فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 1465

49 -وبه قال: (أَخْبَرَنَا) وفي كثير من الأصول الصحيحة: (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) وللأصيلي: إسقاط ، ولأبي الوقت: .

قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاري المدني (عَنْ حُمَيْدٍ) ابن أبي حميد بضم الحاء المهملة فيهما ابن تِيْر بكسر الفوقية وسكون التحتية آخره راء.

قال في (( التقريب ) ): اختلف في اسم أبيه على عشرة أقوال، والتِّير بالعربية: السهم، وحميد هذا خزاعي بصري مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وهو مشهور بحميد الطويل، قيل: كان قصيرًا طويل اليدين يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه.

وقال الأصمعي: رأيته ولم يكن بذاك الطويل كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير، فقيل له: حميد الطويل؛ للتمييز بينهما وهو ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، وهو من الطبقة الصغرى من التابعين، توفي سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وأربعين ومائة.

(عَنْ أَنَسٍ) رضي الله تعالى عنه، وللأصيلي زيادة: ، وله ولابن عساكر: وبذلك حصل الأمن من تدليس حميد (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) أي: من حجرته الشريفة (يُخْبِرُ) إما استئناف أو حال مقدرة على حد قوله تعالى: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73] ، قاله الكرماني.

وقال العيني: الحالية أولى.

(بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي: بتعيينها في أي ليلة من ليالي عشر رمضان الأخير هي (فَتَلاَحَى) بفتح الحاء المهملة؛ أي: تنازع وتخاصم (رَجُلاَنِ) من المسلمين.

قال في (( الفتح ) ): أفاد ابن دحية: أنهما عبد الله بن أبي حدرد بحاء مفتوحة ودال ساكنة مهملتين ثم راء مفتوحة ثم دال مهملة أيضًا وكعب بن مالك. انتهى.

وكان لكعب عليه مال فطلبه منه فتنازعا وارتفعت أصواتهما في المسجد.

وفي (( المصابيح ) ): قال الإسماعيلي: إنما ذكر البخاري في هذا الباب هذا الحديث؛ لينبه على أن التلاحي وهو المماراة والمجادلة غير السباب الذي هو فسق. انتهى.

(فَقَالَ) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال الكرماني: فإن قلت: الإخبار يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل فأين الأخير؟.

إن قلت: هما محذوفان أو لفظ بليلة القدر هو بمنزلة المفعولين إذ التقدير أخبركم بأن ليلة القدر هي الليلة الفلانية.

فإن قلت: هل يجوز أن يكون بليلة القدر ثاني المفعولات والثالث محذوفًا؟.

قلت: لا، إذ مفعوله الأول كمفعول أعطيت، والثاني والثالث كمفعولي علمت. انتهى.

وتبعه على ذلك العيني.

أقول: وفيه نظر؛ لأن حذف المفعول الثاني في باب علمت إنما يمتنع إذا كان لغير دليل ويسمى عندهم اقتصارًا، وأما إذا كان لدليل ويسمى اختصارًا، فالجمهور على جوازه من ذلك، والمحذوف الأول قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ} [آل عمران:180] في قراءة يحسبن بالياء آخر الحروف؛ أي: ولا يحسبن الذين يبخلون ما يبخلون به هو خيرًا، ومنه والمحذوف الثاني قوله:

~ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم

أي: لا تظني غيره واقعًا مني، وفي جعله لفظ بليلة القدر بمنزلة المفعولين نظر أيضًا؛ لأن ذلك خاص بباب التعليق نحو: علمت لزيد قائم، وبباب أن عند سيبويه

ج 1 ص 335

نحو: علمت أن زيدًا منطلق، فسيبويه لا يقدر مفعولًا ثانيًا اكتفاء بما في اسم إن وخبرها من النسبة.

والأخفش يقدر الخبر لأن ما في حيز أن المفتوحة من الاسم والخبر مقدر بمفرد والمفرد لا يسد مسد المفعولين، فيكون التقدير على قوله علمت انطلاق زيد واقعًا أو حاصلًا مثلًا على أن الجار والمجرور لا يقع مفعولًا إلا إذا كان ثانيًا في باب ظن وثالثًا في باب اعلم، والظاهر: أن أخبر هنا ليست متعدية لثلاثة مفاعيل، بل لمفعول واحد وهو الكاف، وبليلة القدر ظرف لغو لأخبركم كما تقول: أخبرنا فلان بكذا ولا ضرورة تدعو إلى جعلها مما ينصب ثلاث مفاعيل؛ لأنها إنما تكون كذلك إذا تضمنت معنى اعلم.

قال الدماميني في (( شرح التسهيل ) ): واختار المصنف في الشرح عدم إلحاق نبأ وأخواتها بأعلم.

قال: وقد حمل سيبويه على حذف الجر قول الشاعر:

~ونبئت عبد الله بالجو أصبحت كرامًا مواليها لئامًا صميمها

مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت، فدل ذلك على أن تقدير الحرف راجح عنده، إذ ليس فيه إخراج شيء عن أصله، ولا تضمين شيء معنى شيء ولم يثبت الإجراء مجرى اعلم إلا حيث يحتمل حذف الحرف، فكان الحمل عليه أولى، هذا في نبأ مع كثرة استعمالها في الصورة المختلف فيها، وأما أخواتها فيندر استعمالها في هذه الصورة. انتهى.

واعلم: أن من ألحق هذه الأفعال باعلم ليس قائلًا بأن الهمزة والتضعيف فيهما للنقل، إذ لم يثبت في لسانهم ما ينقل عنه هذه الأفعال، وإنما هو عنده من باب التضمين؛ أي: أن كلًا من تلك الأفعال ضمن معنى اعلم فعومل معاملته. انتهى.

وبه يظهر أن ما ذكره الكرماني تكلف لا حاجة إليه، فليتأمل.

(وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة (تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) هما الرجلان المتقدم ذكرهما، والضمير في (( إنه ) )للشأن، وكان ذلك في المسجد، وفي شهر رمضان اللذين يجتنب اللغو فيهما ورفع الصوت، ولاسيما بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَرُفِعَتْ) عطف على (( تلاحى ) )والفاء للسببية.

قال النووي: أي: رفع بيانها أو علمها وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة قال وشذ قوم فقالوا: رفعت ليلة القدر وهذا غلط؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم فإنه قال عليه السلام: (( التمسوها ) )ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها لا يقال: كيف نؤمر بطلب ما رفع علمه؛ لأنا نقول: المراد طلب التعبد في مظانها، وربما يقع العمل مصادفًا لها لا أنه مأمور بطلب العلم بعينها، والأوجه أن يقال: رفعت من قلبي بمعنى نسيتها يدل عليه ما جاء في رواية مسلم من حديث أبي سعيد: (( فجاء رجلان يحتقَّان بتشديد القاف؛ أي: يدعي كل منهما أنه المحق معهما الشيطان فنسيتها ) ).

ويعلم من حديث عبادة أن سبب الرفع التلاحي، ومن حديث أبي سعيد هو النسيان، ويحتمل أن يكون السبب هو المجموع ولا مانع منه كذا في العيني.

(وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) أي: رفعها بالمعنى المذكور (خَيْرًا لَكُمُ) لتزيدوا في الاجتهاد في طلبها فيكون زيادة في ثوابكم ولو كانت معينة لاقتصرتم عليها فقل عملكم (الْتَمِسُوهَا) أي: اطلبوا ليلة القدر (فِي السَّبْعِ) بتقديم السين والموحدة بعدها؛ أي: في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهو ما عليه أكثر العلماء، وعليه عمل الناس اليوم وذهب الشافعي إلى أن أرجى لياليها ليلة الحادي والثالث والعشرين.

(وَ) في (التِّسْعِ) بتقديم المثناة الفوقية؛ أي: في ليلة التاسع والعشرين، وفي رواية: بتقديمها على ما قبلها كما وقع عند أبي نعيم في (( المستخرج ) )على ترتيب التدلي (وَ) في (الْخَمْسِ والعشرين) أي: في ليلة الخامس والعشرين منه.

قال في (( الفتح ) ): واختلف في المراد بالتسع وغيرها فقيل تسع تمضين من العشر، وقيل: تسع يبقين من الشهر. انتهى.

وحينئذٍ فما هنا يصح تنزيله على مذهب الأكثر وعلى مذهب غيرهم.

وقال الكرماني: واستفيد التقييد بالعشرين ذكر رمضان من الأحاديث الأخر الدالة عليها، وهو دليل على أنها في الأفراد أرجى وأرجاها السبع للاهتمام بتقديمه. انتهى.

ووجه دلالة الحديث على الترجمة من حيث أن فيه ذم التلاحي وأن صاحبه ناقص؛ لأنه يشتغل عن كثير من الخير بسببه، يعني: إذا كان

ج 1 ص 336

في المسجد، وعند جهر الصوت بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ربما ينجرُّ إلى بطلان العمل وهو لا يشعر.

قال تعالى: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] ، قاله الكرماني.

وقال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية وهي الحرمان، وفيه: أن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير.

وقال النووي: أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحيهما ورفعهما الصوت بحضرته صلى الله عليه وسلم ففيه مذمَّة الملاحاة ونقصان صاحبها.

وقال في (( الفتح ) ): فإن قيل: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومة؟.

قلنا: إنما كان كذلك؛ لوقوعها في المسجد وهو محل الذكر لا اللغو، ثم في الوقت المخصوص أيضًا بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان، فالذم لما عرض فيها لا لذاتها، ثم إنها مستلزمة لرفع الصوت ورفعه بحضرة الرسول منهي عنه لقوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات:2] الآية.

ومن هنا تتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة، ومطابقتها له، وقد خفيت على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب. انتهى.

وتعقبه العيني بقوله: إن هذا عجب شديد يأخذ كلام الناس وينسبه إلى نفسه مدعيًا أن غيره قد خفي عليه ذلك على أن ما ذكره الكرماني، وتبعه هو في وجه المطابقة بعيد على ما لا يخفى على من تأمله، فإذا أمعن الناظر فيه لا يجد لذكر هذا الحديث هنا مناسبة، ولا مطابقة للترجمة. انتهى.

وتعقب أيضًا قوله: إن المخاصمة في طلب الحق إنما كانت مذمومة؛ لوقوعها في المسجد ... إلخ بقوله:

قلت: طلب الحق غير مذموم لا في المسجد ولا في الوقت المخصوص والمذمة فيها ليست راجعة إلى مجرد الخصومة في الحق، وإنما هي راجعة إلى زيادة منازعة حصلت بينهما عن القدر المحتاج إليه وتلك الزيادة هي اللغو، والمسجد ليس بمحل اللغو مع ما كان فيها من رفع الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

أقول: لا يخفى على المتأمل أن هذا التعقب غير وارد على صاحب (( الفتح ) )بعد قوله: فالذم لما عرض فيها لا لذاتها ... إلخ، وهي معنى قول العيني: والمذمة ليست راجعة إلى مجرد الخصومة في الحق ... إلخ.

فإن قلت: قوله تعالى: {وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر:55] يقتضي المؤاخذة بالعمل الذي لا قصد فيه.

قلت: أجاب صاحب (( الفتح ) ): بأن المراد: {وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} بالإحباط لاعتقادكم صغر الذنب، فقد يعلم المرء الذنب ولكن لا يعلم أنه كبير كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ) )أي: عندهما، ثم قال: (( وإنه لكبير ) )أي: في نفس الأمر.

وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي: بأن المؤاخذة تحصل بما لم يقصد في الثاني إذا قصد في الأول؛ لأن مراعاة القصد إنما هو في الأول ثم يسترسل حكم النية الأولى على مؤنتف العمل وإن عزب القصد خيرًا كان أو شرًا. انتهى.

وفي الكرماني: فإن قلت: إذا جاز أن يكون الرفع خيرًا فلا مذمة فيه ولا شر ولا حبط للعمل.

قلت: إن أريد بالخير اسم التفضيل فمعناه: أن الرفع عسى أن يكون خيرًا من عدم الرفع من جهة أخرى كمن جهة كونه سببًا لزيادة الاجتهاد المستلزمة لزيادة الثواب، وإلا فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيرًا، وإن كان عدم الرفع أزيد خيرًا وأولى منه، ثم إن خيرية ذاك محققة، وخيرية هذا مرجوة؛ لأن مفاد عسى هو الرجاء لا غير. انتهى.

وفي الحديث ذم الملاحاة والخصومة، وأنهما سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، والحث على طلب ليلة القدر.

ورواته ما بين بلخي ومصري ومدني، وفيه: رواية صحابي عن صحابي، والتحديث والإخبار والعنعنة.

وأخرجه المؤلف في الصوم أيضًا، وفي الأدب، وكذا النسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت