فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 1465

وبالسند قال:

344 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) زاد أبو ذر: (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد وللأصيلي وابن عساكر: (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء واشتهر بعوف الأعرابي وبالصدوق.

(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الراء وتخفيف الجيم والمد، عمران بن مِلْحان: بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة، العُطاردي: بضم العين وبالطاء المهملة نسبة إلى عطارد بطن من تميم.

قال الكرماني: قال البخاري: الأصح أنه من تيم أدرك زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة ومات في سنة بضع ومائة.

(عَنْ عِمْرَانَ) بكسر العين، بن حُصَيْن بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون التحتية وبالنون، الخزاعي يكنى أبا نُجَيْد بضم النون وفتح الجيم وسكون المثناة التحتية وبالدال المهملة أسلم عام خيبر روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وثمانون حديثًا في (( البخاري ) )منها اثنا عشر، بعثه عمر رضي الله عنه إلى البصرة ليفقههم، وكان يرى الملائكة وتسلم عليه حتى اكتوى، وكان قاضيًا بالبصرة ومات بها سنة اثنين وخمسين، وكان الحسن يقول: (( والله والله ما قدمها ) )؛ أي: البصرة خير لهم منه.

(قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) اختلف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم من حديث أبي هريرة: (( أنه في رجوعهم من خيبر ) ).

قال ابن الملقن بالخاء المعجمة، ورواه الأصيلي: بالحاء المهملة قال: والأول غلط، وذكر الناجي وابن عبد البر أن قول من قال: خيبر أصح وأنه قول أهل السير انتهى.

وفي أبي داود من حديث ابن مسعود: (( أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية ليلًا فنزل فقال من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا ) )الحديث.

وفي (( الموطأ ) )عن زيد بن أسلم مرسلًا: (( عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بطريق مكة ووكل بلالًا ) ).

وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلًا: أن ذلك كان بطريق تبوك، ووقع في رواية

ج 2 ص 84

لأبي داود أن ذلك كان في غزوة جيش الأمراء.

ورده ابن عبد البر: بأن غزوة جيش الأمراء وهي غزوة مؤتة لم يشهدها النبي صلى الله عليه وسلم.

وأجاب في (( الفتح ) ): باحتمال أن يراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة، قال: وقد اختلف هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر؟ فجزم الأصيلي: بأن القصة واحدة.

وتعقبه القاضي عياض: بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين، وهو كما قال فإن قصة أبي قتادة فيها أن أبا بكر وعمر لم يكونا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما نام.

وقصة عمران فيها أنهما كانا معه كما سنبينه.

وأيضًا فقصة عمران فيها: أن أول من استيقظ أبو بكر ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم حتى أيقظه عمر بالتكبير، وقصة أبي قتادة فيها: أن أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وفي القصتين غير ذلك من وجوه المغايرات، ومع ذلك فالجمع بينهما ممكن.

ولا سيما مع ما وقع عند مسلم وغيره: أن عبد الله ابن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر (( أن عمران بن حصين سمعه وهو يحدث بالحديث بطوله فقال له انظر كيف تحدث فإني كنت شاهد القصة، قال: فما أنكر عليه من الحديث شيئًا ) ).

فهذا يدل على اتحادهما لكن لمدعي التعدد أن يقول: يحتمل أن يكون عمران حضر القصتين فحدث بإحداهما وصدق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى، ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها كما قدمناه.

وحاول ابن عبد البر الجمع بينهما بأن زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية وأن اسم طريق مكة يصدق عليهما ولا يخفى ما فيه من التكلف، ورواية عبد الرزاق بتعيين تبوك ترد عليهم.

وروى الطبراني من حديث عمرو بن أمية شبيهًا بقصة عمران، وفيه: أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مِخْبَر وهو بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة، وأخرجه من طريق ذي مخبر أيضًا وأصله عند أبي داود.

وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: أن بلالًا هو الذي كلأ لهم الفجر وذكر فيه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظًا ) )كما في قصة أبي قتادة، وهذا أيضًا يدل على تعدد القصة، ولابن حبان في (( صحيحه ) )من حديث ابن مسعود: (( أنه كلأ لهم الفجر ) )انتهى.

وأقول: الاستدلال بتعدد الكالئ على تعدد القصة فيه ما فيه إذ من الجائز أن يؤمر اثنان معًا أن يكلآ الفجر في ليلة واحدة خشية أن يغلب أحدهما النوم فيوقظه الآخر، أو واحدًا بعد آخر بأن يكلأ أحدهما نصف الحصة الباقية إلى الفجر ثم يوقظ الآخر فيكلأ تمامها.

وقال ابن الملقن: وهذه القصة رواها جماعة من الصحابة غير عمران منهم: أبو قتادة وأبو هريرة، وعمرو بن أمية الضمري، وذو مخبر وابن مسعود، وعقبة بن عامر وابن عباس، وجبير بن مطعم ومالك بن ربيعة وأنس.

قال ابن العربي: ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم النوم عن الصلاة ثلاث مرات:

إحداها: رواية أبي قتادة: (( ولم يحضر فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ) ).

ثانيها: رواية عمران بن حصين: (( حضراها ) ).

ثالثها: رواية أبي هريرة: (( حضرها أبو بكر وبلال ) ).

ثم نقل عن القاضي: أن نومه صلى الله عليه وسلم كان مرة واحدة، قال: وقد أسلفنا عن ابن العربي أنه كان ثلاث مرات ومن تأمل الأحاديث السالفة وجدها أكثر من ذلك.

وقال النووي: هذه الأحاديث جرت في سفرتين أو أسفار لا في سفرة واحدة، وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك انتهى.

(وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) بكسر همزة (( إن ) )لوقوعها في حيز القول إن قلنا: أنها معطوفة على (( كنا ) )، ويجوز أن تكون الواو للحال والجملة حالية كقوله تعالى {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال:5] .

وقال الكرماني: وفي بعض النسخ: (( سرينا ) ).

قال العيني: يقال سرى وأسرى لغتان.

وقال الجوهري: سريت وأسريت بمعنى: إذا سرت ليلًا، وفي (( المحكم ) ): السرى سير عامة الليل، وقيل: سير الليل كله، والحديث يخالف هذا القول انتهى.

أي: لأن السير كان في بعض الليل، والسرى يذكر ويؤنث ولم يعرف اللحياني فيه إلا التأنيث.

(حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ) غاية لقوله: (( أسرينا ) ) (وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومة كأنهم سقطوا عن الحركة (وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا) .

قال العيني: كلمة: (( لا ) )لنفي الجنس و (( وقعة ) )اسمها، وقوله: (( أحلى ) )صفة ل: (( وقعة ) )وخبر (( لا ) )محذوف، ويجوز أن يكون (( أحلى ) )خبرًا انتهى.

ولم يبين الأوجه الثلاث الجائزة في (( أحلى ) )المقررة في وصف النكرة المبنية مع (( لا ) )الجنسية وهي ثلاثة:

الأول: الفتح على تركيب الصفة والموصوف تركيب خمسة عشر.

والثاني: النصب مراعاة لمحل اسم (( لا ) ).

والثالث: الرفع مراعاة لمحل (( لا ) )مع اسمها المشار إليها بقول ابن مالك: ومفردًا نعتًا لمبنى يلي فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل اكتفاء بشهرتها.

ولم يتعرض للواو الداخلة على (( لا ) )التي لنفي الجنس أهي عاطفة أم زائدة؟ وإذا كانت عاطفة فعلى ماذا عطفت؟

وأقول: الحكم بزيادتها بعيد وإن قيل به في قوله تعالى: {إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر:73] .

قال في (( المغني ) ): والزيادة ظاهرة في قوله:

~فما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظًا وينوي من سفاهته كسرى

وحملها على الواو التي سماها الزمخشري تأكيدًا للصوق وهي الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتوكيد لصوقها بموصوفها، وحمل عليها عدة آيات منها:

ج 2 ص 85

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة:259] ، {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} [الحجر:4] .

أولى والأقرب: أنها واو العطف والمعطوف عليه محذوف تقديره وقعة لا ألذ منها، ولا أحلى منها، وفي قوله: (( أحلى ) )استعارة تبعية؛ لأن الحلاوة من الطعوم المدركة بالحس الظاهر فهي مستعارة لللذة.

قال في (( الفتح ) ): في رواية أبي قتادة عند المصنف ذكر سبب نزولهم في تلك الساعة وهو سؤال بعض القوم في ذلك، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظكم ) ).

(فَمَا) بالفاء ولابن عساكر بالواو (أَيْقَظَنَا) أي: نبهنا من نومنا (إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) وللأصيلي وأبي ذر: بالفاء (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ) .

قال العيني: (( كان ) )هنا يجوز أن تكون تامة وناقصة، فإن كانت ناقصة فقوله: (( أول ) )بالنصب وخبرها مقدمًا و (( فلان ) )اسمها، وإذا كانت تامة بمعنى وجد فلا تحتاج إلى خبر انتهى.

ومقتضى قوله فلا تحتاج إلى خبر أن يكون المرفوع اسمها وليس كذلك؛ لأنه فاعل لها، ففي كلامه مسامحة، ولم يتعرض لإعراب (( فلان ) )على تقدير كونها تامة، والظاهر أنه بدل من (( أول ) )، ويجوز في (( كان ) )أن تكون شأنية والجملة بعدها من المبتدأ والخبر خبرًا عن ضمير الشأن، وإفراد الضمير في (( استيقظ ) )مراعاة للفظ (( من ) )وهو الأفصح وهي تحتمل الموصوفة والموصولة؛ خلافًا للزركشي فإنه عين احتمال الموصوفة.

وتعقبه البدر الدماميني: بأنه لا يتعين لجواز كونها موصولة؛ أي: وكان أول الذين استيقظوا، وأعاد الضمير بالإفراد مراعاة للفظ (( من ) )انتهى.

والمراد ب: (( فلان ) )هنا أبو بكر رضي الله عنه؛ لأنه أول من استيقظ.

(ثُمَّ فُلاَنٌ) الظاهر أنه كناية عن عمران الراوي؛ لأن ظاهر سياقه أنه شاهد ذلك ولا تتأتى مشاهدته لذلك إلا بعد استيقاظه.

قال في (( المصابيح ) ): والأولى أن يجعل هذا من عطف الجمل؛ أي: ثم استيقظ فلان إذ ترتبهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأولية ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات، ويكون الاجتماع في الأولية باعتبار البعض لا الكل؛ أي: أن جماعة استيقظوا على الترتيب وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتى على رأي الزركشي؛ لأنه قال؛ أي: أول رجل فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات لزم الإخبار عن جماعة بأنهم أول رجل استيقظ وهو باطل.

(ثُمَّ فُلاَنٌ) قال في (( الفتح ) ): يشبه أن يكون من شارك عمران في رواية هذه القصة المعينة.

ففي (( الطبراني ) )من رواية عمرو بن أمية: (( قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حر الشمس فجئت أدنى القوم فأيقظته وأيقظ الناس بعضهم بعضًا حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ) )انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا تصرف بالحدس والتخمين انتهى.

وقال في (( الانتقاض ) ): قلت: لا يندفع الاحتمال بهذا القول انتهى.

يعني أنه لم يجزم بأن المراد بـ: (( فلان ) )الثاني: عمران الراوي، وبالثالث: من شارك وإنما ذكر ذلك احتمالًا تعويلًا على القرينة فكيف يتوجه عليه الاعتراض؟

(يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين وفي بعض النسخ: (( كان يسميهم ) ) (أَبُو رَجَاءٍ) العطاردي (فَنَسِيَ عَوْفٌ) الراوي عن أبي رجاء أسماءهم فمفعول (( نسي ) )محذوف، وجملة: (( يسميهم أبو رجاء ) )وما بعدها ليست من كلام عمران بل هي وما عطف معترضة بين كلاميه من كلام من شاهد تحديث أبي رجاء لأبي عوف وحكى ذلك.

(ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ) قال العيني: (( الرابع ) )مرفوع؛ لأنه صفة (( عمر ) )، و (( عمر ) )مرفوع؛ لأنه معطوف على مرفوع وهو قوله: (( ثم فلان ) ).

وقال بعضهم: ويجوز نصبه على خبر (( كان ) )، قلت: لم يبين هذا القائل؛ أي كان هذه والأقرب أن يكون مقدرًا تقديره: ثم كان عمر بن الخطاب الرابع، يعني من المستيقظين.

وقال الكرماني: وفي بعضها: (( هو الرابع ) )، وقد سمى البخاري في (( علامات النبوة ) )أول من استيقظ ولفظه: (( فكان أول من استيقظ أبو بكر ) )، وبقي اثنان من الذين عدهم أبو رجاء ونسيهم عوف الأعرابي انتهى.

فتحصل في إعراب هذا التركيب ثلاثة أوجه:

الأول: رفع (( عمر ) )بالعطف على اسم (( كان ) )، ورفع (( الرابع ) )على أنه صفة ل: (( عمر ) ).

الثاني: رفع (( عمر ) )على الابتداء، و (( الرابع ) )على الخبرية له.

الثالث: رفع (( عمر ) )على أنه اسم (( كان ) )على تقدير نقصانها، ونصب (( الرابع ) )خبرًا لها ولا يحتاج إلى تقدير (( كان ) )أخرى، كما يفهم من كلام العيني وإن قلنا بهذا الاحتمال صارت الأوجه أربعة.

(وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بالبناء للمفعول؛ أي: لم يوقظه أحد مهابة منه واحتراما له، وللأربعة: (( لم نوقظه ) )بنون المتكلم ومعه غيره (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ) بنفسه.

(لأَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المثناة التحتية وضم الدال (فِي نَوْمِهِ) من الوحي؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي فكانوا يخافون

ج 2 ص 86

من إيقاظه انقطاع الوحي (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله عنه.

(وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها وهم على غير ماء، وجواب (( لما ) )محذف تقديره: قام فكبر أو توضئ فكبر لا فكبر لاقترانه بالفاء، وهي لا تدخل في جواب (( لما ) )وقوله: (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) جملة معترضة و (( جَلِيدًا ) ): بفتح الجيم وكسر اللام من الجلادة وهي الصلابة.

(فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ) خص رفع الصوت بالتكبير سلوكًا لطريق الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجمعًا بين مصلحتي الإيقاظ والذكر ولا سيما والتكبير مستهل الأذان الذي فيه الدعاء إلى الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك شروعًا في الأذان لكن ينبؤ عنه قوله: (فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ) بالموحدة؛ أي: بسبب رفع صوته، وللأربعة: (( لصوته ) )؛ أي: لأجل رفع صوته.

(النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وقد استشكل نومه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة مع قوله في الحديث الصحيح: (( أن عيني تنامان ولا ينام قلبي ) ).

وأجاب ابن الملقن عن ذلك بقوله: لا تنافي بينهما؛ لأن الشمس تدرك بحاسة البصر لا بالقلب، وأبعد من قال: أن ذلك باعتبار الغالب وقد يقدر منه غير ذلك، وأراد الله تعالى بذلك إبراز حكم وتقرير شرع وإنما لم ينم قلبه لأجل ما يوحى إليه، فقد كان يسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوضأ، فإن قلت: لولا أن عادته الاستغراق في النوم لما قال لبلال: (( إكلأ لنا الصبح ) )، قلت: لعله لأجل التغليس فإنه كان من شأنه ومراعاة أول الفجر إنما يدرك بالمراقبة بالجوارح الظاهرة انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): قال النووي له جوابان:

أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم، ولا يدرك ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان.

والثاني: أنه كان له حالان: حال كان قلبه لا ينام فيه وهو الأغلب، وحال: ينام قلبه فيه وهو نادر فصادف هذا؛ أي: قصة النوم عن الصلاة.

قال: والصحيح المعتمد هو الأول، والثاني ضعيف وهو كما قال، ولا يقال: القلب وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلًا لكنه يدرك إذا كان يقظان مرور الوقت الطويل، فإن من ابتدأ طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة لا تخفى على من لم يكن مستغرقًا؛ لأنا نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك مستغرقًا بالوحي ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم كما كان يستغرق صلى الله عليه وسلم حالة لقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس كما في قضية سهوه في الصلاة.

وقريب من هذا جواب ابن المنير: أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم بطريق الأولى أو على السواء.

وقد أجيب عن أصل الإشكال بأجوبة أخرى ضعيفة:

منها: أن معنى قوله: (( لا ينام قلبي ) )؛ أي: لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه.

ومنها: أن معناه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه الحدث وهذا قريب من الذي قبله.

قال ابن دقيق العيد: كأن قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي ) )خرج جوابًا عن قول عائشة: (( أتنام قبل أن توتر ) ).

وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع في النوم مطمئن القلب وبين من شرع متعلقًا باليقظة.

قال: فعلى هذا فلا تعارض ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يحمل على أنه اطمأن في نومه لما أوجبه تعب السير معتمدًا على من وكله بكلاءة الفجر، والله تعالى أعلم انتهى.

ومحصله: تخصيص اليقظة المفهومة من: (( ولا ينام قلبي ) )بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًا لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب كان نومًا مستغرقًا.

ويؤيده قول بلال له: (( آخذ بنفسي الذي آخذ بنفسك ) )كما في حديث أبي هريرة عند مسلم ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا، وقد اعترض بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب.

وأجاب [1] : بأنه يعتبر على أن خصوص السبب قد يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق وهو هنا كذلك، ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا قول من قال: كان قلبه يقظان وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا لمصلحة التشريع، وقول من قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ

ج 2 ص 87

عليه أضغاث أحلام كما يطرأ على غيره بل كلما يطرأه في نومه حق ووحي فهذه عدة أجوبة أقربها إلى الصواب الأول على الوجه الذي قررناه انتهى.

وأقول: أبعدها ما قبل الجواب الأخير إذ كيف تخرج الصلاة عن وقتها عمدًا لمصلحة تشريع القضاء مع إمكان بيانه بالقول.

(فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) عليه السلام (شَكَوْا) أي: الصحابة (إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) من نومهم من صلاة الصبح؛ أي: أخبروه به (قَالَ) ولابن عساكر: تلطفًا بهم وتأنيسًا لقلوبهم لما عرض لهم من الوحشة والأسف على خروج الصلاة عن وقتها (لاَ ضَيْرَ) أي: لا ضرر وخبرها محذوف؛ أي: عليكم إذ لم تتعمدوا إخراجها عن وقتها (أَوْ لاَ يَضِيرُ) مضارع ضار، يقال: ضاره ويضيره ويضوره لغتان، والشك من عوف كما صرح به البيهقي.

ولأبي نعيم في (( المستخرج ) ): لا يسوء ولا يضير.

(ارْتَحِلُوا) بكسر الحاء بصيغة الأمر للجماعة، الحاضرين من الصحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: بهم؛ لأنهم تبع له فيرتحلون بارتحاله، ولأبي ذر وابن عساكر: بلفظ الماضي المسند لجماعة الذكور؛ أي: عقب أمره إياهم بالارتحال ارتحلوا، وكان سبب الارتحال ما جاء في رواية سلمة بن أبي حازم عن أبي هريرة: (( فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان ) ).

وقيل: كان ذلك لأجل الغفلة لما في أبي داود من حديث ابن مسعود: (( تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ) ).

وقال في (( الفتح ) ): قال القرطبي: أخذ بهذا بعض العلماء فقال: من انتبه عن نوم عن صلاة فاتته في سفر فليتحول عن موضعه، وإن كان واديًا فليخرج عنه، وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه.

وقيل: هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يعلم من حال ذلك الوادي ولا غيره ذلك إلا هو.

وقال غيره: يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة استحب له التحول منه، ومنه: أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانه إلى مكان آخر انتهى.

(فَسَارَ) صلى الله عليه وسلم ومن معه.

(غَيْرَ بَعِيدٍ) صفة مصدر محذوف؛ أي: سيرًا غير بعيد أو حال؛ أي: حال كون السير غير بعيد، وفيه دلالة على أن هذا السير كان على خلاف سيرهم المعتاد (ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالْوَضُوءِ) بفتح الواو.

(فَتَوَضَّأَ) أي: وتوضأ أصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ) أي: أعلم لها بالأذان كما للمؤلف في (( المواقيت ) )، ولمسلم هنا: (( والمؤذن بلال ) )، وفيه دليل على شرعية الأذان للفوائت (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) أي: فرض الصبح جماعة بعد أن صلوا سنتها كما في مسلم ولفظه من حديث أبي قتادة: (( فنزلوا وتوضؤا وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر ثم صلاة الفجر ) ).

وفيه: مشروعية الجماعة في الفوائت وقضاء سنة الفجر إذا فاتت مع فرضها وقضيت معه قبل الزوال عند أبي حنيفة.

وعند الشافعي: تقضى السنة مطلقًا ولم يدم صلى الله عليه وسلم على هاتين الركعتين كما دام على صلاة ركعتين بعد العصر لما صلاهما قضاء عن سنة الظهر البعدية حين شغل عنهما بتلقي الوفود، ولينظر الحكمة في ذلك مع أن الوقت الذي قضى فيه سنة الظهر وقت كراهة؛ بخلاف الذي قضى فيه سنة الفجر.

(فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي: انصرف (مِنْ صَلاَتِهِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) جواب (( لما ) ).

قال في (( الفتح ) ): لم أقف على تسميته.

ووقع في (( شرح العمدة ) )للشيخ سراج الدين بن الملقن ما نصه هذا الرجل هو خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري أخو رفاعة شهد بدرًا.

قال ابن الكلبي: وقتل يومئذ، وقال غيره: له رواية، وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: أما على قول ابن الكلبي: فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصة لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف، فكيف يحضر هذه القصة بعد قتله؟

وأما على قول غير ابن الكلبي: فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة أو متصلة، لكن نقلها عنه صحابي آخر ونحوه، وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين من قال: أنه قتل ببدر

ج 2 ص 88

إلا أن تجيء رواية عن تابعي غير مخضرم صرح فيها بسماعه منه، فحينئذ يلزم أن يكون عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصة إلا إن وردت رواية مخصوصة بذلك، ولم أقف عليها إلى الآن انتهى.

(مُعْتَزِلٍ) أي: منفرد عن الناس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ) إنما نفى صلاته مع القوم مع أنه لا يلزم من نفي صلاته مع القوم نفيها مطلقًا لجواز صلاته منفردًا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما كان يتخلف أحد منهم عن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أحرص الناس عليها إلا لعذر.

(قَالَ) أي: من صلاتك معهم (قَالَ) يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ) أي: احتلام (وَلاَ مَاءَ) .

قال في (( الفتح ) ): بفتح الهمزة؛ أي: معي أو موجود، وهو أبلغ في إقامة عذره انتهى.

وتعقبه العيني فقال: تفسيره تفسير من لم يمس شيئًا من علم العربية؛ لأن كلمة: (( لا ) )على قوله لنفي جنس الماء فلأي شيء يقدر خبرها بقول نفي وعدم الماء عنده لا يستلزم عدمه عند غيره فحينئذ لا يستقيم نفي جنس الماء انتهى.

وأقول: قوله: (( فحينئذ لا يستقيم ) )... إلخ في حيز المنع؛ لأنه يقتضي عدم صحة قولنا لا رجل في الدار ولا رجل عندي مع أن أحدًا لا يقول بذلك قال تعالى حكاية: {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} [يوسف:60] {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} [يوسف:92] ، نعم نفي جنس الماء عن كونه معه لا يلزم منه نفي الماء مطلقًا، لكن ليس مبنيًا على ما ذكره بل على أن نفي المقيد لا يلزم منه نفي المطلق.

وقد اعترف به صاحب (( الفتح ) )بقوله أو موجود وهو أبلغ.

وقد نقل في (( الانتقاض ) )تعقب العيني ولم يجب عنه فكأنه بيض له ولم يعد إليه، ثم قال العيني: ويجوز أن تكون (( لا ) )هنا بمعنى ليس فيرتفع الماء حينئذ ويكون المعنى: ليس ماء عندي انتهى.

وأقول: هذا عين ما اعترض به على صاحب (( الفتح ) )لأنهما وإن كانت عاملة عمل (( ليس ) )فهي هنا لنفي الجنس أيضًا إذ لا معنى هنا لنفي الوحدة، وهذه قد تكون لنفي الجنس كما في قوله:

~ تعز فلا شيء على الأرض باقيًا

فما أسرع ما نقض ما بنى.

وفي (( القسطلاني ) )قال ابن دقيق العيد: حذف الخبر في قوله: (( ولا ماء ) )؛ أي: موجود أو عندي وفي حذف الخبر سبط لعذره لما فيه عموم النفي كأنه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسبب أو سعي أو غير ذلك لحصله، فإذا نفى وجوده مطلقًا كان أبلغ في النفي وأعذر له انتهى.

وهو معنى كلام صاحب (( الفتح ) )فليتأمل.

(قَالَ) عليه السلام (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) (( عليك ) )اسم فعل بمعنى: الزم إن عدى بنفسه، وبمعنى فعل مناسب كاستمسك إن عدي بالباء، وقيل: بمعنى الزم مطلقًا والباء زائدة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (( فعليك بذات الدين ) ).

قال الدماميني في (( شرح التسهيل ) ): وصرح الرضي بأن الباء في مثله زائدة قال: والباء تزاد كثيرًا في مفعول أسماء الأفعال لضعفها في العمل انتهى.

واللام في (( الصعيد ) )للعهد الخارجي المذكور في الآية الكريمة: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] ، وفي رواية سلم بن زرير عند مسلم: (( فأمره أن يتيمم بالصعيد ) ).

(فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لاستباحة الصلاة مطلقًا فرضًا أو نفلًا.

قال الكرماني: وهذا يحتمل أن يراد يكفيك لكل صلاة ما لم تحدث أو لصلاة واحدة والظاهر هو الثاني انتهى.

أقول: بل الظاهر هو الأول؛ لأن الأصل حمل المطلق على إطلاقه والعام على عمومه ما لم يكن هناك مقيد أو مخصص وكفايته لأكثر من فرض هو الموافق لغرض البخاري.

قال في (( الفتح ) ): في هذه القصة جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلومًا عندهم لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر بناءً على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع.

وأما الحدث الأكبر: فليست صريحة فيه فكأنه يعتقد أن الجنب لا يتيمم فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الحكم، ويحتمل أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم فكان حكمه حكم فاقد الطهورين.

ويؤخذ من هذه القصة: أن للعالم إذا رأى فعلًا محتملًا أن يسأل فاعله عن الحال فيه ليوضح له وجه الصواب.

وفيه: التحريض على الصلاة بالجماعة وإن ترك الشخص الصلاة بحضرة المصلين معيب على فاعله بغير عذر، وفيه: حسن الملاطفة والرفق في الإنكار انتهى.

زاد العيني: وفيه سلوك الأدب مع الأكابر كما فعل عمر في إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: إظهار التأسف لفوات أمر من أمور الدين، وفيه: أنه لا حرج على من تفوته صلاة بغير تقصير منه لقوله عليه السلام: (( لا ضير ) ).

وفيه: جواز التيمم على الجنابة، وفيه: أن قضاء الفوائت واجب ولا يسقط

ج 2 ص 89

بالتأخير ويأثم بتأخيرها بغير عذر.

وفيه: أن من حلت به فتنة في بلد فليخرج منه وليهرب بدينه من الفتنة كما فعل الشارع بارتحاله من بطن الوادي.

وفيه: استحباب الأذان للفائتة، وفيه: مشروعية الجماعة في الفائتة، وفيه: جواز التعريس للمسافر.

(ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بعد أن صلى وأكمل بقية يومه نازلًا.

ففي (( التوضيح ) )لابن الملقن: أن البيهقي روى في دلائله من حديث عقبة بن عامر قال: (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاسترقد لما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قدر رمح فقال: ألم أقل لك يا بلال ) )الحديث.

وفي آخره: (( فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك ) )، ففي هذه الرواية: أن ذلك وقع بتبوك قبل أن يصل إليها، وفي رواية أبي هريرة: (( حين قفل ) ).

وقال النووي: هذه الأحاديث جرت في سفرتين أو أسفار لا في سفرة واحدة وظاهر ألفاظها يقتضي ذلك انتهى.

أقول: ويؤيد ذلك أنه ذكر في هذه السفرة أنه لم يستيقظ حتى كانت الشمس قدر رمح، والمذكور هنا في البخاري فما أيقظنا إلا حر الشمس، والشمس إذا كانت قدر رمح لا حر لها يوقظ النائم فهي غيرها، ومما يدل لذلك وجود المرأة والمزادتين في حديث البخاري، فهذا يشعر بأن هذه السفرة كانت قريبًا من المدينة ومن المستبعد جدًا وجود امرأة وحدها ومعها مزادتان من ماء قبل تبوك بمرحلة.

(فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ) صلى الله عليه وسلم (مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ) وفي بعض النسخ: (( فاشتكوا إليه الناس ) )على اللغة الضعيفة (مِنَ الْعَطَشِ) بعين وطاء مهملتين مفتوحتين آخره شين معجمة؛ أي: الظمأ.

(فَنَزَلَ) صلى الله عليه وسلم (فَدَعَا فُلاَنًا) هو عمران بن حصين راوي القصة كما دل عليه رواية سلم بن زرير عند مسلم (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطاردي.

(نَسِيَهُ) ولابن عساكر: بالواو (عَوْفٌ) الأعرابي (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالب (فَقَالَ) عليه السلام لهما (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) بالمثناة الفوقية بعد الموحدة من الابتغاء، وللأصيلي: (( فابغيا ) )من الثلاثي المجرد والهمزة في كلا الفعلين همزة وصل (الْمَاءَ) أي: اطلباه.

قال العيني: فإن قلت في رواية ابن رزين: (( ثم عجلني النبي صلى الله عليه وسلم في ركب ) )فهذا يدل على الجماعة، قلت: يحتمل أن يكون معهما غيرهما ولكنهما خصا بالخطاب؛ لأنهما تعينا مقصودين بالإرسال.

(فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا) فعل ماضي من التفعل، قال العيني: ويروى: (( فلقيا ) )من الثلاثي المجرد.

(امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) أي: راكبة بينهما، والمزادة: بفتح الميم والزاي بعد ألف منقلبة عن ياء وأصلها: مزيدة فقلبت ياءها ألفًا، وهي الراوية وتجمع على مزاود ومزايد، وسميت مزادة؛ لأنها يزاد فيها جلد آخر من غيرها ولهذا قيل: إنها أكبر من القربة، وتسمى أيضًا السَّطِيحة بفتح السين وكسر الطاء.

قال ابن سيده: السطيحة المزادة التي بين الأريمين قوبل أحدهما بالآخر.

وفي (( الجامع ) ): هي إداوة تتخذ من جلد وهي أكبر من القربة كذا في العيني.

(أَوْ سَطِيحَتَيْنِ) قال في (( الفتح ) ): و (( أو ) )هنا شك من عوف لخلو رواية مسلم عن أبي رجاء عنها، وفي رواية مسلم: (( فإذا نحن بامرأة سادلة ) )؛ أي: مدلية رجليها بين مزادتين.

وقال العيني: شك من الراوي، وقال بعضهم: شك من عوف قلت: تعيين عوف من أين.

(مِنْ مَاءٍ) بالمد صفة لـ: (( مزادتين أو سطيحتين ) )، وسقط عند ابن عساكر: (عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) صفة بعد صفة لـ: (( امرأة ) )أو حالًا منها لوجود المسوغ وهو الوصف (فَقَالاَ لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ) .

قال في (( الفتح ) ): (( أمس ) )خبر المبتدأ وهو مبني على الكسر و (( هذه الساعة ) )بالنصب على الظرفية.

وقال ابن مالك: أصله: في مثل هذه الساعة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ أي: بعد حذف (( في ) )انتهى.

وإنما جاز وقوع اسم الزمان هنا خبرًا؛ لأن المبتدأ مصدر واسم الزمان يقع خبرًا عنه.

وجوز الدماميني أن يكون (( بالماء ) )خبرًا و (( أمس ) )ظرف لعامل الخبر المقدر؛ أي: عهدي متلبس (( بالماء ) )في (( أمس ) )، ولا يجوز تعلق (( أمس ) )بـ: (( عهدي ) )؛ لأن (( بالماء ) )خبره فلو علق به مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكماله انتهى.

و (( أمس ) )مبني على الكسر عند الحجازيين وأكثر بني تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف للعلمية والعدل عن الأمس رفعًا ويبنونه على الكسر نصبًا وجرًا والأقل منهم يعربونه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا، و (( هذه الساعة ) ): قال الكرماني والعيني: منصوب بالظرفية.

وقال القسطلاني: بدل من (( أمس ) )بدل بعض من كل انتهى.

أقول: وفيه نظر؛ لأن بدل البعض من الكل لا بد فيه من رابط مذكور أو مقدر كقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ} [آل عمران:97] ؛ أي: منهم وهاهنا لا يصح تقدير منه؛ لأن (( هذه الساعة ) )ليست من الأمس اللهم إلا أن يرتكب ما قاله ابن مالك أن أصله في مثل هذه الساعة فليتأمل.

(وَنَفَرُنَا) أي: رهطنا أو رجالنا أو ناسنا.

ج 2 ص 90

قال في (( المحكم ) ): النفر والنفور والنفير ما دون العشرة من الرجال والجمع أنفار.

وفي (( القاموس ) ): النفر الناس كلهم وما دون العشرة من الرجال كالنفير.

وقال الفراء: نفر الرجل رهطه، وهذا أقرب معاني النفر؛ هنا لأن مرادها أن قومها تخلفوا عنها لاستقاء الماء.

(خُلُوف) بضم الخاء المعجمة واللام جمع الخالف؛ أي: المستقي قومًا كشاهد وشهود، ويقال: حي خلوف؛ أي: غيب.

قال في (( الفتح ) ): ولعله المراد هنا؛ أي: أن رجالها غابوا عن الحي ويكون قولها: (( ونفرنا خلوف ) )جملة مستقلة زائدة على جواب السؤال.

وفي رواية الحموي والمستملي: بالنصب على الحال السادة مسد الخبر انتهى.

وتعقبه العيني فقال: ما الخبر هنا حتى يسد الحال مسده، والأوجه ما قاله الكرماني: أنه منصوب بـ: (( كان ) )مقدرة انتهى.

ولصاحب (( الفتح ) ): أن يجيب بأن الخبر هنا كالخبر في قوله تعالى: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف:8] بالنصب على القراءة الشاذة، وكما في قولهم: حكمك مسمطًا، فإنه مقدر في الأول ب: نرى، وفي الثاني: ب: لك فحذف كل من الخبرين وسدت الحال مسده.

وقدره هنا في (( المصابيح ) )بمتروكون؛ أي: متروكون خلوفًا، نعم هو تخريج على الشاذ؛ لأن شرط الحال التي تسد مسد الخبر أن لا تكون صالحة لأن تكون خبرًا نحو ضربي العبد مسيئًا؛ بخلاف ضربي العبد شديد فإن الرفع على الخبرية متعين فيه، لكن ربما يقال أنه أقل تكلفًا مما ذكره الكرماني؛ لأنهما وإن تساويا في الشذوذ.

إلا أن ما اختاره صاحب (( الفتح ) )وجد له نظائر من القرآن وكلام العرب.

(قَالاَ) أي: علي وعمران بن حصين (لَهَا) أي: للمرأة المذكورة، ولا يتوقف نسبة القول إليهما على أن يكون صدر القول من كل منهما لها، بل لو قال أحدهما بحضرة الآخر وسكوته لصح نسبته إليهما.

(انْطَلِقِي إِذًا) أي: حين إذ لم تدلينا على ماء (قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟) أي: إلى أي مكان أنطلق (قَالاَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: إلى مكانه وحضرته (قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟) بدون همز اسم فاعل من صبا، إذا مال ويروى: بالهمز من صبأ مهموزًا إذا خرج من دين إلى آخر.

(قَالاَ: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي: تقصدين، وفيه حسن أدب وتخلص ولو قالا لها: لا، فات المقصود أو نعم، لم يحسن فهما ذلك إذ فيه تقرير قولها، فتخلصا أحسن تخلص (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) أي: علي وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذر والوقت: (صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها.

(قَالَ) أي: عمران بن الحصين (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) من الاستنزال وهو طلب النزول.

قال العيني: وإنما ذكر فيه بلفظ الجمع؛ لأنه كان مع عمران وعلي من تبعهما ممن يعينهما ويخدمهما.

وتبعه القسطلاني ولا حاجة إلى ذلك بل لا يصح؛ لأن استنزالها كان بعد وصولها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالمستنزلون لها هم لا عمران وعلي ومن معهما، إذ لو كان كذلك لقال عمران فاستنزلناها فعمران راوي الحديث حكى استنزالها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ولذلك أفرد ضمير عمران في قوله: قال: فاستنزلوها لعدم مشاركة علي له في ذلك.

قال في (( الفتح ) ): قال بعض الشراح المتقدمين: إنما أخذوها واستجازوا أخذ ما بها؛ لأنها كانت كافرة حربية، وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض، وإلا فنفس الشارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب انتهى.

وأقول: إنما يحتاج إلى ما ذكره لو نقص ماؤها والواقع أنه لم ينقص كما سيجيء فليتأمل.

(وَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) قال العيني: فيه حذف تقديره: (( فأتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم وأحضروها بين يديه ودعا النبي صلى الله عليه وسلم ) )انتهى.

وأقول: لا حاجة إلى ذلك أيضًا؛ لأن العطف على (( استنزلوها ) )صحيح إذ هو من فعل النبي وللصحابة، وإنما احتاج العيني إلى هذا التكلف فجعله الضمير المرفوع في استنزلوها لعمران وعلي ومن معهما، وقد تبين عدم صحته.

(بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ) بتشديد الراء وللكشميهني: من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) .

قال في (( الفتح ) ): زاد الطبراني والبيهقي من هذا الوجه: (( فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين ) )، وبهذه الزيادة تتضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها وإطلاق الأفواه هنا كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] إذ ليس لكل مزادة إلا فم واحد وعرف منها أن البركة إنما حصلت

ج 2 ص 91

بمشاركة ريقه الطاهر المبارك للماء انتهى.

(وَأَوْكَأَ) بهمز في أوله وآخره؛ أي: ربط وشد (أَفْوَاهَهُمَا) بالوكاء الذي يشد به فم القربة كذا رأيته مضبوطًا في بعض الشروح، ورأيت في هامش القسطلاني: (( وأوكأ ) )كذا هو في عدة أصول من (( البخاري ) )مرسوم بالألف ومضبوط بهمزة في آخره في نسخة صحيحة من فروع اليونينية، وهو مشكل فإنه معتل اللام لا مهموز يقال: أوكيت السقاء ولا يقال: أوكأته كما يعلم بمراجعة كتب اللغة.

وقد راجعت (( الصحاح ) (( القاموس ) )وغيرهما في باب الهمزة فلم أجد هذه المادة بهذا المعنى، وإنما ذكروها في باب الواو والياء.

ونص في (( القاموس ) )على أن لامها ياء، وفي (( الصحاح ) )الوكاء ما يشد به القربة والكيس ونحوه انتهى.

(وَأَطْلَقَ) أي: فتح (الْعَزَالِيَ) بفتح العين المهملة وتخفيف الزاي وكسر اللام وفتحها، وهي جمع عَزلاء بفتح العين وبالمد وهي فم المزادة الأسفل.

وفي (( الصحاح ) )العذالِي بكسر اللام وإن شئت فتحت مثل الصحاري، والصحارى والعزلاء فم المزادة الأسفل.

وفي (( القاموس ) )العزلاء الأست ومصب الماء من الراوية ونحوها، وهو بظاهره يخالف ما في (( الصحاح ) )وفي سبعة أبحر العزائل والعزالي: المطر الشديد وأصله جمع عزلاء فم القربة وهو موافق لما في (( القاموس ) ).

وفي (( الفتح ) ): قال الخليل: هي مصب الماء من الراوية ولكل مزادة عزلاوان من أسفلها انتهى.

وهو مؤيد لما في (( الصحاح ) ).

(وَنُودِيَ) بالبناء للمفعول (فِي النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا) .

قال العيني: كل منهما أمر فالأول من السقي، والثاني: من الاستقاء انتهى.

(فَسَقَى) من سقى بالبناء للفاعل فيهما، ولابن عساكر: (( فسقى من شاء ) ) (وَاسْتَقَى) بمثناة فوقية بعد السين من باب الافتعال (مَنْ شَاءَ) .

قال الكرماني: الفرق بين السقي والاستقاء: أن السقي لغيره والاستقاء لنفسه، فسقى؛ أي: ماشيته واستقى؛ أي: لخاصة نفسه، ويقال أيضًا: سقيته لنفسه وأسقيته لما شئت انتهى.

(وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ) بنصب (( آخر ) )خبرًا مقدمًا واسمها هو المصدر المنسبك من قوله: (إِنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) .

وقال العيني: يجوز في (( آخر ) )النصب والرفع، أما النصب: فلأنه خبر كان مقدمًا على اسمها وهو: (( إن أعطى ) )؛ لأن (( إن ) )مصدرية تقديره، وكان إعطاؤه للرجل الذي أصابته الجنابة آخر ذلك، ويروى: (( ذاك ) ).

وأما الرفع: فظاهر؛ لأنه يكون اسم كان، و (( إن أعطى ) )خبره والأمران جائزان.

وقال أبو البقاء: والأول أولى قلت: وجه الأولوية لكون آخر مضافًا إلى المعرفة فهو أولى بالاسمية وعندي كلاهما سواء؛ لأن كلًا معرفة انتهى.

وأقول: قد حمل الأول في كلام أبي البقاء على ما لا يحتمله فوجهه: بأن (( آخر ) )مضاف إلى المعرفة، والظاهر أن مراده بالأول التوجيه لمثل هذا التركيب الواقع في كلامه أولًا، وهو كون المصدر المنسبك اسمًا والمعرفة التي قبله خبرًا كقوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا} [النمل:56] {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا} [الجاثية:25] ونحوهما.

ووجهه أن المصدر المنسبك من الحرف المصدري والفعل مضاف إلى الضمير والمضاف إلى الضمير في رتبة العلم فهو أحق بكونه اسمًا مما دونه، ثم رأيت عبارة القسطلاني صريحة في ذلك فقال: بعد أن قدم ذكر النصب في (( آخر ) )لكونه خبر كان مقدمًا، ويجوز رفع (( آخر ) )على أن (( إن أعطى ) )الخبر.

قال أبو البقاء: والأول أقوى؛ لأن (( أن ) )والفعل أعرف من أفعل المفرد وقد قرئ: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا} بالوجهين انتهى.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم للذي أصابته الجنابة (اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ) بقطع الهمزة في (( فأفرغه ) )؛ أي: اغسل به جميع جسدك، وفيه دليل لما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم وجوب النية في الغسل، ومثله الوضوء ولمن يقول بوجوبها أن يقول: إنها تركت لعلم المخاطب لها.

(وَهْيَ) أي: المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) جملتان حاليتان ثانيتهما داخلة في الأولى (وَايْمُ اللَّهِ) بهمزة وصل مكسورة وقد تفتح مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا تقديره: فسمى ويجوز العكس؛ بخلاف نحو لعمرك فإنه يتعين فيه الابتدائية لمكان لام الابتداء ولم تفتح همزة الوصل إلا فيه وفي لام التعريف.

وقال الكوفيون: أنه جمع يميز فهمزته همزة قطع وفيه لغات جمع منها النووي في (( تهذيبه ) )سبع عشرة لغة، وأوصلها في (( القاموس ) )إلى اثنين وعشرين.

(لَقَدْ أُقْلِعَ) بالبناء للمفعول؛ أي: كف (عَنْهَا) الظاهر أن الضمير في (( عنها ) )راجع إلى

ج 2 ص 92

المرأة؛ لأنها أقرب مذكور لكن لا يلائمه قوله: (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة والضمير للشأن (لَيُخَيَّلُ) بالبناء للمفعول.

(إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً) بكسر الميم وفتحها وسكون اللام فهمزة فهاء تأنيث؛ أي: امتلأ إذ ليس ذلك مما يصح نسبته للمرأة فيحتاج إلى تقدير مضاف؛ أي: أن مزاديتها أشد ملاءة، ويحتمل أن الضمير في (( أقلع عنها ) )راجع إلى المزادة المفهومة من المزادتين أو إليهما لتأويلهما بالقربة.

ويؤيده قوله: (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ) صلى الله عليه وسلم (فِيهَا) أي: في الأخذ منها، والمعنى: أنهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كان أولًا وهذا من أعظم آياته وباهر معجزاته وأوضح دلائل نبوته حيث توضؤوا وشربوا، واغتسل الجنب وسقوا دوابهم، بل في رواية سلم بن زرير أنهم ملأوا كل قربة كانت معهم بما سقط من العزالي وبقيت المزادتان مملوءتين بل ظن الصحابة أن ماءهما أكثر مما كان أولًا.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) لأصحابه (اجْمَعُوا لَهَا) أي: شيئًا من الطعام الذي معكم ولعله فعل ذلك تأليفًا لها ولقومها إلى الإسلام ولحبسها برهة من الزمان على المسير إلى قومها ولما عسى أن يكون ثالثها من الروع وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من مائها شيئًا.

(فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) بكسر الميم، وفي رواية: (( ما بين ) ) (عَجْوَةٍ) بفتح العين من أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) مكبرين لغير كريمة، ولها مصغرين مثقلين كما في (( المنحة ) ) (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) التنوين فيه للتكثير ويدل له رواية أحمد: طعامًا كثيرًا.

قال في (( الفتح ) ): وفيه إطلاق الطعام على غير الحنطة والذرة؛ خلافًا لمن أبى ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: (( حتى جمعوا لها طعامًا ) )؛ أي: غير ما ذكر من العجوة وغيرها انتهى.

وقال العيني: الطعام في اللغة: ما يؤكل قاله الجوهري، قال: وربما خص الطعام بالبر.

وفي حديث أبي سعيد: (( كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير ) ).

وقال بعضهم: فيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحنطة والذرة؛ خلافًا لمن أبى ذلك قلت: هذا القول منه يخالف قول أهل اللغة والمراد هنا: من الطعام غير ما ذكر من العجوة وهو أعم من أن يكون حنطة أو شعيرًا أو كعكًا أو نحو ذلك انتهى. وقد ذكره في (( الانتقاض ) )ولم يجب عنه.

(فَجَعَلُوه) أي: الطعام الذي جمعوه، ولأبي ذر: أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ) بفتح المثلثة وسكون الواو وبالموحدة (وَحَمَلُوهَا) أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا) .

وقال العيني: أي: المزادة وهو بعيد؛ لأن البعير يضاف إليها لا إلى المزادة، وأيضًا فهما مزادتان ولعله من تغييرات النساخ.

(وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) الموضوع فيه الطعام (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: أمامها ويلزم تفكيك الضمير لأن قوله بين يديها يرجع إلى المرأة قطعًا على البعير (قَالَ لَهَا) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللأصيلي: أي: الصحابة بأمره صلى الله عليه وسلم (تَعْلَمِينَ) .

قال في (( الفتح ) ): بفتح أوله وثانيه وتشديد اللام؛ أي: اعلمي انتهى.

وتعقبه العيني فقال: لا حاجة إلى هذا التعسف وإنما هو مفرد مخاطب مؤنث من باب علم يعلم انتهى. ولم يتعرض له في (( الانتقاض ) ).

وأقول: لعل الداعي لصاحب (( الفتح ) )إلى هذا الضبط أنه رواه كذلك لكن يعكر عليه أن تعلم بمعنى اعلم ملازم لصيغة الأمر كقوله: تعلم شفاء النفس، فهو غدوها ولو تعقبه العيني بذلك لكان أولى.

(مَا رَزِئْنَا) بفتح الراء وكسر الزاي وقد تفتح بعدها همزة ساكنة؛ أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) .

قال في (( الفتح ) ): وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده وأنه لم يختلط فيه شيء من ماءها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلطا وهذا أبدع وأغرب في المعجزة وهو ظاهر.

قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا انتهى.

ولابن عساكر: ، وفي القصة دليل على جواز استعمال أواني المشركين ما لم تتيقن فيها النجاسة.

(فَأَتَتْ) المرأة (أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) ولأبوي ذر والوقت: بالفاء (مَا حَبَسَكِ) وللأصيلي: (يَا فُلاَنَةُ؟) أي: ما عاقك عن المجيء في الوقت المعتاد.

(قَالَتِ: الْعَجَبُ) أي: حبسني العجب فهو من حذف الفعل، ويجوز أن يكون المحذوف الخبر؛ أي: العجب حبسني ويجوز أن يقدر الخبر لفظ ما حكته لكم.

ولعله أنسب بالمقام وإن لم أره؛ لأن العجب لم يحبسها في الحقيقة بل الحابس لها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى أن اكتفوا من الماء فتأمل.

والعجب: قال العيني: هو الأمر الذي يتعجب منه

ج 2 ص 93

لغرابته، وكذلك العجيب والعُجَابُ بالضم والتخفيف والعجَّاب بالتشديد أكثر منه وكذلك الأعجوبة ولا يجمع عجب ولا عجيب، ويقال: جمع عجيب عجائب مثل تبيع وتبائع، وأعاجيب: جمع أعجوبة كأحاديث جمع أحدوثة.

(لَقِيَنِي رَجُلاَنِ) ولأبي ذر: (( إلى هذا الرجل الذي ) ) (يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ، إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) أي: السماء والأرض.

قال العيني: قيل: كأن المناسب أن تقول في (( بين ) )بلفظ: في.

وأجيب: بأن (( من ) )بيانية مع جواز استعمال حروف الجر بعضها موضع بعض.

(وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا) بالتثنية (الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) أي: أشارت فهو من إ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت