48 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بالعينين المفتوحتين والرائين ابن البِرَنْد بكسر الموحدة والراء وتفتح وبسكون النون وفي آخره دال مهملة ابن النعمان القرشي السامي بالسين المهملة نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب البصري، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائتين قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ زُبَيْدٍ) بضم الزاي مصغرًا ابن الحارث بن عبد الكريم اليَامِي بالمثناة التحتية وميم مخففة مكسورة الكوفي، المتوفى سنة اثنين وعشرين ومائتين.
أنه قال: (سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ) بالهمز بعد الألف وهي كنيته، واسمه شقيق بن سلمة الأسدي، ولد قبل البعثة ولم يلتق مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية، وقال: كنت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين أرعى إبلًا لأهلي، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليًا وابن مسعود وعمارًا وغيرهم من الصحابة والتابعين، وروى عنه خلقٌ كثير من التابعين وغيرهم، وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود، توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقيل: سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة اثنين وثمانين.
قال العيني: وهو المحفوظ، وقال أبو سعيد بن صالح: كان أبو وائل يوم جنائزنا، وهو ابن مائة وخمسين سنة. انتهى.
(عَنِ الْمُرْجِئَةِ) بضم الميم وكسر الجيم؛ أي: الفرقة الملقبة بالمرجئة.
قال في (( الصحاح ) ): أرجأت الأمر أخرته ومنه سميت المرجئة مثال المرجفة والنسبة مرجأَي بالهمز.
فإذا قلت: أرجيته بلا همز قلت مرجيَّة بالتشديد، والمراد: سألت أبا وائل عن مقالة المرجئة أن مرتكب الكبيرة غير فاسق أهم مصيبون فيه أم مخطئون؟.
لما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال: (( لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له، فظهر أن سؤاله عن ذلك لا عن معتقدهم ) ).
وفي ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة وسموا بذلك؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، وقيل: من الرجاء؛ لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل: من الإرجاء وهو تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا وهم أضداد الخوارج والمعتزلة، فالخوارج: تكفر بالذنب، والمعتزلة: يفسقون به، ويقولون: أنه موجب للخلود في النار، والمرجئة يقولون: لا يضر الذنب مع الإيمان، وغُلاَتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده، ولا يضر عدم النطق بالشهادتين، ومنهم من يقول: لا بد مع ذلك من الإقرار باللسان، ومنهم: من وافق القدرية كالخالدي، ومنهم: من لم يوافقهم وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضًا، وهؤلاء مراد البخاري بالرد عليهم.
(فَقَالَ) أي:
ج 1 ص 333
أبو وائل في جوابه لزبيد: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ) ابن مسعود رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ سِبَابُ) بكسر السين المهملة مصدر سب؛ أي: شتم وفسره الراغب بالشتم الوجيع، كذا في (( المصابيح ) ).
وقال في (( الفتح ) ): وهو مصدر مضاف للمفعول، يقال: سبَّ يسبُّ سبًَّا وسبابًا.
وقال إبراهيم الحربي: السباب: أشد من السب، وهو أن تقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه، تريد بذلك عيبه.
وقال غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضي المفاعلة. انتهى.
واعترضه العيني فقال: هذا ليس بمصدر سب يسب، وإنما هو اسم بمعنى السب أو مصدر من باب المفاعلة، وادعى أن كلام الحربي صريح في كونه ليس بمصدر.
أقول: وفيه نظر؛ لأن كلام صاحب (( المصابيح ) )صريح في كونه مصدر الثلاثي الذي هو سب، فما المانع من ذلك، ومصدر الثلاثي سماعي، ويدل لذلك ما قالوه في لفظ (( كتاب ) )أنه في الأصل مصدر بمعنى الجمع، ثم أطلق على اسم المفعول الذي هو (( المكتوب ) ).
نعم: يحتمل أن يكون مصدر سابَّ من باب المفاعلة كقاتل قتالًا لكنه لا ينفي احتمال كونه مصدر الثلاثي.
قال الكرماني: يحتمل أن يكون على أصل معنى باب المفاعلة، ويحتمل أن يكون بمعنى السب؛ أي: الشتم. انتهى.
وقوله: المسلم هو الثابت في معظم الروايات، ولأحمد عن غندر عن شعبة: (( المؤمن ) )، وكأنه رواه بالمعنى، قاله في (( الفتح ) ).
(فُسُوقٌ) مصدر فسق بمعنى فجر.
قال في (( العباب ) ): الفسق الفجور يقال: فسق يفسُق ويفسِق أيضًا فسقًا وفسوقًا فجر، وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121] ؛ أي: خروج عن الحق يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها.
وقال أبو الهيثم: الفسق يكون الشرك ويكون الإثم، كذا في العيني.
وفي (( الفتح ) ): الفسق في اللغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو في عرف الشرع أشد من العصيان قال تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات:7] . انتهى.
أي: فلذا عطف عليه العصيان وبدأ في الآية الكريمة بالأشد فالأشد.
(وَقِتَالُهُ) أي: مقاتلته ومحاربته.
قال الكرماني: ويحتمل أن تكون المقاتلة بمعنى المشارَّة [1] ؛ أي: المخاصمة والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة. انتهى.
(كُفْرٌ) ليس المراد به كما قال ابن بطال وغيره الخروج عن الملة، بل كفران حقوق المسلمين، فهو بمعنى التغطية والستر؛ لأن الله تعالى جعلهم إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم، ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن التقاطع والتدابر والمقاتلة، وأخبر بأن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه.
قال الكرماني: أو أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه أو أنه كفعل الكفار. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحل لذلك؛ لأنه لا يطابق الترجمة ولو كان مرادًا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال فإن مستحل لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا. انتهى.
وقال الخطابي: المراد به الكفر بالله، وأن ذلك في حق من فعله مستحلًا بلا موجب ولا تأويل، أما المؤول كالبغاة فلا يكفر ولا يفسق بذلك، وقد تقدم آنفًا عن صاحب (( الفتح ) )رد حمله على المستحل.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة:
أنه دل على إبطال قول المرجئة بجعله السباب فسوقًا والقتالة كالكفر؛ لأنهم لا يفسقون مرتكب الكبيرة.
قال الكرماني: فإن قلت: كيف دل الحديث على الترجمة؟.
قلت: دل على إبطال قول المرجئة؛ لأنهم لا يفسقون مرتكبي الكبائر فلا يجعلون السباب فسوقًا ولا القتال كالكفر وإنما عبر عن القتال بالكفر والسباب بالفسوق مع أنهما سواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر؛ لأن الثاني أغلظ وبأخلاق الكفار أشبه وإنما ارتأينا التأويل في الكفر وأبقينا الفسوق على حقيقته؛ لأن الإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ولا بفعل معصية أخرى. انتهى ملخصًا.
وفي (( الفتح ) ): فإن قيل: هذا وإن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي؟.
فالجواب: أن المبالغة في الرد على المبتدع [اقتضت] [2] ذلك ولا تمسك للخوارج فيه؛ لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب؛ لأنه مفض إلى إزهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر ولم يرد حقيقة الكفر الذي هو الخروج عن [الملة] [3] بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير معتمدًا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة مثل حديث
ج 1 ص 334
الشفاعة، ومثل قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48] ، ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ).
ففيه كحديث الباب ثلاث تأويلات:
الأول: أنه أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير.
الثاني: أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر.
الثالث: أن المراد به الكفر اللغوي وهو التغطية لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف أذاه عنه فلما قاتله كان كأنه غطى هذا الحق والأولان أليق بمراد المصنف وأولى بالمقصود من التحذير من فعل ذلك والزجر عنه بخلاف الثالث. انتهى ملخصًا.
وهذا الحديث أخرجه المصنف في الأدب، ومسلم في الإيمان، والنسائي في المحاربة، والترمذي وقال: حسن صحيح.
[1] لعل الصواب: (( المشادة ) ).
[2] في الأصل مضبب عليها.
[3] في الأصل مضبب عليها.