وبالسند قال:
376 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينين مهملتين مفتوحتين ورائين أولاهما ساكنة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُمَرُ) بضم العين (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) بالزاي الكوفي (عَنْ عَوْنِ) بفتح العين المهملة وبالنون آخره (ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بالجيم المضمومة والمهملة المفتوحة (عَنْ أَبِيهِ) أبي جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالهمز بعد الألف.
(قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وهو في مكة بالأبطح كما صرح بذلك في رواية مسلم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح، ويقال له: البطحاء، وهو المحصب، ويقال: أنه إلى منى أقرب.
(فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ) بفتح الهمزة والدال الجلد.
وقال العيني تبعًا للكرماني: هو جمع الأديم، وفيه نظر؛ لأن فعيلًا لا يجمع على فعل.
(وَرَأَيْتُ بِلاَلًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) بفتح الواو، وهو الماء الذي توضأ به كما في (( الفتح ) ).
وقول القسطلاني: (( الذي يتوضأ به ) )غير مناسب هنا كما لا يخفى، فلعله تحريف من الناسخ، أو هو تفسير لمطلق الوضوء بقطع النظر عما وقع في الحديث.
(وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ) أي: يتبادرون ويتسارعون إلى (ذَاكَ) بغير لام، ولابن عساكر والأصيلي: (الْوَضُوءَ) باللام تبركًا بآثاره الشريفة.
قال العيني: وفي رواية مسلم: (( وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك ) )، وفي رواية: (( فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدره الناس فنلت منه شيئًا ) ).
(فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ) بتشديد السين المفتوحة (وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ) بفتحتين، وفي رواية: بفتح الموحدة وكسرها (يَدِ صَاحِبِهِ) أي: رفيقه (ثُمَّ رَأَيْتُ بِلاَلًا) رضي الله عنه (أَخَذَ عَنَزَةً) بفتح العين المهملة والنون والزاي، وهي مثل نصف الرمح أو أكبر لها سنان كسنان الرمح، وفي رواية: .
(فَرَكَزَهَا وَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) والحُلَّة بضم الحاء المهملة وتشديد اللام ثوبان إزار ورداء منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، وقيل: لا بد أن يكونا ثوبين من جنس واحد سميا بذلك؛ لأن كلًا منهما يحل بالآخر.
قال ابن الأثير: الحلة: واحد الحلل وهي برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن يكون الثوبان من جنس واحد. انتهى.
(مُشَمِّرًا) حال من فاعل خرج، يقال: شمر إزاره تشميرًا؛ أي: رفعه، وشمر عن ساقه، وشمر في أمره خف، والمعنى: رفع الحلة إلى أنصاف ساقيه كما جاء في رواية مسلم: (( كأني أنظر إلى بياض ساقيه ) ).
(صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) ولمسلم: (( تقدم فصلى الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع ) )فدلت هذه الرواية أن هذه الصلاة كانت الظهر (وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ، يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْعَنَزَةِ) ولأبي ذر في نسخة: .
وفي الحديث من الفوائد:
جواز لبس الأحمر، والباب معقود له، وفيه: جواز ضرب الخيام والقباب من الأديم الأحمر، وفيه: التبرك بآثار الصالحين، وفيه: مشروعية نصب السترة بين يدي المصلي في الصحراء، وفيه: قصر الصلاة في السفر.
قال العيني: وهو الأفضل عند أصحابنا، والذي في مسلم يدل عليه. انتهى.
أقول: وفيه نظر؛ لأنه يقتضي أن المسافر مخير بين القصر والإتمام، والقصر أفضل، وهذا ليس مذهب الحنفية؛ لأن القصر عندهم عزيمة لا رخصة، فإن أتم المسافر فإن قعد على رأس الركعتين تم فرضه، ولكنه أساء، وما زاد
ج 2 ص 149
على الركعتين نفل، وإن لم يقصد على رأس الركعتين بطل فرضه، وانقلب الكل نفلًا، وهذا ظاهر لا يخفى على مثله، فلعل ذلك من تحريف النساخ، وفيه: جواز المرور وراء سترة المصلي لا بينها وبين المصلي.
وقال ابن بطال: وفيه أنه يجوز لبس الثياب الملونة للسيد والكبير والزاهد في الدنيا، والحمرة أشهر الملونات، وأجمل الزينة في الدنيا، وفيه طهارة الماء المستعمل.
قال العيني: قيل: فيه حجة على الحنفية في قولهم: بنجاسة الماء المستعمل.
قلت: ليس كذلك فإن المذهب أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه والعجن به غير أنه ليس بطهور فلا يجوز به الوضوء ولا الاغتسال، وكونه نجسًا رواية عن أبي حنيفة، وليس العمل عليها على أن حكم النجاسة في هذه الرواية باعتبار إزالته الآثام عن بدن المذنب، فيتنجس حكمًا بخلاف فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم فإنه طاهر من بدن طاهر، وهو طهور أيضًا أطهر من كل طاهر وأطيب. انتهى.
وأقول: الظاهر أن مراده بفضل وضوئه ما تقاطر من أعضاءه الشريفة، وحينئذٍ ففي إثبات الطهورية له توقف وإن كان أطهر من كل طاهر وأطيب؛ لأنه يقتضي أن يكون خصوصية له، والخصوصية لا تثبت بالاحتمال، فليتأمل.
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في اللباس، وأبو داود والترمذي في الصلاة، والنسائي في الزينة، وابن ماجه في الصلاة.