فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 1465

77 -وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو البيكندي كما جزم به البيهقي وغيره، وقيل: هو الفريابي ورد بأنه لا رواية له عن أبي مسهر الآتي، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهلة وكسر الهاء وبالراء واسمه عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي.

قيل: ما رأى أحد في كورة من الكور أعظم قدرًا، ولا أجل من أبي مسهر بدمشق كان إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه ويقبلون يده، مات ببغداد سنة ثمان عشرة ومائتين مسجونًا في أيام المحنة وجرد للقتل على أن يقول بخلق القرآن فمد رأسه للسيف ولم يقل به فلما رأوا منه ذلك رد إلى السجن وقد لقيه البخاري وسمع منه وحدث عنه هنا بواسطة.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر وأبي الوقت: (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين وفي آخره باء موحدة الخولاني الحمصي أبو عبد الله سمع الأوزاعي وغيره وتقضى بدمشق، وهو ثقة، مات سنة أربع وتسعين بتقديم التاء المثناة فوق كما في الكرماني.

وفي العيني والقسطلاني: وسبعين بتقديم السين.

قال في (( الفتح ) ): وذكر ابن المرابط فيما نقله ابن رشيد عنه أن أبا مسهر تفرد برواية هذا الحديث عن محمد بن حرب.

وليس كما قال؛ فإن النسائي رواه في (( السنن الكبرى ) ): عن محمد بن المصفى عن محمد بن حرب، وأخرجه البيهقي في (( المدخل ) )من رواية ابن جَوصَا بفتح الجيم والصاد المهملة، عن سلمة بن الخليل وأبي التَّقِي بفتح المثناة وكسر القاف كلاهما: عن محمد بن حرب. انتهى.

فقد رواه ثلاثة غير أبي مسهر عن محمد بن حرب فاندفع دعوى تفرد أبي مسهر به عن محمد بن حرب.

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة نسبة إلى زبيد مصغرًا أبو قبيلة وهو أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الشامي الحمصي قاضيها الثقة الكبير المفتي، روى عن مكحول والزهري وغيرهما وهو أثبت أصحاب الزهري مات بالشام سنة سبع، وقيل: ثمان وأربعين وهو شاب.

والصحيح: ما قاله ابن سعد: أنه مات وله سبعون سنة.

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) مكبرًا الخزرجي المدني يكنى أبا نعيم نزل بيت المقدس ومات بها سنة تسع وتسعين، وقيل: ست وتسعين عن ثلاث وتسعين سنة (قَالَ: عَقَلْتُ) بفتح القاف من باب ضرب يضرب؛ أي: حفظت وفهمت من النبي صلى الله عليه وسلم.

(مَجَّةً) بفتح الميم والجيم المشددة المرة من مج الشراب من فيه إذا رمى به قال أهل اللغة المج إرسال الماء من الفم مع نفخ، وقيل: لا يكون مجًا حتى يباعد به

ج 1 ص 457

(مَجَّهَا) أي: رمى بها من فيه العطر الشريف والضمير عائد إلى (( مجة ) )فهو مفعول مطلق.

قال الكرماني: أو مفعول به وفيه نظر وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم مع محمود إما مداعبة معه أو ليبارك عليه بها كما كان ذلك من شأنه مع أولاد الصحابة رضي الله عنهم (فِي وَجْهِي) حال من ضمير (( مجها ) ) (وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ) جملة وقعت حالًا من فاعل (( عقلت ) )أو من الياء في (( وجهي ) )على حد قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} [الحجر:47] .

(مِنْ دَلْوٍ) أي: ماء دلو انتزح من بئر في دارهم، زاد النسائي: (( معلق ) )، ولابن حبان: (( معلقة ) )والدلو: يذكر ويؤنث.

وللمصنف في (( الرقاق ) ): من دلو كانت في دراهم وله في (( الطهارة ) (( الصلاة ) ): من بئر بدل دلو، ويجمع بينها بأن الماء أخذ من البئر بالدلو وتناوله النبي صلى الله عليه وسلم من الدلو، كذا في (( الفتح ) ).

وفيه أيضًا لم أر التقييد بالسن عند تحمله في شيء من طرقه لا في (( الصحيحين ) )ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد إلا في طريق الزبيدي هذه، والزبيدي من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري؛ حتى قال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري.

وقال أبو داود: ليس في حديثه خطأ وقد تابعه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري، لكن لفظه عند الطبراني والخطيب في (( الكفاية ) )من طريق عبد الرحمن بن نمر، وهو بفتح النون وكسر الميم عن الزهري: (( قال حدثني محمود بن الربيع وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس سنين ) ).

فأفادت هذه الرواية أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ابن حبان وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية.

وذكر القاضي عياض في (( الإلماع ) )وغيره: أن في بعض الروايات أنه ابن أربع، ولم أقف على هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام إلا إن كان ذلك مأخوذًا من قول صاحب (( الاستيعاب ) ): أنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس، وكان الحامل له على هذا التردد قول الواقدي: أنه كان ابن ثلاث وتسعين لما مات، والأول أولى بالاعتماد؛ لصحة إسناده على أن قول الواقدي: يمكن حمله إن صح على أنه ألغى الكسر وجبره غيره. انتهى.

وقد تعقب المهلب بن أبي صفرة البخاري؛ لكونه لم يذكر هنا حديث ابن الزبير في رؤيته والده يوم بني قريظة ومراجعته له في ذلك ففيه السماع منه وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين، أو أربع، فهو أصغر من محمود وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء، فكان ذكر حديث ابن الزبير أولى لهذين المعنيين.

قال في (( الفتح ) ): وأجاب ابن المنير: بأن البخاري إنما أراد نقل السنن النبوية لا الأحوال الوجودية ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي صلى الله عليه وسلم مج مجة في وجهه، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية يثبت بها كونه صحابيًا، وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية حتى تدخل في هذا الباب ثم أنشد وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. انتهى.

وهو جواب مسدد وتكميله ما قدمناه قبل أن المقصود بلفظ السماع في الترجمة هو أو ما ينزل منزلته من نقل الفعل أو التقرير.

وغفل البدر الزركشي فقال: يحتاج المهلب إلى ثبوت أن قضية ابن الزبير صحيحة على شرط البخاري. انتهى.

والبخاري قد أخرج قصة ابن الزبير المذكورة في مناقب الزبير في الصحيح، فالإيراد موجه وقد حصل جوابه، والعجب من متكلم على كتاب يغفل عما وقع فيه من المواضع الواضحة ويعترض بما يومئ إلى نفي ورودها فيه. انتهى.

وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز مج الماء المخلوط بالريق على الوجه، فغيره أولى إذا كان لمصلحة كالتبريك والمداعبة، وفيه: طهارة الريق ونحوه.

واختلف في فضلاته صلى الله عليه وسلم الخارجة من السبيلين ورجح كثير طهارتها كدمه، وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم وإحضار الصبيان مجالس الحديث، وفيه ثبوت الصحبة بذلك.

قال في (( الفتح ) ): واستدل به بعضهم على تسميع من يكون ابن خمس سنين، ومن كان دونها يكتب له حضر، وليس في الحديث،

ج 1 ص 458

ولا في تبويب البخاري ما يدل عليه، بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم، فمن فهم الخطاب يسمع وإن كان دون ابن خمس وإلا فلا.

وقال ابن رشيد: الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك، لا أن بلوغها شرط لا بد من تحققه، والله تعالى أعلم.

وقريب منه ضبط الفقهاء سن التمييز بست أو سبع والمرجح أنها مظنة لا تحديد ومن أقوم ما يتمسك به في أن المرد في ذلك إلى الفهم.

فيختلف باختلاف الأشخاص ما أورده الخطيب من طريق أبي عاصم قال: (( ذهبت بابني وهو ابن ثلاث سنين إلى ابن جريج فحدثه قال أبو عاصم: ولا بأس بتعليم الصبي الحديث والقرآن وهو في هذا السن ) )، يعني إذا كان فهمًا.

وقصة أبي بكر بن المقرئ الحافظ في تسميعه لابن أربع بعد أن امتحنه بحفظ سور من القرآن مشهورة. انتهى.

وفيه من لطائف الإسناد التحديث بصيغتي الجمع والإفراد والعنعنة، وأن رواته إلى الزهري شاميون وهو من أفراد البخاري عن مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت