47 -وبالسند إلى المؤلف:
قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بلفظ التكبير (بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِي) هو بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء نسبة إلى جد جده منجوف السدوسي، وهو بصري، وكذا باقي رجال الإسناد غير الصحابي توفي سنة اثنين وخمسين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وبالحاء المهملة بعد الواو الساكنة ابن عُبَادة بضم المهملة وتخفيف الموحدة ابن العلاء البصري.
قال الخطيب: كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام والتفسير، وكان ثقة.
قال علي بن المديني: نظرت لروح بن عبادة في أكثر من مائة ألف حديث كتبت منها عشرة آلاف.
وقال في (( التقريب ) ): ثقة له تصانيف من الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، مات سنة خمس أو سبع ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء ابن أبي جَمِيلة بفتح الجيم الأعرابي العبدي البصري، رمي بالقدر وبالتشيع، ولم يكن أعرابيًا، وإنما قيل له ذلك؛ لفصاحته سمع جمعًا من كبار التابعين منهم الحسن، وعنه: الأعلام كالثوري وشعبة وغيرهما، ولد سنة تسع وخمسين، ومات سنة ست، وقيل: سنة سبع وأربعين ومائة (عَنِ الْحَسَنِ) أي: البصري وتقدم (وَمُحَمَّدٍ) بالجر عطفًا على الحسن.
قال القسطلاني: وللأصيلي: بالرفع ولم يبين وجهه، ولعله مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: ومحمد رواه أيضًا، فتفيد ما أفادته رواية الجر، ولعل تغيير الأسلوب على هذه الرواية للإشارة إلى الفرق بين الراويين، وأنهما ليسا سواء في روايتيهما عن أبي هريرة، فإن في سماع الحسن عن أبي هريرة خلافًا بخلاف محمد بن سيرين.
قال في (( الفتح ) ): وسماع الحسن من أبي هريرة مختلف فيه، والأكثر على نفيه وتوهيم من أثبته وهو مع ذلك كثير الإرسال، فلا تحمل عنعته [1] على السماع، وإنما أورده المصنف كما سمع، وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى فإنه أخرج فيها حديثًا من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد، وأخرج في بدء الخلق من طريق عوف عنهما عن أبي هريرة حديثًا آخر، واعتماده في كل ذلك على محمد بن سيرين. انتهى.
وقال الكرماني: ومحمد عطفًا على الحسن لا على عوف، وقالوا: لم يصح للحسن سماع من أبي هريرة، وعليه فيكون عن أبي هريرة متعلقًا بمحمد فقط أو بهما، ويكون الحديث عن الحسن مرسلًا. انتهى.
ومحمد بن سيرين كنيته: أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري التابعي الجليل وأبوه سيرين،
ج 1 ص 325
يكنى بأبي عمرة، وقيل: إنه معرب شِيرين بالشين المعجمة؛ أي: الحلو، وكان عبدًا؛ لأنس بن مالك من سبي عين التمر وكاتبه على عشرين ألفًا فأدى نجوم الكتابة وعتق وأم محمد اسمها صفية مولاة الصديق رضي الله تعالى عنه، أدرك محمد ثلاثين من الصحابة ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وهو ممن لا يجوِّز نقل الحديث بالمعنى، وكان يحدث بالحديث على حروفه، وهو ثقة رفيع المرتبة إمام في العلوم ورع في فقهه، فقيه في ورعه، وهو أخو أنس ويحيى ومعبد وحفصة وكريمة أولاد سيرين وإذا أطلق ابن سيرين فالمراد به: محمد هذا، وروى محمد عن يحيى عن أنس وهو من اللطائف؛ لكونهم ثلاثة أخوة روى بعضهم عن بعض، مات بالبصرة سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم.
كلاهما: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد الفوقية للأكثر، وعليه وضع المصنف الترجمة، وللأصيلي وابن عساكر: بالتخفيف وكسر الباء.
قال الكرماني: ظاهره يقتضي المشي وراء الجنازة وهو مذهب أبي حنيفة وأما الأئمة الثلاث فقالوا: هو قدامها أفضل وحملوا الاتباع على المعنى العرفي، إذ لو تقدم عليها أو حاذاها أو تأخر بحيث ينسب إلى الجنازة ويعد من متبعيها، كان له حكم الاتباع عرفًا، ورجحوا القدام بما روي: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم والشيخين كانوا يمشون أمامها ) ).
وأيضًا المشيعون للجنازة كالشفعاء لها، ولهذا يقولون في الدعاء وقد جئناك شفعاء له ومن شأن الشفيع أن يتقدم بين يدي المشفوع له.
وقال النووي: الكل على السواء لا ترجيح فيه. انتهى.
وأقول: لم يخرج من هذا الكلام ما يصادم قول أبي حنيفة؛ لأن استدلاله بظاهر الحديث والمتبادر منه وما ذكره من التأويل لا يخرجه عن الظهور والتبادر، وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والشيخين فقصارًا أن يدل على الجواز وهو قائل به، ولعل التقدم منهم كان لعارض فإن وقائع الأفعال يطرقها الاحتمال فيكسوها ثوب الإجمال فيسقط بها الاستدلال، فليتأمل.
وقال في (( الفتح ) ): وقد تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل ولا حجة فيه؛ لأنه يقال: تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مرَّ به فمشى معه وكذلك اتَّبعه بالتشديد وهو افتعل منه، فإذن [2] هو مقول بالاشتراك، وقد بين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبان وغيره من حديث ابن عمر في المشي أمامها.
وأما أتْبعه بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه ولم تأت به الرواية هنا. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا القائل نفى حجة هؤلاء بما هو حجة عليه؛ لأنه فسر لفظ تبع بمعنيين:
أحدهما: حجة لمن زعم أن المشي خلفها أفضل.
والآخر: ليس بحجة عليه، ولا هو حجة لخصمه فافهم. انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): وكأنه ما درى أن اللفظ إذا احتمل معنيين لم يكن فيه حجة لأحدهما لاحتمال إرادة الثاني. انتهى.
وأقول: الكلام في أرجحية التقدم والتأخر لا في الوجوب والامتناع فرجحان أحد الاحتمالين كافٍ في ذلك كما تقدم.
وفي العيني: ثم الركوب وراء الجنازة لا بأس به، والمشي أفضل، وقالت الشافعية: لا فرق عندنا بين الراكب والماشي يعني في المشي أمامها خلافًا للثوري حيث قال: إن الراكب يكون خلفها، وتبعه الرافعي في (( شرح المسند ) )وكأنه قلد الخطابي، فإنه كذا ادعى، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة، وقال به من المالكية أيضًا أبو مصعب. انتهى.
(جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) احترز به عن غيره فليس لمتبع جنازته أجر، بل قد يكون آثمًا (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) تقدم المراد منهما واحترز بذلك عن من لم يتبعها لهما.
قال العيني أخذًا من ابن الملقن: فإن اتباعها على ثلاثة أقسام احتساب ومكافأة ومخافة:
والأول هو الذي يجازى عليه بهذا الأجر، ويحط عنه الوزر.
والثاني: لا يبعد ذلك في حقه.
والثالث: الله أعلم بما فيه. انتهى.
(وَكَانَ مَعَهُ) أتى بالضمير مذكرًا هنا نظرًا إلى جانب المعنى فإن المراد من الجنازة الميت وأتى بالضميرين الآتيين مؤنثين نظرًا إلى جانب اللفظ وهذا أولى من جعل صاحب (( المصابيح ) )الضمير للمسلم، وجعل الزركشي الضمير لصاحب الجنازة لما
ج 1 ص 326
يلزم عليه من تفكيك الضمير، ولأبي ذر عن الكشميهني: (( وكان معها ) )أي: الجنازة.
(حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا) قال في (( الفتح ) ): بكسر اللام، ويروى: بفتحها فعلى الأول لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل له ولو لم يصل أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا. انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: فما نقول على هذا التقدير لو اتبع حتى دفنت ولم يصل هو عليها هل له القيراطان؟.
قلت: لا إذ المراد أن يصلي هو أيضًا جمعًا بين الروايتين وحملًا للمطلق على المقيد. انتهى.
وهذا يفيد خلاف ما يفيده كلام صاحب (( الفتح ) )من حصول الثواب الموعود به ولو لم يصل فليحرر.
الراجح منهما وكلام صاحب (( الفتح ) )أقرب إلى سعة الفضل، فليتأمل.
(وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا) تجري فيه الروايتان المتقدمتان (( في يصلي ) )ولم يذكر صاحب (( الفتح ) )هنا نظير ما ذكره (( في يصلي ) )من أنه على رواية البناء للفاعل لا يحصل الثواب الموعود به إلا لمن يوجد منه الدفن ولا يكفي في حصوله مجرد الحضور.
ومقتضى كلام الكرماني أنه أيضًا على رواية البناء للمفعول لا يحصل الموعود به إلا لمن باشر الدفن فهل يقال بمقتضى الكلامين في يصلي من عدم نيل الموعود به لمن لم يباشر الدفن أو يفرق بين الصلاة والدفن بأن المشاركة في الصلاة متيسرة لكل أحد ممن حضر الجنازة ولو كانوا جمعًا عظيمًا بخلاف المشاركة في مباشرة الدفن فإنها لا تتيسر إلا لمن كان قريبًا من القبر ويحسن مباشرة الدفن، فليحرر، فإني لم أجد من تعرض له في شيء من الشروح التي اطلعت عليها.
قال القسطلاني: وللأصيلي: بحذف الياء وكسر اللام ولم يبين وجهه، ولعله حذف الياء تخفيفًا اجتزاء بالكسرة على حد قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [هود:105] بحذف الياء في قراءة بعض السبعة.
(فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) جواب الشرط.
وقال العيني: خبر المبتدأ أعني قوله (( من ) )وإنما دخلت الفاء لتضمنه معنى الشرط. انتهى.
ولم يذكر الاحتمال الأول مع أنه الظاهر المتبادر إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل والظرف أعني قوله: (( من الأجر ) )في محل النصب على الحال من (( قيراطين ) )وهما تثنية قيراط.
وهو كما قال البرماوي لغةً: نصف دانق وأصله قرَّاط بالتشديد بدليل جمعه على قراريط كدينار أصله دنار ثم أبدل أحد حرفي التضعيف ياء والقيراط في اللغة نصف دانق.
وقال الطيبي: قيل: القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشرة في أكثر البلاد وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين جزءًا وقد يطلق ويراد به بعض الشيء.
وفي (( العباب ) ): وزن القيراط يختلف باختلاف البلاد فهو عند أهل مكة ربع سدس الدينار وعند أهل العراق نصف عشر الدينار وعند الفقهاء القيراط جزء من عشرين جزءًا من الدينار وكل قيراط ثلاث حبات، فيكون الدينار ستين حبة وكل حبة أربع أرزات فيكون مائتين وأربعين أرزة، كذا في العيني.
وقد يطلق القيراط على جزء من الشيء مبهم، ولما كان هنا فيه إبهام بينه بقوله: (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ) .
قال الكرماني: وهو تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ (( القيراط ) )والمراد منه على الحقيقة أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر ولا شك أن لفظ (( بقيراطين ) )مبهم من وجهين فبين جنس الموزون أولًا بقوله: (( من الأجر ) )ثم بين ثانيًا المقدار المراد منه بقوله: (( مثل أحد ) )وكل من البيانين صفة لقيراطين، لكن الأولى قدمت فصارت حالًا. انتهى.
وقال العيني: وفي رواية للحاكم: (( القيراط أعظم من أحد ) )ثم قال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وفي (( السنن الصحاح المأثورة ) )من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (( من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزَّاهم كتب الله له قيراطًا فإن شيعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط، القيراط مثل أُحُد ) ) [3] .
و (( أُحُد ) )بضمتين وبالحاء والدال المهملتين جبل مشرف على المدينة على نحو ميلين منها، فيه الوقعة المشهورة التي استشهد فيها حمزة رضي الله عنه، ودفن هناك وقبره مشهور يزار، وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك.
وفي الحديث من طريق أبي عيسى بن جبر رفعه: (( أُحُد
ج 1 ص 327
يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة، قال: وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار )) .
قال السهيلي: وفي أُحد قبر هارون أخي موسى الكليم عليهما السلام، وفيه قبض (( وثمة ) )وأُراه موسى عليه السلام وكانا قد مرا بأُحد حاجين أو معتمرين قاله العيني.
ثم إن ظاهر الحديث: أن الثواب الموعود به لا يحصل إلا بالقيود الخمسة المفهومة منه وهي الاتباع في جمع الطريق وكونها جنازة مسلم وكون الاتباع إيمانًا واحتسابًا، وكونه معها حتى يصلَّى عليها وحتى تدفن والمراد بالدفن تسوية القبر بالتراب على الراجح، وقيل: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يلق عليه التراب وفي قول أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يستر باللبن وإن لم يلق عليه التراب.
ورواية مسلم: (( حتى يوضع في اللحد ) )تدل عليه، لكنهم أولوها بالفراغ من الدفن جمعًا بين الروايتين لكن قد يقال: إن من أخل بهذه القيود له ثواب في الجملة وإن لم يكن الموعود به.
(وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ) هو لازم ومصدره الرجوع (قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) ظرف لـ (( رجع ) ) (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) أي: من الأجر والمراد منه أيضًا مثل جبل أحد ولم يتعرض له هاهنا؛ لأنه علم مما تقدم.
قال الكرماني: وهذا لا يحصل من الصلاة فقط بل لابد أن يكون معه ومشيعًا له بقرينة (( يرجع ) )إذ الرجوع عنه مسبوق بالذهاب معه أو بقرينة ما تقدم. انتهى.
ويعارضه رواية مسلم: (( من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط ) )ويمكن الجواب عنه: بأن المراد بقوله ولم يتبعها بعد الصلاة لكن شيعها أولًا.
وقال النووي في شرح الحديث: واعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت فإن انضم إليها اتباعه وحضوره حتى الفراغ حصل له القيراطان، ولا يقال: يحصل بالصلاة والدفن ثلاثة قراريط كما توهمه بعضهم من ظاهر بعض الروايات؛ لأن هذا الحديث صريح والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه كرواية: (( من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ) ).
ومعناه: فله تمام قيراطين، ونظيره قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:9] إلى قوله: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت:10] ، ثم قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:12] . انتهى.
أي: فلو لم يكن قوله تعالى: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت:10] ، معناه: في تمام أربعة أيام مع اليومين السابقين للزم أن يكون خلق السماوات والأرض في ثمانية أيام لقوله بعد ذلك: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:12] .
وقال شيخ الإسلام: أفاد الحديث أن حصول القيراطين للتابع مقيد بأن يصلي عليها ويتبعها إلى أن يفرغ من دفنها فهو مقيد لبعض الأحاديث، والحاصل: أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت وبها مع الإتباع إلى تمام الدفن قيراطان.
وأما خبر: (( من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ) )فمعناه: فله تمام قيراطين بالمجموع، لكن قد يقال: يعارض ذلك خبر الطبراني: (( من تبع جنازة حتى يقضى دفنها كتب الله له ثلاثة قراريط ) ).
وخبر (( السنن الصحاح المأثورة ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: (( من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراطًا فإن تبعها كتب الله له قيراطين فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط فإن شهد دفنها كتب الله [له] أربعة قراريط ) ).
ويجاب: بأن خبر (( صحيح البخاري ) )لا يعادله غيره فعلم أن القيراطين لا يحصلان لمن صلى ولم يتبع ولا لمن صلى وذهب إلى القبر وجلس حتى جاءت ولا لمن حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل. انتهى.
وأقول: لم يذكر رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا أن كل قيراط مثل أحد وقد ذكر ذلك العيني فقال: عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال في آخر الحديث: (( القيراط مثل أحد ) ).
وفي قوله: فعلم أن القيراطين لا يحصلان ... إلخ إشارة إلى أن له أجرًا في الجملة كما تقدم في كلام النووي.
وفي الحديث: الحث على الصلاة على الميت، وإتباع جنازته، وحضور دفنه ببيان فضائلها.
قال أبو الزناد: حض الشارع على التواصل في الحياة بقوله: (( صل من قطعك وأعط من حرمك ولا تقاطعوا ولا تدابروا ) )وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له.
أقول: وتشييع جنازة المسلم من جملة حقوقه الستة المشار إليها في حديث أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه، ولفظ الحديث: (( للمسلم على المسلم ست بالمعروف يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه ) ).
ج 1 ص 328
وسيأتي في الجنائز مزيد على ما هنا إن شاء الله تعالى.
(تَابَعَهُ) أي: تابع روحًا السابق في الرواية عن عوف (عُثْمَانُ) بن الهيثم (الْمُؤَذِّنُ) بجامع البصرة روى عنه البخاري في مواضع بلا واسطة، وفي أخرى عن محمد غير منسوب وهو محمد بن يحيى الذهلي عنه.
قال في (( التقريب ) ): ثقة تغير فصار يتلقن، مات في رجب سنة عشرين ومائتين، ولابن عساكر زيادة: قبل (( تابعه عثمان المؤذن ) ).
(قَالَ) أي: عثمان (حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ) أي: ابن سيرين ولم يرو عوف هنا عن الحسن البصري (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ) مفعول به لـ (( حدثنا ) )كما في (( المصابيح ) )وأما كونه حالًا أو صفة مصدر محذوف؛ أي: حديثًا نحوه فتكلف لا حاجة إليه.
قال الكرماني: فإن قلت: ما المستفاد من لفظ النحو؟ أنه روي بنفس اللفظ المذكور أو بمعناه؟.
قلت: الظاهر أنه بمعناه. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وعثمان بن الهيثم من شيوخ البخاري، فإنه سمع هذا الحديث منه فهو له أعلى بدرجة لكنه ذكر الموصول عن (( رَوح ) )لكونه أشد إتقانًا منه ونبه برواية عثمان على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين فقط؛ لأنه لم يذكر الحسن فكأن عوفًا كان ربما ذكره وربما حذفه وقد حدث به المنجوفي شيخ البخاري مرة بإسقاط الحسن، أخرجه أبو نعيم في (( المستخرج ) )من طريقه.
ومتابعة عثمان هذه وصلها أبو نعيم في (( المستخرج ) )قال: حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، قال: حدثنا أبو طالب بن أبي عوانة: ثنا سليمان بن يوسف: ثنا عثمان بن الهيثم. فذكر الحديث، ولفظه موافق لرواية رَوح إلا في قوله: (( وكان معها ) )فإنه قال بدلها: (( فلزمها ) )وفي قوله: (( ويفرغ من دفنها ) )فإنه قال بدلها (( وتدفن ) ).
وقال في آخره: (( فله قيراط ) )بدل قوله: (( فإنه يرجع بقيراط ) )والباقي سواء ولهذا الاختلاف في اللفظ قال المصنف نحوه وهو بفتح الواو؛ أي: بمعناه. انتهى.
[1] كذا في الأصل ولعل الصواب: (( عنعنته ) ).
[2] كذا في الأصل ولعل الصواب: (( فإذًا ) ).
[3] في الأصل فوق كلمة وفي (من) وفوق كلمة أحد (إلى) فليراجع صفحة: (( 172/ب ) ).