40 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو) بفتح العين وكنيته أبو الحسن (بْنُ خَالِدٍ) بن فروخ الحنظلي الجزري الحراني، سكن مصر، وروى عن الليث وابن لهيعة وغيرهما، وروى عنه البخاري، وانفرد به وأبو زرعة وغيرهما، وروى ابن ماجه عن رجل عنه.
قال أبو حاتم: صدوق، وقال العجلي: مصري ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومئتين.
قال العيني: ووقع في رواية القابسي عن عبدوس عن ابن زيد المروزي، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الغساني وغيره، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد ولا في رجاله كلهم، بل ولا في رجال الكتب الستة. انتهى.
(قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بالتصغير ابن معاوية بن حُدَيج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم الجعفي الكوفي، سكن الجزيرة، وسمع السبيعي وحميد الطويل وغيرهما من التابعين، وعنه: يحيى القطان وجمع من الأئمة، واتفقوا على جلالته وحسن حفظه وإتقانه، توفي سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ومئة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بفتح أوله ابن عبد الله السبيعي، نسبة إلى سبيع مكبرًا جد القبيلة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وروى عن ثمانية وثلاثين صحابيًا، ومات سنة ست، أو سبع، أو ثمان، أو تسع وعشرين ومئة، وتغير في آخر عمره، وسماع زهير منه وإن كان بعد تغيره كما قال أحمد، لكن تابعه عليه عند المصنف حفيده إسرائيل بن يونس وغيره.
(عَنِ الْبَرَاءِ) بفتح الباء وتخفيف الراء على المشهور، وقيل: بالقصر، وللأصيلي زيادة: وهو وأبوه صحابيان أنصاريان أوسيان رضي الله عنهما، مات بالكوفة سنة اثنين وسبعين (أَنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ) علمٌ بالغلبة على مدينة الرسول ودار هجرته صلى الله عليه وسلم والمدينة إن كانت مأخوذة من دان بمعنى أطاع أو ملك، فجمعها مداين بالياء بدون همز كمعيشة ومعايش، وإن كانت مأخوذة من مدن بالمكان إذا قام به فجمعها مدائن بالهمز كصحيفة وصحائف، والنسبة إليها: مدني بحذف الياء، وهي ترجح الاحتمال الثاني، بل تعينه؛ لأن قياس النسبة إلى فعيلة حذف الياء منها، فيقال فيها: فَعَلِي كما يقال في النسبة إلى حنيفة: حنفي.
قال ابن مالك في (( الخلاصة ) ):
~وفعلى في فعيلة التزم وفعلى في فعيلة حتم
وأما إذا كانت مأخوذة من دان فوزنها
ج 1 ص 301
مفعلة فميمها زائدة وياؤها أصلية، فلا تحذف في النسب.
وارتكبوا خلاف القياس في النسب إلى مدينة المنصور فقال: مديني لئلا تشتبه بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك نسبوا إلى مدائن كسرى على لفظ الجمع فقالوا: مدائني مع أن القياس في الجمع: أن يرد إلى واحده في النسب، ولكن لو ردوه وقالوا: مدني بحذف الياء لالتبس بمدينة الرسول، ولو خالفوا القياس في المفرد، وقالوا: مديني لالتبس بمدينة المنصور، ولها غير هذا الاسم أسماء كثيرة أوصلها السيد السمهودي في (( تاريخ المدينة ) )إلى نيِّفٍ وستين اسمًا من مشهورها: طيبة وطابة والطيبة.
وكان قدومه صلى الله عليه وسلم إليها يوم الاثنين لاثني عشرة ليلة خلت من ربيع الأول حين كادت الشمس تعتدل، وذلك أنه خرج من مكة كما قال ابن عباس يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، فمن خروجه إلى دخوله خمسة عشر يومًا؛ لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام، ولما خرج منه سلك طريق الساحل وهو أبعد من الجادة، وسيأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى في الهجرة [1] .
قال العيني: قوله: أول ما قدم المدينة هذه الجملة خبر أن في محل الرفع، وأول نصب على الظرف، وما مصدرية، تقديره: في أول قدومه المدينة عند الهجرة من مكة وقدِم بكسر الدال مضارعه يقدم بالضم ومصدره قدوم، ثم قال: نزل جملة في محل النصب على أنها خبر كان. انتهى.
أقول: في كلامه نظر من وجوه:
الأول: أنه جعل أول ما قدم المدينة جملة وهو غير صحيح؛ لأن ما المصدرية مع صلتها في تأويل مفرد كما اعترف به هو بقوله تقديره أول قدومه.
الثاني: أن ما حكم بكونه خبرًا عن أن غير صحيح لا لفظًا ولا معنى، أما لفظًا فللفصل بين اسم أن وخبرها بأجنبي، وأما معنى فلعدم صحة الإخبار عن الرسول بأنه أول قدوم المدينة.
الثالث: أن في جعله مضارع قدِم بكسر الدال يقدُم بضمها خروجًا عن القياس والسماع.
أما الأول: فلأن قياس فعِل بكسر العين يفعَل بفتحها إلا ما شذ من نحو حسب يحسب وأخواته بكسر العين فيهما كما هو مصرح به في كتب التصريف.
وأما الثاني: فقال في (( المصباح ) ): قدِم الرجل البلد من باب تعب قدومًا ومَقدَمًا بفتح الميم والدال. انتهى.
ولعل الصواب في إماطة النقاب عن وجه الإعراب: أن يجعل خبر أن نزل، وكان زائدة حشوًا كما في قوله: وجيران لنا كانوا كرام، وأول ظرف لغو متعلق بنزل، أو يجعل نزل خبرًا لكان بجعلها غير زائدة، وهي واسمها وخبرها خبرًا لأن، والرابط الضمير المستتر في نزل هذا ما سنح للفكر الفاتر، فليحرر وليتحر في ذلك الناظر.
(أَوْ قَالَ) البراء (أَخْوَالِهِ) من الأنصار شك من أبي إسحاق وليس فاعل، قال أبو إسحاق: كما ظنه القسطلاني.
قال في (( الفتح ) ): الشك من أبي اسحق وفي إطلاق أجداده أو أخواله مجاز؛ لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة؛ لأن أم جده عبد المطلب منهم وهي سلمى بنت عمر أحد بني عدي بن النجار، وإنما نزل صلى الله عليه وسلم على إخوتهم بني مالك بن النجار ففيه على هذا مجازان. انتهى.
ويقرب منه ما قاله في التوضيح المذكور في (( السير ) ): أنه عليه الصلاة والسلام: نزل أول قدومه المدينة على كلثوم بن الهدم، ثم على أبي أيوب الأنصاري، وليس واحد منهما من أخواله ولا من أجداده؛ لأنهما ليسا من بني عدي بن النجار، وإنما هما من بني مالك أخي عدي، فلعل ذلك تجوز كعادة العرب في النسبة إلى الأخ، أو لقرب داريهما. انتهى ملخصًا.
(وَأَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) فهو ظرف لصلى وبيت المَقْدِس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال في الأصل مصدر ميمي كالمرجع أو اسم مكان من القدس وهو الطهر؛ أي: المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب، أو تطهر العبادة فيه من الأصنام، ويقال فيه: المقدس اسم مفعول من قدَّس بالتشديد، وقد جاء بصيغة اسم الفاعل أيضًا؛ لأنه يقدس العابدين فيه من الآثام، وهو هنا علم على المسجد الذي هو ثاني المساجد وضعًا وثالثها قدرًا، ويقال لأرضه: الأرض المقدسة وهي إيلياء، وقيل: أريحاء.
قال الفرزدق:
~وبيتان بيت الله نحن نزوره وبيت بأعلى إيلياء مشرف
وفي (( الفتح ) ): الذي هو أول المساجد وضعًا، وثانيها قدرًا، وهو سهو من قلم الناسخ، ويقال فيه: البيت المقدس على الصفة، ولكن المشهور: بيت المقدس على الإضافة كمسجد الجامع.
(سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) قال في (( الفتح ) ): كذا وقع الشك في رواية زهير هذه هنا وفي الصلاة أيضًا عن أبي نعيم عنه، وكذا في رواية الثوري عنده، وفي رواية إسرائيل عند المصنف وعند الترمذي أيضًا، ورواه أبو عوانة في (( صحيحه ) )عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال: ستة عشر من غير شك، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص، وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عوانة أيضًا من رواية عمار بن رُزيق بتقديم الراء مصغرًا كلهم عن أبي إسحق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس.
والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفَّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر
ج 1 ص 302
عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور.
ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس.
وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول.
وشذت أقوال أخر: ففي بعضها: ثمانية عشر شهرًا، وفي بعضها: ثلاثة عشر شهرًا، وفي بعضها: تسعة أشهر، وفي بعضها: عشرة أشهر، وفي رواية: ، ورواية: وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على الأول. انتهى ملخصًا.
(وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ) أي: يحب (أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ) قال الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة:144] (وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة عطفًا على أن الأولى أو الثانية، وجملة: (( وكان يعجبه ) )معترضة بين المتعاطفين، ويجوز أن تكون معطوفة على صلى (صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا) الضمير المنصوب راجع إلى صلاة.
وقال الزركشي: راجع إلى القبلة؛ أي: صلى إليها وأول منصوب على المفعولية المطلقة كقولك: ضربته أول ضرب لا مفعول به كما هو ظاهر كلام القسطلاني.
وقوله: (صَلاَةَ الْعَصْرِ) بدل منه وأعربه ابن مالك بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
قال في (( الفتح ) ): ولم يذكر لوضوحه، وسقط للأربعة لفظ ، وفي الكلام مقدر حذف إيجازًا للعلم به؛ أي: أول صلاة صلاها متوجهًا إلى الكعبة صلاة العصر.
قال في (( الفتح ) ): وعند ابن سعد حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر على التردد، وساق ذلك من حديث عمارة بن أوس قال: (( صلينا إحدى صلاتي العشاء ) ).
والتحقيق: أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء، وهل كان ذلك في جمادى الآخرة أو رجب أو شعبان؟ أقوال. انتهى.
(وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ) أي: من المهاجرين والأنصار ولم يعلم عددهم ولا تعيينهم (فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ) هو عباد بن بشر الأشهلي، وقيل: عباد بن نَهِيك بفتح النون وكسر الهاء الخطمي، وقيل: عباد بن وهب (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) وفي بعض النسخ: حذف أهل، وهذا المسجد من مساجد المدينة وهو مسجد بني سلمة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين، وأهله من بني حارثة، وليس مسجد قباء، وهذا الرجل غير الذي أخبر أهل قباء في صلاة الصبح في اليوم الثاني، كما سيأتي في حديث ابن عمر في كتاب الصلاة، فكلتا الروايتين صحيحة لا وَهَنَ فيها، والجمع بينهما: بما ذكر ظاهر فيتعين المصير إليه.
(وَهُمْ رَاكِعُونَ) جملة حالية يجوز أن يراد بالركوع حقيقته ويجوز أن يكون مجازًا من إطلاق الجزء على الكل؛ أي: وهم مصلون، والمتبادر هو الأول، ولم يبين أحد ممن اطَّلعنا عليهم من الشراح في أيِّ ركعة كان ذلك الركوع حين أخبرهم، بخلاف صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا حين التحويل في ركوع الثانية.
كذا قيل، وفيه نظر لما تقدم عن صاحب (( الفتح ) )من قوله: والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وصلاة الرجل الذي مر على أهل المسجد كانت العصر، والتحويل في أثناء الصلاة لم يقع على هذا التحقيق للنبي صلى الله عليه وسلم في العصر قطعًا، والأولية المذكورة في الحديث أولية نسبية؛ أي: أول صلاة صلاها في مسجده أو تامة فلا يرد على ما قاله صاحب (( الفتح ) ).
وفي البيضاوي: روي أنه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين. انتهى.
أقول: صريح كلامه يقتضي أن المسجد المسمى بمسجد القبلتين هو الذي وقع فيه التحويل للنبي صلى الله عليه وسلم، ومقتضى كلام العيني كالقسطلاني أن مسجد القبلتين هو الذي مر عليه الصحابي الذي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ونص عبارة العيني: فمر على أهل مسجد هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة، وهو مسجد بني سلمة، ويعرف بمسجد القبلتين. انتهى.
فاتفق كلام البيضاوي والعيني: أنه مسجد بني سلمة، لكن وقع الاختلاف بين كون التحويل فيه وقع للرسول أو للصحابة، فليحرر.
(فَقَالَ) أي: الرجل للقوم الذين مر بهم يصلون (أَشْهَدُ بِاللَّهِ) أي: أحلف (لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) ولابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ) أي: جهتها
ج 1 ص 303
وفيه دليل لأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن قبلة غير المكي الجهة وكون المراد بمكة البيت مجازًا خلاف الظاهر، فليتأمل.
وقد للتحقيق، واللام في جواب أشهد؛ لأنه بمعنى أحلف.
(فَدَارُوا) الفاء فصيحة؛ أي: صدقوه في خبره فداروا (كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ) أي: الكعبة، ولم يقطعوا صلاتهم، بل أتموها بناء على ما مضى إلى جهة الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين بدليلين شرعيين بل تجوز الصلاة إلى أربع جهات إذا كان باجتهاد مقارن للتحول عند اشتباه القبلة.
قال التيمي: تحولوا من بيت المقدس إلى الكعبة بخبر الواحد لحلفه لهم بالله تصديقًا منهم له. انتهى.
قال في (( المصابيح ) ): فإن قلت: ما وجه قوله كما هم في صناعة الإعراب؟.
قلت: الظاهر أن الكاف بمعنى على وأن ما كافة وهم مبتدأ حذف خبره؛ أي: عليه أو كائنون، وقد يقال: أن ما موصولة وهم مبتدأ حذف خبره؛ أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلف شرطه. انتهى.
وبه يستغنى عمَّا أطال به العيني.
(وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ) قال العيني: الضمير المرفوع المستتر في أعجب يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فاعل أعجب، وهم هو الضمير المنصوب وقع مفعولًا.
وقوله: (إِذْ كَانَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الكرماني: وإذ كان بدل الاشتمال أو إذ هنا للزمان المطلق؛ أي: أعجبهم زمان كان يصلي فيه صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس؛ لأنه كان قبلتهم فإعجابهم لموافقة قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتهم.
قلت: إذ هنا ظرف بمعنى حين والمعنى أعجب اليهود حين كان يصلي عليه الصلاة والسلام قبل بيت المقدس، وإذ إنما تقع بدلًا عن المفعول كما في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ} [مريم:16] ، وهاهنا المفعول هو الضمير المنصوب في قولهم: أعجبهم، ولا يصح أن يكون بدلًا منه لفساد المعنى. انتهى.
أقول: حاصله تزييف للاحتمال الأول من كلام الكرماني، وسكوته على الثاني يقتضي تسليمه، وهو يتوقف على سماع ورودها فاعلا، فإن خروجها عن الظرفية خلاف القياس، فما ورد به السماع قبل وما لا فلا.
(يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي: حال كونه متوجهًا إليه (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) بالرفع عطفًا على اليهود من عطف العام على الخاص، أو المراد به النصارى فقط وإعجابهم حينئذ، ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التبعية لليهود لمشاركتهم لهم في أنهم أهل كتاب.
وقال الكرماني وتبعوه: ويحتمل أن تكون الواو بمعنى مع، ومعناه: كان يصلي نحو بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهذا هو الأظهر لو صحت رواية النصب.
قال في (( الفتح ) ): وقيل: المراد النصارى؛ لأنهم من أهل الكتاب، وفيه نظر؛ لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس، فكيف يعجبهم.
وقال الكرماني: كأنَّ إعجابهم بطريق التبعية لليهود.
قلت: وفيه بُعد؛ لأنهم أشد الناس عداوة لليهود، ويحتمل أن يكون بالنصب والواو بمعنى مع. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: سبحان الله إن هذا لعجب شديد كيف لم يتأمل هذا كلام الكرماني بتمامه، حتى نظر فيه فإنه لما قال: المراد به النصارى فقط، قال: وجعلوا تابعة؛ لأنه لم يكن قبلتهم بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود. انتهى.
أقول: وهذا لا يدفع تنظير صاحب (( الفتح ) )باستبعاد التبعية بكونهم أشد الناس عداوة لليهود، فليتأمل.
(فَلَمَّا وَلَّى) صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) الشريف (قِبَلَ الْبَيْتِ، أَنْكَرُوا) أي: اليهود (ذَلِكَ) فالضمير راجع لليهود كما في (( الفتح ) ).
وقال العيني تبعًا للكرماني: لأهل الكتاب فنزل قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ} الآية [البقرة:142] كما صرح به المؤلف في رواية من طريق إسرائيل.
وقال البيضاوي: يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين.
(قَالَ زُهَيْرٌ) يعني: ابن معاوية بالإسناد المذكور سابقًا، وحذف أداة العطف كعادته وهو مذهب بعض النحاة فهو موصول لا معلق، وجوز الكرماني فيه أيضًا أن يكون تعليقًا.
وقال في (( الفتح ) ): ووهم من قال: أنه معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير مساقًا واحدًا. انتهى.
وتعقبه العيني بما هو مذكور في شرحه فليراجع لمزيد الاطلاع.
(حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) يعني: السبيعي (عَنِ الْبَرَاءِ) أي: ابن عازب (فِي حَدِيثِهِ هَذَا) وللأصيلي: (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ) أي: المنسوخة وهي بيت المقدس، وعداه بعلى لتضمينه معنى الاستمرار (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ) أي: تنسخ إلى الكعبة، وهذا الظرف في محل النصب حال من القبلة؛ لأنه وقع بعد معرفة محضة، والأول حال من رجال كقوله: لمية موحشًا طلل، وليس ظرفًا لغوًا لمات، إذ لا يتعدى بعلى كما في: مررت بزيد، وأما الثاني فهو محتمل لأن يكون مستقرًا ولغوًا.
(رِجَالٌ وَقُتِلُوا) أي: وقتل آخرون؛ أي: قبل أن تحول القبلة فهو على حدِّ: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [فاطر:11] ؛ أي: من عمر معمر آخر، ويجوز أن يكون على حد قولهم: بنو فلان قتلوا زيدًا، والقاتل بعضهم فنسب إلى كلهم مجازًا؛
ج 1 ص 304
أي: مات بعضهم وقتل بعضهم أو أن الواو بمعنى أو لكن نظر بعضهم في ذكر القتل بأن تحويل القبلة كان قبل الأمر بالقتال.
بل قال في (( الفتح ) ): ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحًا عن ابن عباس والذين ماتوا بعد فرض الصلاة قبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس، فبمكة من قريش عبد الله بن شهاب، والمطلب بن أزهر الزهريان، والسكران بن عمرو العامري، وبأرض الحبشة: منهم حطاب بالمهملة، وابن الحارث الجمحي، وعمرو بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السهمي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة العدويان، ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن زرارة؛ فهؤلاء العشرة متفق عليهم، ومات بالمدينة أيضًا إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه.
ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا قتل من المسلمين قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة، فيحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك.
ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه، وهو سويد بن الصامت، فقد ذكر ابن إسحاق: أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإسلام فقال: إن هذا القول حسن، وانصرف إلى المدينة، فقتل بها في وقعة بُعَاث بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلثة، وكانت قبل الهجرة، قال: فكان قومه يقولون: لقد قتل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد.
وذكر لي بعض الفضلاء: أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء. انتهى.
وأطلق في قوله: (( وقتلوا ) )ولم يقيده بما قيد به سابقه، وهو قوله: قبل أن تحول القبلة اعتمادًا على ظهور المراد بدلالة سابقه عليه.
قال الكرماني: فإن قلت: قيد المعطوف عليه لا يلزم أن يكون قيدًا في المعطوف عند النحاة، فمن أين قيدته بقولك قبل أن تحول، وكذا عند الأصوليين عطف المطلق، أو العام على الخاص، أو المقيد ليس مخصصًا للعام ولا مقيدًا للمطلق.
قلت: السياق يقتضي التقييد، وحمل المطلق على المقيد.
فإن قلت: الواجب أن يقال أو قتلوا بأو لا بالواو.
قلت: يحتمل أن يكون المقتولون نفس الميتين، وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعارًا بشرفهم واستبعادًا لضياع طاعتهم أو أن القتل قرينة لكونها بمعنى أو.
فإن قلت: كما أن النكرة المعادة يجب أن تكون غير الأولى، فهل الضمير الراجع إلى النكرة مثل ذلك.
قلت: ليس مثله، بل يحتمل المغايرة والاتحاد. انتهى.
وأقول: الأصل هو الاتحاد والمغايرة لا تكون إلا لقرينة كقولك: عندي درهم ونصفه، وقوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [فاطر:11] ، أو لاستخدامٍ كقوله:
~إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابًا
(فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ) بالنون في الفعلين؛ أي: فلم نعلم أن صلاتهم ضائعة لا ثواب لهم فيها أم لا (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) وللأصيلي وابن عساكر: ( {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ) أي: صلاتكم إليها قبل التحويل عنها، أو ما كان الله ليضيع إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو غير ذلك مما مر.
قال الكرماني في قول زهير هذا: يحتمل أن يكون المؤلف ذكره معلقًا.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المؤلف ساقه في التفسير موصولًا مع جملة الحديث.
وانتصر له العيني: بأن صورته صورة تعليق، ولا يلزم من سوقه في التفسير جملة واحدة أن يكون هنا موصولًا غير معلق. انتهى.
تنبيه: في هذا الحديث كما ذكره النووي وغيره فوائد: منها: ما ترجم المؤلف له وهو كون الصلاة من الإيمان.
قال في (( الفتح ) ): ومنها الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانًا، ومنها: أن تمني تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذلك، ومنها: بيان شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم وكرامته على ربه لإعطائه ما أحب من غير تصريح بالسؤال، ومنها: بيان ما كان في الصحابة رضي الله عنهم من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم. انتهى.
أقول: ومنها: جواز النسخ في الأحكام، وهو مجمع عليه خلافًا لطائفة لا يعبأ بهم وهم اليهود لعنهم الله، ومنها: أن فيه دليلًا على جواز نسخ السنة بالقرآن، وعليه الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة، وللشافعي فيه قولان:
قال في إحدى قوليه: لا يجوز كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا واحدًا.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة للتواتر، وأجازه الجمهور ومالك وأبو حنيفة، والأدلة مسطورة في أصول الفقه، ومنها: أن فيه دليلًا على جواز النسخ بخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكر
ج 1 ص 305
وغيره من المحققين.
قال العيني: ووجهه: أن العمل بخبر الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأن الدليل الموجب لثبوته أولًا غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره. انتهى.
ومنها: أن الناسخ لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف؛ لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة، وهم في الصلاة ولم يعيدوا ما مضى.
قال الطحاوي: وفيه دليل على من لم يعلم بفرض الله تعالى، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم له والحجة غير قائمة عليه، ومنها: أن فيه دليلًا على جواز قبول خبر الواحد، وعادة الصحابة رضي الله عنهم قبول ذلك، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادًا إلى الآفاق؛ ليعلموا الناس دينهم، ويبلغوهم سنة رسولهم.
ومنها: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي في من صلى إلى جهة باجتهاد، ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات، فصلى إلى أربع جهات في صلاة واحدة صحت صلاته على الأصح من مذهب الشافعي.
ومنها: جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه خلاف؛ لأنه كان يمكنهم أن يقطعوا الصلاة، وأن يبنوا فرجحوا البناء وهو محل اجتهاد، ومنها: أن فيه حجة على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ثم تبين له الخطأ لا يلزمه الإعادة؛ لأنه فعل ما عليه في ظنه مع مخالفة الحكم في نفس الأمر كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقاء الأمر، فلم يؤمروا بالإعادة.
ومنها: استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم، ومنها: أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحًا في الرضا، بل هو محبوب، ومنها: جواز تمني تغيير بعض الأحكام إذا ظهرت المصلحة، ومنها: الدلالة على شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم وكرامته على ربه حيث يعطيه ما يحبه من غير سؤال، ومنها: بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم.
[1] في هامش المخطوط: (( نزل على أجداده من جهة أمه بني عدي بن النجار ) ).