وبالسند إلى المؤلف قال:
13 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الدال ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل أبو الحسن البصري.
قال الكرماني: مع اختلاف كثير في نسبه، قال أحمد بن عبد الله: كان أبو نعيم يسألني عن اسمه ونسبه ويقول: يا أحمد هذه رقية العقرب.
واعلم أن الخمسة الأول كلها بصيغة المفعول سرهدته؛ أي: أحسنت غذائه وسمنته وسربلته؛ أي: ألبسته القميص وغربلته؛ أي: قطعته ورعبلته؛ أي: مزقته والثلاث الأخيرة الباقية لعلها عجميات، وهي في الثلاث بالدال المهملة وبالنون وبالراء وكذا السين والعين مهملتان، وقيل: لفظ الغين هو الصحيح انتهى.
وهو ثقة، حافظ، اتفق العلماء على الثناء عليه، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد ابن فَرُّوخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وفي آخره خاء معجمة غير منصرف للعلمية والعجمة القطان الأحول التيمي، مولاهم البصري، يكنى أبا سعيد، الإمام، الحجة، المتفق على جلالته وتوثيقه وتميزه في هذا الشأن سمع يحيى الأنصاري، وابن جريج، والثوري، وأضرابهم، وروى عنه ابن عيينة، وشعبة، وأضرابهما.
قال يحيى بن معين: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وقال إسحاق الشهيدي: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب ولا يقول لأحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبة له، ولد سنة عشرين ومائة، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة، روى له الجماعة.
(عَنْ شُعْبَةَ) بضم الشين ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث وتقدمت ترجمته (عَنْ قَتَادَةَ) بفتح القاف ابن دِعامة _ بكسر الدال _ ابن قتادة السدوسي نسبة إلى سَدوس _ بفتح السين المهملة _ جده الأعلى تابعي الأكمه ولد أعمى.
قال الزمخشري في (( الكشاف ) )يقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه؛ أي: ممسوح العين غير قتادة، سمع أنس بن مالك، وأبا الطفيل عامرًا وغيرهما من الصحابة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن، وأبا عثمان النهدي، ومحمد بن سيرين وغيرهم، وروى عنه سليمان التيمي، وأيوب السختياني، والأعمش، وشعبة، والأوزاعي، وخلق كثير، وأجمعوا على جلالته، وحفظه، وتوثيقه، وإتقانه، توفي بواسط سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: ثمان عشرة ومائة وهو ابن ست وخمسين، أو سبع وخمسين، روى له الجماعة،
ج 1 ص 214
وليس في الكتب الستة من اسمه قتادة من التابعين وتابعيهم غيره.
(عَنْ أَنَسٍ) بفتحتين، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: ، وهو أبو حمزة _ بالحاء المهملة والزاي _ ابن مالك بن النضر بالنون والضاد المعجمة الأنصاري البخاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين، وهو من المكثرين، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفا حديث ومائتا حديث وست وثمانون حديثًا، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وتسعين، وكان أكثر الصحابة ولدًا بدعائه صلى الله عليه وسلم إذ قالت له أمه: يا رسول الله خويدمك ادع الله له، فقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم بارك في ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه ) )فقال: لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين، وكان له بستان يحمل في السنة مرتين، وفيه ريحان يشم منه ريح المسك وقال: لقد بقيت حتى سئمت الحياة، وإني لأرجو الرابعة.
وفي (( شرح الأربعين النووية ) )لابن حجر المكي: وإني لأرجو الثالثة، وما هنا هو الظاهر إذ غفران الذين رابع في العدد، ولعله اختلاف رواية وعبارته قالت أمه يومًا: يا رسول الله ادع له؟ فقال: (( اللهم أكثر ماله وولده وبارك فيه وأدخله الجنة ) )قال: فلقد رزقت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين؛ أي: ذكورًا ولم يرزق إلا بنتين على ما قيل، وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وإني لأرجو الثالثة انتهى فليتأمل.
فإن دخول الجنة على هذه الرواية رابع أيضًا ثم قال: ومن بركة الثانية أن قهرمانه جاءه فقال له: عطشت أرضًا فتوضأ وخرج إلى البرية وصلى ركعتين ثم دعا فالتأمت السحاب وأمطرت حتى ملأت جميع أرضه ولم تعدها إلا يسيرًا وذلك في الصيف انتهى.
فحق العبارة ومن بركة الأولى اللهم إلا أن يقال: أنه جعل أكثر ماله وولده واحدة وهي الأولى، وبارك فيه على تقدير مضاف؛ أي: في رزقه فيصح حينئذ أن سقيا أرضه من بركة الثانية، وكذلك قوله: وإني لأرجو الثالثة فليتأمل، ومناقبه كثيرة شهيرة وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب المناقب بعضها.
واختلف في سنه حين مات فقيل: مائة سنة وثلاث سنين، وقيل: مائة وعشر سنين، وقيل: مائة سنة، وقيل: بضع وتسعون سنة وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وغسله محمد بن سيرين سنة ثلاث وتسعين زمن الحجاج، ودفن في قصره على نحو فرسخ ونصف من البصرة.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَنْ حُسَيْنٍ) بالتنوين (الْمُعَلِّمِ) ابن ذكوان، سمع عطاء بن أبي رباح، وقتادة، وآخرين، روى عنه شعبة، ويحيى القطان، وغيرهما وهو ثقة، كما قاله ابن معين وغيره.
وقال في (( التقريب ) ): ثقة وربما وهم توفي سنة خمس وأربعين ومائة.
قال في (( الفتح ) ): قوله: وعن حسين المعلم معطوف على شعبة، فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعهما؛ لأن شيخه أفردهما فأورده المصنف معطوفًا اختصارًا، أو لأن شعبة قال: عن قتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة، وأغرب بعض المتأخرين فزعم أن طريق حسين معلقة وهو غلط، فقد رواه أبو نعيم في (( المستخرج ) )من طريق إبراهيم الحربي، عن مسدد شيخ المصنف، عن يحيى القطان، عن حسين المعلم، وأبدى الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي أن يكون تعليقًا أو معطوفًا على قتادة فيكون شعبة قد رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئًا من علم الإسناد انتهى.
وتبعه العيني فقال: هذا كله مبني على حكم العقل، وليس كذلك وليس هو بعطف على مسدد ولا على قتادة، وإنما هو عطف على شعبة انتهى.
والمتبادر رجوع الضمير في قوله لأن شيخه إلى المصنف وهو مشكل؛ لأن الإفراد لا يتأتى إلا من شيخ شيخه وهو يحيى، ولعله أطلق الشيخ وأراد به شيخ الشيخ مسامحة، أو يكون للبخاري إجازة من يحيى؛ لأن وفاته بعد ميلاد البخاري بأربع سنين، وإن كان مستبعدًا فليتأمل.
وفي (( الفتح ) )أيضًا: المتن المساق هنا لفظ شعبة، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التي ذكرناها فهو: (( لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره ) ).
وللإسماعيلي من طريق روح عن حسين: (( حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ) )فبين المراد بالأخوة، وعين جهة الحب، وزاد مسلم في أوله عن أبي خيثمة عن يحيى القطان: (( والذي نفسي بيده ) )وأما طريق شعبة فصرح أحمد والنسائي في روايتيهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه انتهى.
(قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لا يُؤْمِنُ) قال في (( الفتح ) ): أي من يدعي الإيمان، وللمستملي: وللأصيلي: ولابن عساكر: ، وكذا لمسلم عن أبي خيثمة انتهى.
فعلى رواية غير هؤلاء فاعل يؤمن ضمير مستتر عائد إلى ما يفهم من المقام كما أشار إليه صاحب (( الفتح ) )بقوله: أي: من يدعي الإيمان، فالمراد بنفي الإيمان نفي كماله، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم كقولهم: فلان ليس بإنسان.
قال ابن كمال باشا: ومفهومه أن الإيمان الكامل موقوف على ما ذكر وموجب ذلك دورانه عليه عدمًا لا وجودًا كما توهم من قال.
فإن قلت: فإذا حصل هذه المحبة يلزم أن يكون مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت بسائر الأركان؟
قلت: هذه مبالغة كان الركن الأعظم فيه هذه المحبة نحو: لا صلاة إلا بطهور، أو هي مستلزمة لها، أو يلتزم ذلك لصدقه في الجملة وهو عند حصول سائر الأركان إذ لا عموم للمفهوم انتهى.
(حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) وفي (( صحيح ابن حبان ) )من رواية عدي عن حسين: (( لا يبلغ عبد
ج 1 ص 215
حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) .
ورواه أحمد: (( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير ) )وهو مبين لمعنى حديث الصحيحين، وأن المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته وكماله، فإن الشيء كثيرًا ما ينفي لانتفاء بعض مكملاته أو واجباته كنفي الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر في الحديث المشهور وكما تقدم من قولهم: فلان ليس بإنسان إذا ارتكب ما لا يليق به.
وفي (( الفتح ) ): فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت ببقية الأركان؟
أجيب: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: (( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان ) ).
ومعنى الحقيقة هنا الكمال ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان، وهي داخلة في التواضع على ما سنقرره، ولفظة حتى هنا جارة وأن بعدها مضمرة وهي الناصبة للمضارع دون حتى خلافًا للكوفيين، ولا يجوز أن تكون ابتدائية والفعل بعدها مرفوعًا؛ لأن الفعل لا يرتفع بعد حتى إلا بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون حالًا أو مؤولًا بالحال.
والثاني: أن يكون مسببًا عما قبلها.
والثالث: أن يكون فصلة والكل هنا مفقود هنا.
وتقدم آنفًا عن الراغب معنى المحبة وتقيمها، ويقرب منه قول النووي: أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه بحواسه كحسن الصورة، ولما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والكمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار عنه انتهى.
وقوله: (لأخيه) أي: المسلم كما بينته رواية الإسماعيلي من طريق روح عن حسين: (( حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ) )فبينت المراد بالأخوة، وعينت جهة الحب، وعممت الحكم في كل مسلم؛ لئلا يتوهم اختصاصه ببعض دون بعض، لكن قال ابن حجر المكي: والظاهر أن التعبير هنا بالأخ جرى على الغالب؛ لأنه ينبغي لكل مسلم أن يحب للكفار الإسلام، وما يتفرع عليه من الكمالات انتهى.
أقول: يمكن شمول الأخ للكافر بأن يراد بالأخوة المشاركة في مطلق الإنسانية، ولكن في كونه مرادًا من الحديث، وفي توقف كمال الإسلام عليه نظر، وإن كان مما ينبغي إذ يبعد أن يكون إيمان من لم يحب للكافر الإسلام ناقصًا فليتأمل.
وفي الكرماني: قال التيمي: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على معرفة الإيمان من نفسك فانظر، فإن اخترت لأخيك في الإسلام ما تختار لنفسك فقد اتصفت بصفة الإيمان، وإن فرقت بينك وبينه في إرادة الخير فلست على حقيقة الإيمان، وقد ذكرنا أن المؤمن اشتق من الأمن؛ أي: أنه مؤمن أخاه من الضيم والشر، وإنما يصح منه هذا إذا ساوى بينه وبين نفسه، فأما إذا كان وصول الشر إلى أخيه أهون عليه من وصوله إلى نفسه، أو حصوله على الخير آثر من حصول أخيه عليه فلم يؤمنه إيمانًا تامًا انتهى.
وفيه أيضا ما يحب؛ أي: مثل ما يحب إذ عين ذلك المحبوب محال أن يحصل في محلين واللام تدل على أن المراد الخير والمنفعة إذ هو للاختصاص النافع، وكذا محبته لنفسه تدل عليه إذ الشخص لا يحب لنفسه إلا الخير، وجاء في رواية النسائي: (( حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ) ).
قال أبو عمرو بن الصلاح: وهذا يعد من الصعب الممتنع، وليس كذلك إذ القيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة له، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعمر على القلب الدغل انتهى.
قال الشهاب ابن حجر المكي: وبه يندفع قول غيره يشبه أن هذه المحبة إنما هي من جهة العقل؛ أي: يحب له ذلك، ويؤثره من هذه الجهة أما التكليف بذلك من جهة الطبع فصعب إذ الإنسان مطبوع على حب الاستئثار على غيره بالصالح، بل على الغبطة والحسد لإخوانه، فلو كلف أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بطبعه لأفضى أن لا يكمل أحدًا إلا نادرًا انتهى.
ويؤيد ما قاله ابن الصلاح خبر الترمذي وابن ماجه: (( أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا ) ).
وخبر أحمد: (( أفضل الإيمان أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك ) )إلى آخر ما ذكره من الأخبار.
وفي الكرماني أيضًا: وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، ولم يذكره إما لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه فيدخل تحت ذلك، وإما لأن الشخص لا يبغض شيئًا لنفسه فلا يحتاج إلى ذكره انتهى.
وتعقبه ابن كمال باشا في تقدير المثل فقال: ولا حاجة إلى تقدير المثل كما توهم من قال؛ أي: مثل ما يحب إذ عين ذلك لمحبوب محال أن يحصل في محلين؛ لأن معنى ما يحب لنفسه ما يحب أن يحصل لنفسه، والواحد المتوقع يجوز أن يحصل لكل واحد من الشخصين على سبيل البدل، وحاصل المعنى أن لا يؤثر نفسه على أخيه، ولا يخفى أنه على تقدير المثل يفوت هذا المعنى انتهى.
وفيه نظر من وجهين:
أما الأول: فلأن جعل اللام في لنفسه صلة ليحصل لا تقتضيه القواعد ولا قرينة تدل عليه.
وأما الثاني: فلأن من لازم محبة حصول ذلك المتوقع من الخير لأخيه واستئثاره به عدم محبة حصوله لنفسه، إذ يستحيل حصوله بعينه لهما، فيلزم أن كون مكلفًا بمحبة استئثار أخيه عنه بكل خير بأن يحصل لأخيه ولا يحصل له، وهذا غير مراد من الحديث قطعًا، فلا مندوحة عن تقدير المثل، أو ما يؤدي مؤداه، ولذلك أطبق على تقديره الشراح، ولم ينفرد به الكرماني، لكن في قوله: وأما؛ لأن الشخص لا يبغض شيئًا لنفسه فلا يحتاج إلى ذكره نظر؛ لأن الأشياء التي يبغضها الشخص لنفسه كثيرة جدًا كالمعاصي والأسقام والفاقة والذل والصغار.
وفي (( فتح الباري ) ): والمراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا أن يحب أن يحصل لأخيه نظير ما حصل له
ج 1 ص 216
لا عينه سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال.
وقال أبو الزناد ابن سراج: ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين.
قلت: أقر القاضي عياض هذا وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص:83] ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش، وكلها خصال مذمومة انتهى.
ويؤيد ذلك غير ما تقدم خبر أحمد أتحب الجنة؟ قلت: نعم، قال: فأحب لأخيك ما تحب لنفسك.
وخبر مسلم: (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين على مال يتيم ) ).
فإذا انتفت تلك المحبة لنحو غش أو حسد فلم يحب له مثل ما يحب لنفسه فهو غير مؤمن الإيمان الكامل، ومن ثم قيل: أفحش الأحوال أن يرى ضانًا على أخيه بأفعال الخير إن لم يوفق هو لها كما جرى لابن آدم، فإنه قتل أخاه من أجل أن يقبل الله قربانه دونه.
قال الشهاب ابن حجر المكي: والمراد بالمثلية هنا مطلق المشاركة المستلزمة لكف الأذى والمكروه عن الناس، ولحمل الإنسان على أنه كما يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته ينبغي له إذا كانت لأخيه عنده مظلمة أو حق أن يبادر إلى إنصافه من نفسه ويؤثر الحق، وإن كان عليه فيه مشقة، وفي الحديث: (( انظر ما تحب أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم ) ).
ومن ثم قيل للأحنف: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من نفسي، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا كرهت شيئًا من غيري لم أفعل بأحد مثله.
فلا ينافي كون الإنسان يحب لنفسه أن يكون أفضل الناس على أن الأكمل خلاف ذلك، فقد قال الفضيل لسفيان بن عيينة: إن كنت تود أن يكون الناس مثلك فما أديت الله الكريم النصيحة فكيف لو كنت تود أنهم دونك؟ انتهى.
أقول: المثلية التي أشار إليها هي المقدرة في الحديث المدلول عليها بدلالة الاقتضاء وقوله: فلا ينافي كون الإنسان يحب لنفسه ... إلخ؛ أي: لأن المراد بالمثلية مطلق المشاركة، فلو أحب أن يرزقه الله تعالى كل يوم ألف درهم من الحلال يتصدق ببعضها، ويصرف بعضها في حوائجه، وأن يرزق أخاه كل يوم عشرة دراهم لكان عاملًا بمضمون هذا الحديث على هذا التقدير، وفيه ما فيه إذ ظاهر الحديث المساواة فليتأمل.
وفي قوله: على أن لا يحمل خلاف ذلك توقف أيضًا، فإن الأفضلية بكثرة الثواب، وكثرة الثواب بكثرة الأعمال الصالحة بحسب جري العادة إلا أخيه، فكيف يكون الإقلال من الأعمال الصالحة أكمل من الإكثار منها؟!
وقد عقد المصنف رحمه الله تعالى بابًا لتفاضل أهل الإيمان في الأعمال، والأحاديث والآيات الدالة على التحريض والحث على ذلك كثيرة، وما تقدم عن الفضيل يحمل على الأمور المعاشية لا المعادية فليتأمل.
ثم رأيته جنح إلى مثل ذلك أخيرًا فقال: ومن كمال الإيمان تمنى مثل فضائله الأخروية التي فاقه فيها غيره كما دلت عليه الأحاديث الشهيرة، وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32] فهو نهي عن الحسد، وهو تمني انتقال نعمة الغير إليه، وما مر عن الفضيل مما يقتضي أن الأكمل محبة أن يكون الناس فوقه إنما هو من جهة أن هذا هو أكمل درجات النصيحة، وإلا فالمأمور له شرعًا محبة أن يكونوا مثله، ومع هذا فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد في لحاقه وحزن على تقصيره لا حسدًا، بل منافسة وغبطة ليزداد بذلك الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها، والنظر لنفسه بعين النقص، وينشأ عن هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا مثل حاله انتهى.
ثم قال: نعم لا حرج على من كره الامتياز بالجمال، فروى أحمد والحاكم في (( صحيحه ) ): أن مالك بن مرارة قال: يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك هو البغي؟ فقال: (( لا ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر، أو قال: سفه الحق ) )انتهى.
ولينظر في قوله كره الامتياز بالجمال، ولعل حق العبارة من أحب الامتياز كما يعلم بالتأمل؛ لأن عدم محبة أن يفضله أحد من الناس بشراكين يفهم منه بحسب متعارف اللغة محبة امتيازه عليهم كما يفهم من قولك فلان لا أعلم منه في البلد أنه أعلم أهل البلد مع أن وضع التركيب لا يفهم منه إلا نفي الزيادة عليه لا إثبات زيادته عليهم فليتأمل.