وبالسند قال:
238 -239 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) : بفتح التحتية وتخفيف الميم الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَي شُعَيْبٌ) : ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) : ولابن عساكر: (أَبُو الزِّنَادِ) : عبد الله بن ذكوان
(أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) : رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ) : وللأصيلي: ، ولابن عساكر: (رَسُولَ اللَّهِ) : ولابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) : بكسر الخاء؛ أي: المتأخرون في الدنيا وجودًا (السَّابِقُونَ) : أي: المتقدمون في الآخرة بعثًا وحسابًا ودخولًا للجنة.
قال في (( الفتح ) ): اختلف في الحكمة في تقديم هذه الجملة على الحديث المقصود، فقال ابن بطال: يحتمل أن يكون أبو هريرة سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم مع ما بعده في نسق واحد، فحدث بهما جميعًا، ويحتمل أن يكون همام فعل ذلك؛ لأنه سمعهما من أبي هريرة، وإلا فليس في الحديث مناسبة للترجمة.
قلت: جزم ابن التين بالأول، وهو متعقب؛ فإنه لو كان حديثًا واحدًا ما فصله المصنف بقوله: (( وبإسناده ) )، وأيضًا: فقوله: (( نحن الآخرون السابقون ) ): طرف من حديث مشهور في ذكر يوم الجمعة سيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى، فلو راعى البخاري ما ادعاه لساق المتن بتمامه.
وأيضًا: فحديث الباب مروي بطرق متعددة عن أبي هريرة في دواوين الأئمة، وليس في طريق منها في أوله: (( نحن الآخرون السابقون ) )، وقد أخرجه أبو نعيم في (( المستخرج ) )من طريق أبي اليمان شيخ البخاري بدون هذه الجملة.
وقول ابن بطال: ويحتمل أن يكون همام وهم واتبعه عليه جماعة، وليس لهمام ذكر في هذا الإسناد، وقوله: إنه ليس في الحديث مناسبة للترجمة صحيح، وإن كان غيره تكلف فأبدى بينهما مناسبة كما سنذكره.
والصواب: أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه جملة؛ لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا، كما صنع في حديث عروة البارقي في نشر الشاة، كما سيأتي بيانه في الجهاد، وأمثلة ذلك في
ج 1 ص 723
كتابه كثيرة.
وقد وقع لمالك نحو هذا في (( الموطأ ) )، إذ أخرج في باب صلاة الصبح والعتمة متونًا بسند واحد أولها: (( مر رجل بغصن شوك ) )، وآخرها: (( لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا ) )، وليس غرضه منها إلا الحديث الأخير، لكنه أداها على الوجه الذي سمعها.
قال ابن العربي في (( القبس ) ): نرى الجهال يتعبون في تأويلها، ولا تعلق للأول منها بالباب أصلًا.
وقال غيره: وجه المناسبة بينهما: أن هذه الأمة آخر من يدفن من الأمم في الأرض، وأول من يخرج منها؛ لأن الوعاء آخر ما يوضع فيه أول ما يخرج منه، فكذلك الماء الراكد آخر ما يقع فيه من البول أول ما يصادف أعضاء المتطهر، فينبغي أن يجتنب ذلك، ولا يخفى ما فيه.
وقيل: وجه المناسبة: أن بني إسرائيل وإن سبقوا في الزمان، لكن هذه الأمة سبقتهم باجتناب الماء الراكد إذا وقع البول فيه، فلعلهم كانوا لا يجتنبونه.
وتعقب: بأن بني إسرائيل كانوا أشد مبالغة في اجتناب النجاسة بحيث كانت النجاسة إذا أصابت جلد أحدهم قرضه، فكيف يظن بهم التساهل في هذا؟ وهو استبعاد لا يستلزم رفع الاحتمال المذكور، وما قررناه أولى.
وقد وقع للبخاري في كتاب التعبير في حديث أورده من طريق همام عن أبي هريرة مثل هذا صدره بقوله: (( نحن الآخرون السابقون ) )، قال: وبإسناده، ولا تتأتى فيه المناسبة المذكورة مع ما فيها من التكلف.
والظاهر: أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عنه، ولهذا قل حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشتملت على أحاديث كثيرة أخرج الشيخان غالبها، وابتداء كل نسخة منهما: (( نحن الآخرون السابقون ) )، فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما، وسلك مسلم في نسخة همام طريقًا أخرى فيقول في كل حديث أخرجه منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيذكر الحديث الذي يريده يشير بذلك إلى أنها من أثناء النسخة لا أولها. انتهى.
(وَبِإِسْنَادِهِ) : أي: بإسناد الحديث السابق (قَالَ) : صلى الله عليه وسلم (لاَ يَبُولَنَّ) : بفتح اللام وبنون التأكيد الثقيلة (أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) : أي: الساكن الثابت الواقف، يقال: دوم الطائر تدويمًا: إذا صف جناحيه في الهوى فلم يحركهما فقوله: (الَّذِي لاَ يَجْرِي) : تفسير للدائم، ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية مسلم عن جابر.
قال العيني: ويقال: احترز بقوله: (( الذي لا يجري ) ): عن راكد يجري بعضه كالبرك، وقيل: احترز به عن الدائر؛ لأنه جارٍ من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى. انتهى.
وقال ابن الأنباري: الدائم: من الأضداد، يقال للساكن والدائر، ومنه: أصاب الإنسان دوام ودوار، وعلى هذا فـ (( الذي لا يجري ) ): صفة مخصصة لآخر معنى المشترك، وهذا أولى من حمله على التأكيد؛ لأن التأسيس خير منه. وقيل: الدائم والراكد: شاملان للجاري، لكن الدائم: هو الذي له نبع، والراكد: لا نبع له
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) : أي: أو يتوضأ يجوز فيه الأوجه الثلاثة، والمشهور في الرواية: الرفع.
وقال ابن مالك في (( التوضيح ) ): يجوز في: (( ثم يغتسلْ ) ): الجزم عطفًا على (( يبولنَّ ) )لأنه مجزوم الموضع بـ (( لا ) )التي للنهي، ولكنه بني على الفتح لتأكده بالنون، ويجوز فيه الرفع على تقدير: ثم هو يغتسل فيه، والنصب على إضمار أن وإعطاء (( ثم ) )حكم واو الجمع. ونظيره في جواز الأوجه الثلاثة قوله تعالى: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [النساء:100] : فإنه قرئ بالجزم وهو الذي قرأ به السبعة، وبالرفع والنصب على الشذوذ.
وقال النووي: لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا. انتهى.
وأجاب ابن دقيق العيد: بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر. انتهى.
يعني: كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: (( نهى عن البول في الماء الراكد ) ).
وقال أبو العباس القرطبي: لا يجوز النصب؛ لأنه لا ينصب بإضمار أن بعد ثم.
وقال أيضًا: إن الجزم ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ثم لا يغتسلن لا (( ثم يغتسل ) )، فهذا دليل على أنه لم يرد العطف، وإنما جاء: (( ثم يغتسل ) )على التنبيه على مآل الحال ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما وقع فيه من البول.
وتعقبه العراقي: بأنه لا يلزم من عطف النهي على النهي ورود التأكيد فيهما معًا، كما هو معروف في العربية. وفي رواية أبي داود: (( لا يغتسل فيه من الجنابة ) ): فأتى بأداة النهي ولم يؤكده. انتهى.
وهذا كله محمول على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حد القليل، وقد تقدم قول من لم يعتبر إلا التغير
ج 1 ص 724
وعدمه وهو قوي، وقد نقل عن مالك أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير وهو قول الباقين في الكثير.
وقال القرطبي: يمكن حمله على التحريم مطلقًا على قاعدة سد الذريعة؛ لأنه يفضي إلى تنجيس الماء.
قال في (( الفتح ) ): وقد وقع في رواية ابن عيينة عن أبي الزناد: (( ثم يغتسل منه ) )، وكذا لمسلم من طريق ابن سيرين، وكل من التقييدين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط.
قال ابن دقيق العيد: ووجهه: أن الرواية بلفظ: (( فيه ) ): تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ: (( منه ) ): بعكس ذلك، وكله مبني على أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة. انتهى.
وفي العيني: زعم الفروي: أن النهي المذكور فيه للتحريم في بعض المياه وللكراهة في بعضها، فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا، فقد قال جماعة من أصحابنا: يكره، والمختار: أنه يحرم؛ لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وإن كان كثيرًا راكدًا فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم لم يكن بعيدًا.
وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار: أنه حرام. والتغوط فيه كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء وصبه في الماء.
قلت: زعم النووي أنه من باب استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول، ثم إن هذا الحديث عام، فلا بد من تخصيصه اتفاقًا بالماء المستبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الطرف الآخر كما قلنا، أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي، أو بالعمومات الدالة على طهورية الماء، ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك.
وقال بعضهم: الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه، وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك، لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة والجرة، ولم يثبت في الحديث تقديرهما فيكون مجملًا فلا يعمل به، وقواه ابن دقيق العيد.
قلت: هذا القائل ادعى، ثم أبطل دعواه بما ذكره، فلا يحتاج إلى رد كلامه بشيء آخر.
ثم قال: ويلحق بالغسل من الجنابة الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذا غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت عند من يوجبهما، وأما الغسل المسنون فهو ملحق بغسل الجنابة عند من يعمل بالقياس، وغير ملحق عند من اقتصر على اللفظ كأهل الظاهر، وكذلك عند من جعل العلة رفع الحدث. انتهى.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصي ومدني، وفيه: التحديث بالجمع والإفراد والإخبار والسماع.
وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.