فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 1465

12 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

(حَدَّثَنَا عَمْرُو) بفتح العين (ابْنُ خَالِدٍ) ابن فروخ أبو الحسن الحراني، سكن مصر ومات بها سنة تسع وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد الفهمي المصري، الإمام الجليل المشهور القلقفندي المولد، الحنفي المذهب، فيما قاله ابن خلكان، والمشهور أنه كان مجتهدًا المتوفى يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وسبعين ومائة.

(عَنْ يَزِيدَ) بن أبي رجاء بن أبي حبيب، واسم أبي حبيب سويد المصري، التابعي، الجليل، مفتي مصر، ولد سنة ثلاث وخمسين، وقال ابن سعد: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، روى له الجماعة.

(عَنْ أَبِي الْخَيْرِ) مرثد _ بفتح الميم والثاء المثلثة بينهما راء ساكنة _ ابن عبد الله اليزني نسبة إلى ذي يزن المصري المتوفى سنة تسعين (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَجُلًا) قال صاحب (( الفتح ) ): لم أعرف اسمه، وقد قيل: إنه أبو ذر، وفي ابن حبان: أن هانئ بن يزيد والد شريح سأل عن معنى ذلك فأجيب بنحو ذلك انتهى؛ أي: فيحتمل أن يكون هو.

(سَأَلَ النَّبِيَّ) وفي رواية أبوي ذر والوقت وابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟) تقدم عن (( المصابيح ) )في الباب قبله في أي الإسلام أفضل؟ أنه يجوز أن يقدر أي خصال الإسلام أفضل؟ وأي ذوي الإسلام أفضل؟.

فعلى الأول يحتاج إلى تقدير مضاف في قوله: (( من سلم المسلمون ) )أي خصلة من سلم المسلمون، وعلى الثاني لا يحتاج إلى تقدير شيء لحصول المطابقة، ثم قال هنا: لا مجال للتقدير الثاني، فيتعين الأول؛ أي: أيّ خصال الإسلام خير؟ انتهى وفيه نظر.

إذ يمكن تقدير مضاف في الجواب على التقدير الثاني فيصير حاصل السؤال والجواب هكذا أي ذوي الإسلام خير؟ قال: ذوو إطعام الطعام غايته أن الأول أولى؛ لأنه أقل تكلفًا؛ لأن فيه تقدير مضاف واحد، وكيف يمنع هنا تقدير المضافين مع تجويزه لتقدير المضافين في الباب السابق بل قدم احتمال تقديرهما.

وأقول: لعل الذي دعا الدماميني إلى نفي مجال التقدير الثاني إسناد نطعم إلى ضمير المخاطب؛ لأنه يصير بعد سبكه بالمصدر ذوو إطعامك الطعام، والإطعام المضاف للمخاطب ليس له صاحب غيره، ولو كان الجواب إطعام الطعام لأمكن ذلك التقدير فتأمل ليظهر لك دقة نظر الدماميني رحمه الله تعالى.

وقال في (( الفتح ) ): فيه ما في الذي قبله من السؤال، والتقدير أي خصال الإسلام، وإنما لم أختر تقدير خصال في الأول فرارًا من كثرة الحذف، وأيضًا فتنويع التقدير يتضمن جواب من سأل فقال السؤالات بمعنى واحد، والجواب مختلف فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين بان الفرق، ويمكن التوفيق بينهما بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان، قاله الكرماني.

وكأنه أراد في الغالب، ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية إن لوحظ بين لفظ أفضل ولفظ خير فرق.

وقال الكرماني: الفصل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشر، فالأول من الكمية، والثاني من الكيفية فافترقا.

واعترض بأن الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة أما إذا كان كل منهما يعقل ثانيه في الأخرى فلا، وكأنه بناء على أن لفظ خير اسم لأفعل تفضيل، وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور وهو الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول تحذير من يخشى منه الإيذاء بيد أو لسان فأرشد إلى الكف، وفي الثاني ترغيب من يرضى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأرشد إلى ذلك، وخص هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام حث عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره مصححًا من حديث عبد الله بن سلام انتهى.

وتعقبه العيني منتصرًا للكرماني فقال: تام بلا شك؛ لأن الفضل في اللغة الزيادة، ويقابله القلة والخير إيصال النفع، ويقابله الشر، والأشياء تتبين بضدها.

وفي (( العباب ) ):

ج 1 ص 210

والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة وقال: الخير ضد الشر، وقوله: وكأنه بناء على أن لفظة خير اسم لا أفعل تفضيل ليس موضع التشكيك؛ لأن لفظة خير هاهنا أفعل التفضيل قطعًا؛ لأن السؤال ليس عن نفس الخيرية، وإنما السؤال عن وصف زائد وهو الأخيرية غير أن العرب استعملت أفعل التفضيل من هذا الباب على لفظه فيقال: زيد خير من عمرو، وعلى معنى أخير منه، ولهذا لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث انتهى.

وحديث عبد الله بن سلام الذي أشار إليه صاحب (( الفتح ) )هو هذا قال: أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: (( أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) ).

وفي الكرماني: فإن قلت: لم عبر في الباب الأول بقوله: أي الإسلام أفضل؟ وفي هذا الباب بقوله: إطعام الطعام من الإسلام، ولم لم يقل هاهنا أيضًا أي الإسلام خير؟ أو ثمة باب السلامة من الإسلام؟

قلت: لأن الجواب هاهنا وهو تطعم الطعام صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإطعام من الإسلام بخلاف ما تقدم، إذ ليس صريحًا في أن سلامة المسلمين منه من الإسلام، ولأنه لو قال: ثمة باب السلامة منه من الإسلام لم تعلم الأفضلية فغير ترجمة البابين إعلامًا بالمسألتين انتهى.

وزيفه ابن الكمال فقال: وليس بشيء؛ لأنه إنما يصلح وجهًا لعدم تعنون الباب الأول بقوله: السلامة منه من الإسلام لا لعدم تعنون هذا بقوله: أي الإسلام خير؟، والسؤال إنما هو بالثاني، فلا يطابقه الجواب انتهى.

واعترضه العيني أيضًا بقوله: قلت: إذا كان من سلم المسلمون من لسانه ويده أفضل ذوي الإسلام فبالضرورة إطعام الطعام يكون أولى بكون السلامة منه من الإسلام على أن الكناية أبلغ من الصريح فافهم انتهى.

وفي الكرماني أيضًا: فإن قلت: جاء في الجواب ههنا أن الخير أن يطعم الطعام، وفي الحديث الذي قبله: (( أن من سلم المسلمون ) )فما وجه التوفيق بينهما؟

قلت: كأن الجوابان في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ولسانه، وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك فضل الطعام، والتكبر على الأنام، فأجابهما على حسب حالهما، أو علم صلى الله عليه وسلم أن السائل الأول سأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول سأل عما يدفع المضار، والثاني عما يجلب المنافع، أو أنهما الحقيقة متلازمان إلى آخر ما تقدم.

نقل الحافظ له عنه وفيه أيضًا: وفي الحديث الحث على الجود والسخاء، وعلى مكارم الأخلاق، وخفض الجناح للمسلمين، والتواضع، والحث على تآلف قلوبهم، واجتماع كلمتهم وتوادهم، واجتلاب ما يحصل ذلك.

والحديث مشتمل على نوعي المكارم؛ لأنها إما مالية والإطعام إشارة إليها، وإما بدنية والسلام إشارة إليها.

قال القاضي البيضاوي: والألفة إحدى فرائض الإسلام، وأركان الشريعة، ونظام أمر الدين.

وقال الخطابي: دل صرف الجواب عن جملة خصال الإسلام وأعماله إلى ما يجب من حقوق الآدميين على أن المسألة إنما عرضت من السائل عن حقوقهم الواجبة عليهم، فجعل خير أفعالها في المثوبة إطعام الطعام الذي به قوام الأبدان، ثم ما يكون به قضاء حقوقهم من الأقوال فجعل خير أفعالها إفشاء السلام انتهى.

وقال ابن كمال باشا: وإنما قال في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام ... إلخ لما ذكرنا فيما سبق أن السؤال بأي الإسلام خير؟ سؤال عنه باعتبار نفعه للغير، فلا ينافي الجواب السابق؛ لأنه جواب عن السؤال الخال عن هذا القيد، ولا يحتاج إلى أن يتعسف بتخصص أحدهما بوقت أو بسائل أو بسامع، والآخر بوقت آخر أو سائل آخر، أو سامع آخر، ومن وهم أن الجوابان متلازمان، وعلله بأن الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان فقد وهم؛ لأن المأمور به الإطعام لبعض الناس لا الإطعام لكافتهم؛ لأنه غير مقدور، والإطعام للبعض لا يستلزم كف الأذى عن الكل انتهى، ومراده بمن وهم الكرماني.

(قَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم، ولأبوي ذر والوقت: بالفاء (تُطْعِمُ) أي: هو أن تطعم فحذف المبتدأ وأن المصدرية وهو من أطعم المتعدي لاثنين فحذف الأول لقصد التعميم؛ أي: الخلق أو المحتاجين.

قال في (( المصابيح ) ): وفيه حذفان المصدر به في غير مواضعها المشهورة مثل تسمع بالمعيدي على أن بعضهم يرى حذفها على الإطلاق مقيسًا، وفيه وفيما قبله حذف المسند إليه لقيام القرينة الدالة عليه انتهى.

فإن قلت: تطعم وقع هنا مسندًا والفعل لا يمتنع وقوعه مسندًا، فأي حاجة إلى تقدير أن؟

فالجواب: أن الفعل إنما امتنع وقوعه خبرًا هنا لخلوه عن ضمير يرجع إلى المبتدأ؛ لأنه مسند إلى ضمير المخاطب، ولا شك أن الفعل مع فاعله جملة، والجملة لابد لها من رابط بخلاف ما إذا قدرت أن، فإنه يصير مفردًا والمفرد لا يحتاج إلى رابط فليتأمل.

وقوله: (الطَّعَامَ) مفعول ثان لتطعم، وحذف المفعول الأول لقصد التعميم؛ أي: كل أحد تقدر على إطعامه إشارة إلى أنه لا يختص بالمسلم.

قال في (( المصابيح ) ): والظاهر أن المراد الإطعام على وجه الصدقة، والهدية، والضيافة، ونحو ذلك؛ لأن الطعام ذكر بصيغة العموم، ولا يخفى ما في ذلك وما في بذل السلام من استئلاف القلوب، واستجلاب المودة فلا جرم وقع الحض عليهما انتهى.

وفي العيني: فإن قيل: إن باب أطعمت يقتضي مفعولين يقال: أطعمته الطعام فما المفعول الثاني هنا ولم حذفه؟

أجيب: بأن التقدير أن تطعم الخلق الطعام، وحذف ليدل على التعميم إشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد، سواء كان المطعم مسلمًا، أو كافرًا، أو حيوانًا، ونفس الإطعام أيضًا سواء كان فرضًا، أو سنة، أو مستحبًا انتهى.

وفي قوله: فما المفعول الثاني سهو من قلم الناسخ، وصوابه الأول.

