ذر: (فَاطِمَةُ) : أي: ابنته عليه الصلاة والسلام ورضي عنها سيدة نساء هذه الأمة، أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بعد وقعة أحد، وكان سنها يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر.

روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر حديثًا، وفي (( الصحيحين ) )لها حديث واحد روت عنها عائشة أم المؤمنين. توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر بالمدينة. وقيل: بمائة يوم، وقيل: غير ذلك، وغسلها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ودفنها ليلًا بوصية منها له في ذلك. وفضائلها كثيرة، وكفاها شرفًا كونها بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال في (( الفتح ) ): زاد إسرائيل: (( وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا ) ). انتهى

(فَطَرَحَتْهُ) : بالضمير المنصوب في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني:: بحذف الضمير (عَنْ ظَهْرِهِ) زاد إسرائيل: (( فأقبلت عليهم تسبهم ) )، وزاد البزار: (( فلم يردوا عليها شيئًا ) ) (فَرَفَعَ) : عليه السلام (رَأْسَهُ) : من السجود. زاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( أما بعد اللهم ) ). قال البزار: تفرد بقوله: (( أما بعد ) ): زيد

(ثُمَّ قَالَ) : قال العيني: كذا بكلمة (( ثم ) )، وهو يشعر بمهلة بين الرفع والدعاء. وفي رواية الأجلح عند البزار: فرفع رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده فلما قضى صلاته، قال: (( اللهم ) )، ولمسلم والنسائي نحوه.

والظاهر من ذلك: أن دعاءه وقع خارج الصلاة، لكنه وقع وهو مستقبل القبلة كما ثبت من رواية زهير عن أبي إسحاق عند البخاري ومسلم. انتهى.

وأقول: ينظر في قوله: والظاهر من ذلك ... إلخ مع أن الرواية التي ساقها صريحة فيما استظهره ولا تحتمل غيره، فليتأمل

(اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) : (( عليك ) ): اسم فعل بمعنى الزم.

قال الدماميني: وقد يتعدى بالباء نحو: عليك بذات الدين، فيكون بمعنى فعل مناسب متعد بها.

وصرح الرضي بأن الباء في مثله زائدة، قال: والباء تزاد كثيرًا في مفعول أسماء الأفعال لضعفها في العمل فتعمل بحرف عادته إيصال اللازم إلى المفعول. انتهى.

فعلى ما ذكره الدماميني يناسب أن يكون المعنى هنا: عجل بقريش؛ أي: بهلاكهم على تقدير مضاف، وعلى ما ذكره الرضي يكون المعنى: الزم قريشًا على تقدير مضاف أيضًا؛ أي: هلاكهم.

في (( سبعة أبحر ) ): في مادة (( الصحاح ) ): عليك زيدًا؛ أي: خذه. وقال في مادة (( غريب الحديث ) ): و (( عليك ) ): اسم فعل، وهو لإغراء المخاطب، وفي الغائب شاذ يقال: عليك زيدًا وبزيد؛ أي: خذه والزمه وقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] : بالرفع والنصب؛ أي: الزموا إصلاحها. انتهى.

وذكر في (( الكشاف ) )أن قراءة الرفع رواية عن نافع ولم يذكر توجيهها، ويمكن توجيهها بأن يقال: أن {عَلَيْكُمْ} : على هذه القراءة ليست باسم فعل، بل هي باقية على أصلها من كونها جارًا ومجرورًا، وحينئذ فهي خبر مقدم و {أَنفُسَكُمْ} : مبتدأ بتقدير مضاف؛ أي: إصلاح أنفسكم عليكم، فبهذا التقدير يطابق معناها معنى قراءة النصب، فتأمل ذلك؛ فإني لم أر من تعرض له.

قال الكرماني:

ج 1 ص 728

فإن قلت: كيف جاز الدعاء على كل قريش وبعضهم كانوا يومئذ مسلمين كالصديق وغيره؟

قلت: لا عموم للفظ، ولئن سلمنا فهو مخصوص بالكفار منهم، بل ببعض الكفار وهم أبو جهل وأصحابه بقرينة القصة. انتهى.

أقول: وبقرينة ذكر المدعو عليهم بأسمائهم؛ فإنه قرينة ظاهرة على أنهم هم المرادون من قريش.

وقول صاحب (( الفتح ) ): فهو عام أريد به الخصوص؛ أي: كالعام الذي أريد به الخصوص؛ لأن قريشًا علم على هذه القبيلة، والعلم ليس من ألفاظ العموم؛ لأن العام لفظ يتناول الصالح له من غير حصر فإفراده جزوئات لا أجزاء وقريش: لا يطلق على كل فرد من القبيلة بل المنسوب إليها، فلو كان الدعاء على كل قرشي أو على القرشيين لكان كما ذكره، فتأمل.

(ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) : أي: قال: (( اللهم عليك بقريش ) )ثلاثًا، وكرره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلم في رواية زكريا: (( وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا ) )

(فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ) : وفي بعض النسخ: (( فشق ذلك عليهم ) )، وهي التي شرح عليها صاحب (( الفتح ) ). ولمسلم من رواية زكريا: (( فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ) )

(وَكَانُوا يُرَوْنَ) : قال الكرماني: بضم الياء على الرواية المشهورة، وزاد البرماوي: أو بفتحها.

قال في (( الفتح ) ): بفتح أوله في روايتنا من الرأي؛ أي: يعتقدون، وفي غيرها: بالضم؛ أي: يظنون

(أَنَّ الدَّعْوَةَ) : ولابن عساكر: بإسقاط (فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ) : أي: بلد الله الحرام وهو مكة (مُسْتَجَابَةٌ) : أي: مجابة فليست السين فيها للطلب، يقال: استجاب وأجاب بمعنى واحد.

قال الشاعر:

~وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب

قال الكرماني: يعني: ما كان اعتقادهم إجابة الدعوة من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل من جهة المكان. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): ووقع في (( مستخرج أبي نعيم ) )من الوجه الذي أخرجه منه البخاري: (( في الثالثة ) )، بدل قوله: (( في ذلك البلد ) )، ويناسبه قوله: (( ثلاث مرات ) )، ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم عليه السلام

(ثُمَّ سَمَّى) : أي: النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: عين في دعائه من أرادهم من قريش، وفصل ما أجمله أولًا فقال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ) : عمرو بن هشام، ويعرف بابن الحنظلية، وكان أحول مأبونًا لقول عتبة بن ربيعة فيه: سيعلم مصفر أسته، وقدمه على أصحابه؛ لأنه أكفرهم وهو فرعون هذه الأمة كما تقدم

(وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ) : بضم العين المهملة وسكون الفوقية (بْنِ رَبِيعَةَ) : بفتح الراء (وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) : أخي عتبة المذكور

(وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ) : قال في (( الفتح ) ): هو ولد المذكور بعد أبي جهل، ولم تختلف الروايات في أنه بعين مهملة بعدها مثناة ساكنة ثم موحدة، لكن عند مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل المثناة، وهو وهم قديم، نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب. انتهى

(وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ) : قال في (( الفتح ) ): (( _ أو: أبي بن خلف _ ) ): شك شعبة، وقد ذكر المصنف الاختلاف فيه عقب رواية الثوري في الجهاد، وقال: الصحيح: (( أمية ) )، لكن وقع عنده هناك: (( أبي بن خلف ) )، وهو وهم منه أو من شيخه، إذ حدثه؛ فقد رواه شيخه أبو بكر في (( مسنده ) )فقال: (( أمية ) )، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق أبي بكر كذلك وهو الصواب.

وأطبق أصحاب المغازي على أن المقتول ببدر أمية، وعلى أن أخاه أبيًا قتل بأحد. وسيأتي في المغازي قصة أمية ببدر إن شاء الله تعالى. انتهى

(وَعُقْبَةَ) : بالقاف (بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) : بضم الميم وفتح المهملة وسكون المثناة التحتية (وَعَدَّ) : أي: النبي صلى الله عليه وسلم أو عبد الله بن مسعود أو عمرو بن ميمون (السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَظْهُ) : بنون المتكلم ومعه غيره؛ أي: نحن أو بياء الغائب وفاعله: ابن مسعود أو عمرو بن ميمون.

قال في (( الفتح ) ): وقع في روايتنا بالنون وهي للجمع، وفي غيرها بالياء التحتانية.

قال الكرماني: فاعل عد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ابن مسعود أو عمرو بن ميمون.

قلت: ولا أدري من أين تهيأ له الجزم بذلك، مع أن في رواية الثوري عند مسلم ما يدل على أن فاعل: (( فلم يحفظه ) ):

ج 1 ص 729

أبو إسحاق، ولفظه: قال أبو إسحاق: ونسيت السابع، وعلى هذا ففاعل: (( عد ) ): عمرو بن ميمون، على أن أبا إسحاق قد تذكره مرة أخرى، فسماه: (( عمارة بن الوليد ) )، كذا أخرجه المصنف في الصلاة من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وسماع إسرائيل من أبي إسحاق في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده وكان خصيصًا به. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: الكرماني لم يجزم بذلك، بل ذكره بالشك، فكيف ينكر عليه بلا وجه؟ انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) )فقال: نعم ينكر عليه؛ لأنه حصر الشك في اثنين ظهر برواية مسلم أن المراد غيرهما. انتهى.

وقال العيني: وأما السابع الذي لم يحفظ هنا فهو مذكور عند البخاري في موضع آخر، وهو: عمارة بن الوليد بن المغيرة، وكذا ذكره البرقاني وغيره.

وقال صاحب (( التلويح ) ): وهو مشكل؛ لأن (( عمارة ) ): هذا ذكره ابن إسحاق وغيره، وله قصة طويلة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته، فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبة له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر رضي الله عنه في أرض الحبشة. انتهى.

وأجاب الكرماني: بأن المراد: رأي أكثرهم بدليل أن ابن أبي معيط لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا وقتله النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة. انتهى.

قال العيني: بموضع يسمى عرق الظبية، وهو من الروحاء على ثلاثة أميال من المدينة

(قَالَ) ابن مسعود (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) : أي: قدرته (لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ) : ولأبي ذر وابن عساكر: (عَدَّ) : بحذف المفعول؛ أي: عدهم (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَرْعَى) : جمع صريع بمعنى مصروع (فِي الْقَلِيبِ) : بفتح القاف وكسر اللام البئر قبل أن تطوى أو العادية القديمة (قَلِيبِ بَدْرٍ) : بالجر بدل من قوله: (( القليب ) ).

والذين قتلوا وألقوا فيه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم سبعة وهم: أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد بن المغيرة، فأما أبو جهل: فقتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، ذكره في (( الصحيحين ) )، ومر عليه ابن مسعود وهو صريع، فاحتز رأسه وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رأس عدو الله فنفله صلى الله عليه وسلم سيفه. وفي رواية البيهقي: فخرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا.

وأما عتبة بن ربيعة: فقتله حمزة. وقيل: حمزة وعلي. وأما شيبة بن ربيعة بن عبد شمس أخو عتبة بن ربيعة: فقتله حمزة أيضًا، وأما الوليد بن عتبة _ بالتاء المثناة من فوق _ فقتله عبيدة بن الحارث. وقيل: علي. وقيل: حمزة. وقيل: اشتركا في قتله.

وأما أمية بن خلف بن صفوان بن أمية فقد اختلف أهل السير في قتله، فذكر موسى بن عقبة أنه قتله رجل من الأنصار من بني مازن.

وقال ابن إسحاق: إن معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وحبيب بن أساف اشتركوا في قتله. وذكر ابن الجوزي: أنه صلى الله عليه وسلم قتله.

وفي السير من حديث عبد الرحمن بن عوف: أن بلالًا رضي الله عنه خرج إليه ومعه نفر من الأنصار فقتله وكان بدينًا، فلما قتل انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جر إلى القليب فتقطع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين، وفيه نزل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة:1] . وهو الذي كان يعذب بلالًا بمكة ويلقي على بطنه الصخر في حر الظهيرة، وهو يقول: أحد أحد، فكان من الحكمة الإلهية أن كان قتله على يد بلال على بعض الروايات.

وأما عقبة بن أبي معيط: فقتله علي رضي الله عنه. وقيل: عاصم بن ثابت. والأصح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتله بعرق الظبية كما ذكرنا عن قريب.

وأما عمارة بن الوليد: فقد تقدم أمره مع النجاشي، ومات زمن عمر بن الخطاب بأرض الحبشة، كذا في العيني مع بعض تلخيص وزيادة.

وإنما ألقوا في القليب تحقيرًا لشأنهم، ولئلا يتأذى الناس برائحة جيفهم الخبيثة إلا أنه دفن لهم؛ لأن الحربي لا يجب دفنه.

وفي العيني: فإن قيل: كم كان عدد الذين ألقوا في القليب؟

أجيب: بأن قتادة روى عن أنس عن أبي طلحة قال: لما كان يوم بدر وظهر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمر ببضعة وعشرين رجلًا _ وفي رواية: بأربعة وعشرين رجلًا _ من صناديد قريش فألقوا في طوى من أطواء بدر ) ). انتهى.

ولا ينافي هذا ما تقدم من أن الملقى في القليب خمسة من السبعة الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر ابن مسعود أنه رآهم صرعى في القليب؛ إذ ليس في عبارته ما يقتضي قصر الكون في القليب عليهم.

قال العيني: ومن فوائد الحديث: أن البخاري استدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته ولو تمادى.

وأجاب الخطابي عن هذا: بأن أكثر العلماء ذهبوا إلى أن السلا نجس، وتأولوا معنى الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن تعبد إذ ذاك بتحريمه كالخمر كانوا يلابسونه الصلاة، وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلما حرمت لم تجز الصلاة فيها.

واعترض عليه ابن بطال: بأنه لا شك أنها كانت

ج 1 ص 730

بعد نزول قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] : لأنها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة.

ورد عليه: بأن الفرث، ورطوبة البدن طاهران، والسلا من ذلك.

وقال النووي: هذا ضعيف؛ لأن روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر؛ لأنه يتضمن النجاسة، ومن حيث أنه لا ينفك عن الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان فهو نجس. والجواب المرضي: أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما يدرى هل كانت هذه الصلاة فريضة فتجب إعادتها على الصحيح أو غيرها فلا تجب؟ وإن وجبت الإعادة؛ فالوقت موسع لها، فلعله أعاد.

واعترض عليه: بأنه لو أعاد لنقل ولم ينقل.

قلت: لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر.

فإن قلت: كيف لا يعلم بما وضع على ظهره وأن فاطمة رضي الله عنها ذهبت به قبل أن يرفع رأسه [1] .

قلت: لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأنه كان إذا دخل في الصلاة استغرق باشتغاله بالله تعالى. ولئن سلمنا إحساسه به، فقد يحتمل أنه لم يتحقق نجاسته. والدليل عليه: أن شأنه أعظم أن يمضي في صلاة وبه نجاسة.

وقد يقال: إن الفرث والدم كانا داخل السلا وجلدته الظاهرة طاهرة، فكان كحمل للقارورة المرصصة. واعترض عليه: بأنه كان ذبيحة وثني فجميع أجزائها نجسة؛ لأنها ميتة.

وأجيب عن ذلك: بأنه كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم. واعترض عليه: بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال.

قلت: الاحتمال الناشئ عن دليل كاف، ولا شك أن تماديه صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة قرينة تدل على أنه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يستقر على أمر غير مشروع، ولا يقرر غيره عليه؛ لأن حاله أجل من ذلك وأعظم. انتهى.

ومن فوائد الحديث غير ما تقدم: تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما ازداد عند المسلمين إلا تعظيمًا.

ومنها: معرفة الكفار بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لخوفهم من دعائه، ولكن لأجل شقائهم الأزلي حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له.

ومنها: حلمه صلى الله عليه وسلم على من آذاه؛ ففي رواية الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث: أن ابن مسعود قال: لم أره دعا عليهم إلا يومئذ. وإنما استحقوا الدعاء حينئذٍ لما قدموا عليه من التهكم به حال عبادته لربه تبارك وتعالى.

ومنها: استحباب الدعاء ثلاثًا.

ومنها: جواز الدعاء على الظالم.

وقال بعضهم: محله: ما إذا كان كافرًا، أما المسلم: فيستحب الاستغفار له والدعاء له بالتوبة.

ومنها: أن المباشرة أقوى من السبب وآكد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال في عقبة: (( أشقى القوم ) )، مع أنه كان فيهم أبو جهل وهو أشد منه كفرًا، ولكن كان عقبة مباشرًا على ما مر بيانه.

ومنها: أن أشهب المالكي احتج به على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبي. والدلائل القطعية التي توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه ترد عليه.

ومنها: قوة نفس فاطمة الزهراء رضي الله عنها في حداثتها وصغرها وشرفها في قومها؛ لكونها أفصحت بشتمهم وهم رؤساء قريش فلم يردوا عليها احترامًا لها.

[1] في هامش الأصل: (أي: وعقب صلى الله عليه وسلم صلاته بالدعاء عليهم، فدل على أنه علم به، قاله في(( الفتح ) ). منه).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت