39 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:
قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بفتح الطاء المهملة وتشديد الهاء المفتوحة، ابن حسام الأزدي، وكنيته: أبو ظَفَر بفتح الظاء والفاء، مات سنة أربع وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بن عطاء المقدمي نسبة إلى مقدم بصيغة اسم المفعول
ج 1 ص 298
أبو حفص
البصري وهو ثقة لكنه كان يدلس تدليسًا كثيرًا يقول: حدثنا وسمعت، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة الأعمش، لكنه في (( الصحيحين ) )محمول على السماع كبقية من فيهما من المدلسين، توفي سنة تسعين ومائة (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، واسم جده معن أيضًا (الْغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار قبيلة أبي ذر.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسمه كيسان (الْمَقْبُرِيِّ) بتثليث الباء نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا بها المدني، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومائة، وكان سماع معن منه قبل اختلاطه، وإلا لما أخرج له المؤلف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم أنه(قَالَ إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) أكده بأن؛ لمظنة التردد باعتبار أن فيه تكليفات، والتكليف إلزام ما فيه كُلفة، أو لأن الأمر مما يهتم به ويعتني به.
وقوله: (( يسر ) )معناه: ذو يسر أو أنه نفس اليسر مبالغة نحو أبو حنيفة فقه كأنه لكثرة ما فيه من اليسر صار كأنه عين اليسر.
قال في (( الفتح ) ): وتابع معنا على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري أخرجه المصنف في كتاب الرقاق بمعناه، ولفظه: (( سددوا وقاربوا ) )، وزاد في آخره: (( والقصد القصد تبلغوا ) )ولم يذكر شقه الأول.
وله شواهد منها: حديث عروة الفُقَيمي بضم الفاء وفتح القاف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن دين الله يسر ) ).
ومنها: حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه ) )رواهما أحمد وإسناد كل منهما حسن.
(وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلاَّ غَلَبَهُ) هذه رواية الجمهور بدون ثبوت لفظ أحد.
قال في (( الفتح ) ): هكذا في روايتنا بإضمار الفاعل، وثبت في رواية ابن السكن، وفي بعض الروايات عن الأصيلي بلفظ: (( ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) )وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي وأبي نعيم وابن حبان وغيرهم، والدين منصوب على المفعولية، وكذا في روايتنا أيضًا، وأضمر الفاعل للعلم به.
وحكى صاحب (( المطالع ) ): أن أكثر الروايات برفع الدين على أن يشاد مبني لما لم يسم فاعله.
وعارضه النووي: بأن أكثر الروايات بالنصب، ويجمع بين كلاميهما بأنه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيد النصب لفظ حديث بريدة عن أحمد: أنه من يشاد هذا الدين يغلبه ذكره في حديث آخر يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب.
والمشادَّة بالتشديد: المغالبة، يقال: شاده مشادة إذا قاواه، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب. انتهى.
وقال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. انتهى.
وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله، ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة.
وعند أحمد من حديث محجن بن الأدرع: (( إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم أيسره ) ).
قال في (( الفتح ) ): وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر.
(فَسَدِّدُوا) بالمهملة؛ أي: الزموا السداد، واطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه، كذا في (( النهاية ) ).
ومعناه: التوسط في العمل من غير إفراط ولا تفريط.
(وَقَارِبُوا) بالباء الموحدة؛ أي: لا تبلغوا النهاية في العبادة، بل قاربوها، كذا في الكرماني.
وقال في (( الفتح ) ): أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.
(وَأَبْشِرُوا) من باب الإفعال، وجاز لغة: أبشُروا بضم الشين من البشر بمعنى الإبشار؛ أي: أبشروا بالثواب على العمل المستمر وإن قل، إذ المراد تبشر من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره وأبهم المبشر به تعظيمًا له وتفخيمًا.
(وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ) بالفتح فيهما كما في الكرماني، و (( الفتح ) )، والزركشي، والبرماوي، وهو الذي في فرع اليونينية.
وقال العيني: هي بضم الغين المعجمة.
وقال الكرماني: بفتحها، وتبعه بعض الشارحين، والصحيح ما ذكرناه. انتهى.
وأقول: فيه نظر منشأه عدم الفرق بين الغُدوة بالضم، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والغَدوة بالفتح وهي المرة من الغدو وهو سير أول النهار وهو المراد هنا؛ لأن الاستعانة به تحصل لا بنفس الغُدوة بالضم التي هي الزمان.
قال في (( النهاية ) )في قوله عليه الصلاة والسلام: (( بغدوة أو روحة في سبيل الله ) )الحديث: الغدوة: المرة من الغدو، وهو سير أول النهار، نقيض الرواح وقد غدا يغدو
ج 1 ص 299
غدوًا، والغُدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. انتهى.
ويمكن توجيه ما ذكره العيني: بأن يكون على تقدير مضاف؛ أي: يسير الغدوة، لكنه تكلف مستغنى عنه بما ذكره الشراح من كون الغَدوة بالفتح.
(وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) بفتح الدال وضمها، والرواية هنا: بالضم، وهي اسم من الإدلاج: وهو السير أول الليل، وأما الادّلاج بكسر الدال المشددة: فهي السير آخر الليل هذا هو الأكثر، وقيل: جاء التخفيف والتشديد في كل منهما.
قال النووي: معنى الحديث: اغتنموا أوقات نشاطكم للعبادة، فإن الدوام لا تطيقونه، واستعينوا بها على تحصيل السداد كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار دائمًا عجز وانقطع عن مقصده، وإذا سار في هذه الأوقات حصل مقصوده من غير مشقة ظاهرة، وهذه أفضل أوقات المسافر للسير، فاستعيرت لأوقات النشاط، وفراغ القلب للطاعة. انتهى.
وقال الخطابي: معناه: الأمر بالاقتصاد في العبادة؛ أي: لا تستوعبوا الأيام ولا الليالي كليهما، بل اخلطوا طرف الليل بطرف النهار، وأجموا أنفسكم فيما بينهما؛ لئلا ينقطع بكم انتهى.
قوله: (( أجموا أنفسكم ) )بالجيم؛ أي: اتركوها من جمام الفرس بالفتح وهو راحته.
قال الكرماني: ومحصله: كونوا مصيبين في الأعمال، متوسطين فيها، مستبشرين بالثواب، مستعينين بالأوقات المنشطة للعمل. انتهى.
وأقول: مفعول مصيبين محذوف؛ أي: مصيبين الأوقات الفاضلة في الأعمال.
وقال في (( الفتح ) ): وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة. انتهى.
والظاهر: أن هذه الاستعارة تمثيلية، فكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرًا إلى مقصد، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر، فسار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة.
وقال العارف ابن أبي جمرة: استعينوا بالغدوة؛ أي: صلاة الضحى، والروحة؛ أي: الصلاة التي بين الظهر والعصر، والدلجة؛ أي: قيام آخر الليل، وعم صلى الله عليه وسلم الأولين، وجعل من الثالث الشيء؛ لأن هذين الوقتين قريبان محدودان، وآخر الليل غير محدود وهو وقت نوم وأعذار، والنهار ليس كذلك فوسع فيه الحال في ذلك. انتهى.
وقال الكرماني: فإن قلت: كيف يدل الحديث على الشق الثاني من الترجمة وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم؟.
قلت: المحبة والعداوة بالنسبة إلى الله تعالى، إما مجاز عن الاستحسان والاستقباح، يعني: أحسن الأديان هو الملة الحنيفية، والحديث دل على الحسن حيث أمر بها بلفظ: (( سددوا وقاربوا ) )والمأمور به سواء كان واجبًا أو مندوبًا حسن، وإما أنه أحسن فلأن غيره من الأديان يغلب الشخص ويقهره، وإما أن تكون المحبة حقيقة عن إرادة إيصال الثواب عليه، وذلك المأمور واجب أو مندوب، إذ لا ثواب في غيره، هذا ما أمكن فيه بيان المناسبة. انتهى.
ورواة هذا الحديث ما بين مدني وبصري، وفيه التحديث والعنعنة.
وأخرج المؤلف طرفًا منه في الرقاق، وأخرجه النسائي.