وأقول: في كون التعميم مرادًا من الحديث نظر إذ ليس في وسع المكلف تعميم الخلق من الحيوانات وغيرهم بالإطعام، فالأقرب أن يقدر إطعام من يقدر على إطعامه من المحاويج على أنه لو قيل أن لا تقدير للمفعول الأول، وأن تطعم بالنظر إليه

ج 1 ص 211

منزلة اللازم لما كان بعيدًا، فإن باب أعطى قد يحذف أحد مفعوليه غير مقدر كقولهم: فلان يعطي الدنانير عند القصد إلى أنه يترفع عن إعطاء الدراهم، بل قد ينزل منزلة اللازم بالنظر إليهما كقولك: فلان يعطي ويمنع؛ أي: يصدر منه حقيقة الإعطاء من غير تعلق بمعطي أو معطى له كقوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] فليتأمل.

وفي (( العيني ) )أيضًا: إن قيل: لم قال تطعم الطعام ولم يقل تؤكل ونحوه من الألفاظ الدالة عليه؟

وأجيب بأن لفظة الإطعام عام يتناول الأكل والشرب والذوق قال الشاعر:

~وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا

فإنه عطف البرد الذي هو النوم على النُقاخ _ بضم النون وبالقاف والخاء المعجمة _ الذي هو الماء العذب، قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} أي: يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه وبعمومه يتناول الضيافة وسائر الولائم، وإطعام الفقراء وغيرهم انتهى.

وفيه نظر؛ لأن الإطعام وإن كان عامًا بحسب اللغة لكنه قيد في الحديث بالطعام فلا يتناول الشرب كما هو ظاهر على أن ما استشهد به لا يدل على تناول الأكل والشرب إلا في طعم المجرد ومدعاه في أطعم فلا يتم التطبيق، ثم رأيت في كلام الراغب ما يؤيد ذلك، ونص عبارته قيل: قد يستعمل طعم في الشراب كقوله تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة:249] .

وقال بعضهم: إنما قال ومن لم يطعمه تنبيهًا على أنه محظور أن يتناوله إلا غرفة مع طعام كما أنه محظور عليه أن يشربه إلا غرفة، فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضغ، ولو قال: ومن لم يشربه لكان يقتضي أن يجوز تناوله إذا كان في طعام، فلما قال: ومن لم يطعمه بين أنه لا يجوز تناوله على كل حال إلا قدر المستثنى وهو الغرفة باليد.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في ماء زمزم: (( إنه طعام طعم وسقاء سقم ) )فتنبيه منه أنه يغذي بخلاف سائر المياه انتهى.

ومما يؤيد ذلك قول صاحب (( المصابيح ) ): كأنه ذكر الطعام، وإن كان مستغنى عنه بقوله: تطعم لقصد المزاوجة بين هذا اللفظ وبين قوله وتقرأ السلام انتهى.

ووجه الاستغناء عنه أن تطعم لا يقع إلا على الطعام بخلاف تقرأ فإنه يقع على السلام وعلى غيره من كل ما يقرأ كالقرآن والحديث فلو حذف لم يعلم بهذا كالنص منه بأن تطعم لا يقع إلا على الطعام، وإلا لما كان الطعام مستغنى عنه فليتأمل.

(وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف) تقرأ بفتح التاء مضارع قرأ، قال الزركشي: ويجوز ضم التاء وكسر الراء.

قال في (( المصابيح ) ): هي لغة سوء قال القاضي: ولا يقال أقرئه السلام إلا في لغة سوء إلا إذا كان مكتوبًا فتقول ذلك؛ أي اجعله يقرأه كما يقال: اقرأ الكتاب ولا يتأتى إرادة هذا الأخير في الحديث انتهى.

أي: لأن المقصود فيه بدء المسلم بالسلام لا جعله قارئًا له من كتاب ونحوه.

وقال ابن كمال باشا: كان يكفيه أن يقول: وتسلم وإنما زاد عبارة تقرأ تعيينًا لمعنى القول من تسلم فافهم انتهى.

يعني أنه لو قال: وتسلم ... إلخ؛ لتوهم أن المراد من التسليم الانقياد، وترك الاعتراض بخلاف تقرأ السلام، وفيه أن تعديته بعلى دافعة لذلك التوهم على تقدير التعبير بتسلم؛ لأن التسليم بمعنى الانقياد يتعدى باللام، ثم قال: وفي التعميم المستفاد من قوله على من عرفت، ومن لم تعرف تحقيق كونه لمراعاة أخوة الإسلام، وتعظيم شعار الشريعة، والاحتراز عما في التخصيص من مظنة كونه لغرض من الأغراض، والمراد من عرفت من المسلمين ومن لم تعرف منهم؛ لأن الكافر خص منه بالإجماع انتهى.

وقيل: لم يقل وتسلم يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن للسلام.

قال العيني: زيدت لفظة القراءة تنبيهًا على تخصيص هذه اللفظة في التحايا مخالفة لتحايا أهل الجاهلية بألفاظ وضعوها لذلك انتهى.

وفي (( النهاية ) )لابن الأثير: وفي حديث التسليم: (( قل السلام عليك فإن عليك السلام تحيَّة الموتى ) )هذا إشارة إلى ما جرت به عادتهم في المَراثي كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء له كقوله:

~عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق

وكقول الآخر:

~عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

وإنما فعلوا ذلك؛ لأن المسلِّم على القوم يتوقَّع الجواب، وإنما يقال: عليك السلام فلما كان الميت لا يتوقع منه جواب جعلوا السلامَ عليه كالجواب.

وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية.

ثم قال: والسنة لا تختلف في تحية الأموات والأحياء ويشهد له حديث الصحيح أنه كان إذا دخل القبور قال: (( سلام عليكم دار قوم مؤمنين ) ). انتهى.

وفي (( الفتح ) ): فإن قيل: اللفظ عام فيدخل فيه الكافر والمنافق والفاسق؟

أجيب: بأنه خص بأدلة أخرى أو أن النهي متأخر وكان هذا عامًا لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص انتهى.

ومقتضى كلامه أن الفاسق مطلقًا لا يقرأ عليه السلام بأي نوع من أنواع الفسق كان فسقه، والذي نقله صاحب النهي عن صدر الدين الغزي في نظم من يكره عليهم السلام، وما زاده هو أيضًا أن من يكره عليهم السلام من الفسقة لعاب الشطرنج والمصور والمغني ومطير الحمام.

ولنورد أبيات صدر الدين الغزي وما ذيلنا عليها وبعدها أبيات السيوطي تتميمًا للفائدة وهي هذه:

~سلامك مكروه على من ستسمع ومن بعد ما أبدى يسن ويشرع

~مصل وتال ذاكر ومحدث خطيب ومن يصغي إليهم ويسمع

~مكرر فقه جالس لقضائه ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا

~مؤذن أيضًا أو مقيم مدرس كذا الأجنبيات الفتيات أمنع

~ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم ومن هو مع أهل له يتمتع

~ودع كافرًا أيضًا ومكشوف عورة ومن هو في حال التغوط أشنع

~ودع آكلًا إلا إذا كنت جائعًا وتعلم منه أنه ليس يمنع

~كذلك أستاذ مغن مطير فهذا ختام والزيادة تنفع

والبيت الأخير زاده صاحب (( النهر ) )، ومراده بقوله شبه بخلقهم مصور صورة الحيوان بطريق الإشارة ولو قال مشبه خلقهم لكان أولى وأولى منه مصور خلقهم على أن يكون المراد من الخلق المخلوق من الحيوان وكراهة السلام على المتصفين بهذه الصفات إنما هو حال قيامها بهم فالمصلي حال صلاته والتالي حال تلاوته وهكذا إلا المصور والمغني والمطير فمطلقًا لفسقهم بتلك الصفات وفي لعاب الشطرنج تزدد فعلى القول بحرمته لا يسلم عليه مطلقًا وعلى القول بإباحته لا يسلم عليه في حال لعبه ومقتضى تعبيره فيه بصيغة المبالغة أنه إنما يكره السلام عليه إذا تكرر ذلك منه لأنه حينئذ يفسق لإصراره على الصغيرة فليتأمل.

قال الشيخ علاء الدين في شرحه (( للتنوير ) ): وصرح في الضياء بوجوب الرد في بعضها وبعدمه بقوله: سلام عليكم بجزم الميم بلا ألف ولام، وذكر أن السلام بغير هذين اللفظين وهما السلام عليكم وسلام عليكم بالتنوين لا يكون سلامًا، وينبغي السلام ورده بلفظ الجماعة لأن المسلم لا يكون وحده انتهى.

وقال في الخزائن: وقد صرحوا في بعضها بعدم وجوب الرد كما في سلام المكدي،

ج 1 ص 212

ولم يتعرض في كلا الكتابين لما يجب فيه الرد وما لا يجب فليحرر.

وفي (( القنية ) )مرموزًا إليه يقع لا يسلم على الشيخ الممازح والزنديق والكذاب واللاغي، ومن يسب الناس، وينظر في وجوه النسوان في الأسواق، ومن جلسوا في المسجد للقراءة، والتسبيح، أو لانتظار الصلاة فزدتها بقولي:

~وزد عد زنديق وشيخ ممازح ولاغ وكذاب لكذب يشيع

~ومن ينظر النسوان في السوق عامدًا ومن دأبه سب الأنام ويردع

~ومن جلسوا في مسجد لصلاتهم وتسبيحهم هذا عن البعض يسمع

وبهذا بلغ من لا يشرع عليهم السلام ثلاثين، وبلغهم الجلال السيوطي إلى أحد وعشرين بقوله:

~رد السلام واجب إلا على من في صلاة أو بأكل شغلا

~أو شرب أو قراءة أو أدعية أو ذكر أو في خطبة أو تلبية

~أو في قضاء حاجة الإنسان أو في إقامة أو الأذان

~أو سلم الطفل أو السكران أو شابة يخشى بها افتتان

~أو فاسق أو ناعس أو نائم أو حالة الجماع أو تحاكم

~أو كان في الحمام أو مجنونًا فواحد من بعده عشرونا

وفيها على ما تقدم زيادة ونقص، والسلام إحدى المسائل التي ثواب السنة فيها يفوق ثواب الفرض المستثناة من قاعدة الفرض أفضل من النفل.

الثانية: الوضوء قبل الوقت مندوب وهو أفضل من الوضوء بعده الذي هو فرض.

الثالثة: إبراء المعسر مندوب وهو أفضل من إنظاره الواجب، وقد نظمها بعضهم بقوله:

~الفرض أفضل من تطوع عابد حتى ولو قد جاء منه بأكثر

~إلا التطهر قبل وقت وابتداء للسلام كذاك إبراء معسر

وقد ظفرت برابعة وهي السعي إلى الجمعة قبل دخول وقتها، فإنه مندوب وثوابه يفوق ثواب الواجب الذي هو السعي بعد الأذان، فقد جاء في الحديث: (( أن من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الثانية فكأنما قرب بقرة، وفي الثالثة فكأنما قرب كبشًا، وفي الرابعة فكأنما قرب دجاجة، وفي الخامسة فكأنما قرب بيضة ) ).

وذيلت على البيتين المتقدمين بيتًا آخر بقولي:

~والسعي قبل أذان جمعتنا لمن وجبت عليه يزاد للمستبصر

تنبيه: قال في (( الفتح ) ): أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب كالذي في حديث أبي موسى فادعى ابن منده فيه الاضطراب، وأجيب بأنهما حديثان اتحد إسنادهما وافق أحدهما حديث أبي موسى ولغا بينهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام كما تقدم.

وقال فيه أيضًا: هذا الإسناد كله بصريون، والذي قبله كما ذكرنا كوفيون، والذي بعده من طريقيه بصريون فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء وهو من اللطائف انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت