فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1465

76 -وبالسند إلى المؤلف:

قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي: ابن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير (بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين المهملة وإسكان المثناة الفوقية (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.

(قَالَ: أَقْبَلْتُ) أي: على صف الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمام ذلك الصف حال كوني (رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ) بتنوينهما والثاني بدل أو عطف بيان أو نعت على تأويل أتان بأنثى، وروي بإضافة حمار إلى أتان؛ أي: حمار هذا النوع.

وأنكرها السهيلي، وقال: إنما يجوزها من جوز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان.

وأقول: يمكن أن تكون الإضافة بيانية كخاتم فضة أو من إضافة الأعم إلى الأخص كيوم الخميس وهو اسم جنس يشمل الذكر والأنثى كقولك: بعير، وقد شذ حمارة في الأنثى، حكاه في (( الصحاح ) ).

وأَتان: بفتح الهمزة وشذ كسرها أنثى الحمير، وحكى يونس: أتانة، وأنكره غيره.

قال في (( الصحاح ) ): الأتان: الحمارة، ولا يقال: أتانة، وإنما لم يقل على حمارة فيستغني عن الوصف بأتان؛ لأن إلحاق التاء شاذ كما تقدم عن الصحاح على أن الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين، كما قاله العيني.

وفي (( المصابيح ) ): قال أبو موسى المديني وتبعه ابن الأثير: إنما اتبع الحمار بالأتان لينبه على أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة فكذا المرأة، واعترض بأن العلة ليست مجرد الأنوثة بل الأنوثة بقيد البشرية؛ لأنها مظنة الشهوة.

(وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ) أي: قاربت (الاِحْتِلاَمَ) يقال ناهز الصبي البلوغ إذا قاربه وداناه، والاحتلام البلوغ الشرعي مشتق من الحُلم بالضم وهو ما يراه النائم.

قال الكرماني: واختلف العلماء في سن ابن عباس عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقيل عشر، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: خمس عشرة.

(وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِمِنًى) مقصور موضع معروف بمكة تذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات، قال الجوهري: مذكر مصروف؛ أي: لأنه علم للمكان.

وقال النووي: فيه لغتان الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود: صرفه، وكتابته بالألف، وسميت بمنى: لما يمنى بها من الدماء؛ أي: تراق.

(إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) قال في (( الفتح ) ): أي: إلى غير سترة قاله الشافعي.

وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته.

ويؤيده ما رواه البزار بلفظ: (( والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ليس شيء يستره ) ). انتهى.

أي: وإن كان لا يلزم من كونه إلى غير جدار أن لا يكون هناك سترة غير الجدار؛ لأنه لو كان هناك سترة لما أورده ابن عباس للاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته.

(فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ) هو مجاز عن الأَمام بفتح الهمزة؛ لأن الصف ليس له يد وبعض الصف، يحتمل أن يراد به صف من الصفوف أو بعض أحد الصفوف قاله الكرماني (وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ) بمثناتين مفتوحتين وضم العين؛ أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع في المشي وجاء أيضًا بكسر العين بوزن تفتعل من الرعي وأصله: ترتعي، لكن حذفت الياء تخفيفًا والأول أصوب.

ويدل عليه رواية المصنف في (( الحج ) ): (( نزلت عنها فرتعت ) )، كذا في (( الفتح ) )ونظر فيه البرماوي بجواز وقوع الأمرين فروي كل منهما.

(ودَخَلْتُ الصَّفِّ) وللكشميهني: (فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم بأنه الرسول عليه الصلاة والسلام أو لقصد العموم؛ أي: لم ينكر ذلك عليّ أحد

ج 1 ص 456

ممن كان في الصف.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن العلماء جوزوا المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن سترة برواية ابن عباس هذه وابن عباس تحمل هذا في حالة الصبا فعلم منه قبول سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ.

وفي العيني: فإن قلت: الترجمة في سماع الصغير وليس في هذا الحديث سماع الصغير.

قلت: المقصود من السماع هو أو ما يقوم مقامه كتقرير الرسول عليه الصلاة والسلام في مسألتنا لمروره. انتهى.

فقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره مقام حكاية قوله، وتقدم عن الكرماني أن ابن عباس وإن كان مناهزًا للحلم فهو داخل في مفهوم الصغير.

وفي الحديث: جواز سماع الصغير وضبطه السنن والتحمل في حال صباه إذا أدى بعد البلوغ ولا خلاف في ذلك وأخطأ من حكى فيه خلافًا، قاله العيني ومثله الكافر والفاسق إذا أديا حال الكمال.

وفيه: جواز احتمال مفسدة لمصلحة أرجح منها فإن المرور أمام المصلين مفسدة والدخول في الصف والصلاة مصلحة راجحة عليها فاغتفرت للمصلحة الراجحة من غير إنكار.

وفيه: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، وفيه: أن مرور الأتان لا يقطع الصلاة وعليه بوب أبو داود في سننه وما ورد من قطع ذلك محمول على قطع الخشوع، وفيه: أن إقرار النبي على ما فعل بحضرته حجة.

وفيه: جواز إرسال الدابة من غير حفظ ومع حافظ غير مكلف.

وفيه كما قال ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما: دليل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه.

وفيه: صحة صلاة الصبي وغير ذلك، وفيه: من لطائف الإسناد التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة وأن رواته كلهم مدنيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت