53 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ) بفتح الجيم وإسكان المهملة، أبو الحسن بن عبيد الجوهري البغدادي، ثقة، ثبت.
قال في (( التقريب ) ): رمي بالتشيع، مات سنة ثلاثين ومائتين.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) بفتح الجيم والراء المهملة، نصر بن عمران الضبعي البصري، سمع ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وخلقًا من التابعين، وعنه: أيوب وغيره من التابعين، مات بسرخس، وقيل: بالبصرة سنة ثمان وعشرين ومائة.
(قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ) مضارع قعد، وإنما عبر بالمضارع مع أن القصة ماضية حكاية للحال الماضية، واستحضارًا لتلك الصورة للحاضرين، وكذا قوله: يجلسني (مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما في زمن ولايته البصرة من قبل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (يُجْلِسُنِي) بضم التحتية بدون فاء في اليونينية وفرعها، لكن في هامشها: بزيادة فاء للعطف على أقعد؛ أي: يرفعني.
(عَلَى سَرِيرِهِ) بعد أن أقعد، والظاهر: أنه كان يقعد أولًا على غير السرير تأدبًا مع ابن عباس، ثم يشير
ج 1 ص 366
إليه بالجلوس على السرير، فيجلس معه عليه فوجه عطف يجلسني على أقعد بالفاء على رواية ثبوتها حينئذ ظاهر، فلا حاجة إلى تكلف غيره، والسرير: معروف، وجمعه: أسرة وسُرُر بضمتين وجاء فتح الراء، قيل: مأخوذ من السرور؛ لأنه مجلس السرور.
قال ابن الملقن: ويجوز فتح الثاني في كل مضعف كجديد وجدد، والضم أشهر. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): وقد بين المصنف في العلم من رواية غندر عن شعبة السبب في إكرام ابن عباس له ولفظه: (( كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ) ).
قال ابن الصلاح: وأصل الترجمة التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ذلك، فإنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه، ويبلغه كلامهم إما لزحام أو لقصور فهم.
قلت: الثاني أظهر؛ لأنه كان جالسًا معه على سريره، فلا فرق في الزحام بينهما إلا أن يحمل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها.
وقال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد.
قلت: وقد بوب عليه البخاري في آخر كتاب الأحكام كما سيأتي. انتهى.
(فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي) لتساعدني بترجمتك عني (حَتَّى) تعليلية؛ أي: لأجل أن (أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا) بفتح السين؛ أي: نصيبًا من مالي، وظاهر التعبير بالفاء هنا مع بيان السبب في كتاب العلم أن جعل السهم له أجرة على الترجمة، ويتضح حينئذ استنباط ابن التين منه جواز أخذ الأجرة على التعليم.
لكن قال في (( الفتح ) ): وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف صريحًا في الحج. انتهى.
وعبارة المصنف في الحج: قال أبو جمرة: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيه جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم.
قال: فكأن ناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس، فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم انتهت.
وأقول: لا يخفى بُعد هذا الاحتمال؛ لأن الرؤيا كانت بمكة، وما هنا وقع بالبصرة زمن ولايته، فلو كان الجعل لأجل الرؤيا؛ لكان متعقبًا إياها، ولكان شيئًا معلومًا لا سهمًا من ماله مبهمًا، وأيضًا ترتيب ذلك على قوله: أقم عندي قرينة على أنه لأجل الإقامة لا للرؤيا، فليتأمل.
(فَأَقَمْتُ مَعَهُ) أي: عنده (شَهْرَيْنِ) وإنما عبر بمعه دون عنده مع أنه المطابق لقوله: أقم عندي؛ ليفيد أنه كان في مدة إقامته مصاحبًا له، ولفظ عنده لا يفيد ذلك لجواز أن يقيم عنده، ولا يكون في صحبته.
والظاهر: أن هذه الإقامة كانت بالبصرة؛ لما تقدم أن هذه القصة كانت في مدة ولايته على البصرة، فما وقع في القسطلاني: أنها كانت بمكة بعيد، ولعله اشتباه من قضية الرؤيا المتقدمة.
(ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عباس (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ) قال في (( الفتح ) ): بين مسلم من طريق غندر عن شعبة السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث فقال بعد قوله: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر فنهى عنه، فقلت: يا ابن عباس إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا، فأشرب منه فتقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل.
وللمصنف في آخر المغازي من طريق فروة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة أنتبذ فيها فأشربه حلوًا إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشية أن أفتضح، فقال: قدم وفد عبد القيس، فلما كان أبو جمرة من وفد عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار ناسب أن يذكره له، وفيه دليل على أن ابن عباس لم يبلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديث بريدة بن الحصيب عند مسلم وغيره.
قال القرطبي: فيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. انتهى.
وعبد القيس أبو قبيلة وهو ابن أَفْصَ بفتح الهمزة وسكون الفاء وبالصاد المهملة المفتوحة
ج 1 ص 367
ابن دَعْمي بفتح الدال المهملة وسكون العين المهملة وبياء النسبة ابن جَديلة بفتح الجيم ابن أسد بن ربيعة بن نزار، كانوا يسكنون البحرين، وحوالي القطيف والأحساء، وما بين هجر إلى الديار المصرية، كان وفدهم أربعة عشر راكبًا من رؤسائهم، كبيرهم الأشج واسمه: المنذر، والباقي تبع لهم، فلا ينافي ما رواه الدولابي وغيره من طريق أبي خَيْرَة بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وبعد الراء هاء الصُّبَاحي بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة المخففة نسبة إلى صباح بطن من عبد القيس قال: (( كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا فنهانا عن الدباء والنقير ) )الحديث هذا ما جمع به في (( الفتح ) ).
وقال: قال النووي: الوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء واحدهم: وافد قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا كبيرهم الأشج، ذكره صاحب (( التحرير ) )في (( شرح مسلم ) ).
وسمى منهم المنذر بن عائذ، وهو الأشج المذكور، وسمى بعده جماعة ثم قال: وما ذكر؛ أي: النووي من أن الوفد كانوا أربعة عشر لم يذكر دليله.
وفي (( المعرفة ) )لابن منده من طريق هود العَصَري وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة إلى عصر بطن من عبد القيس عن جده لأمه مزيدة قال: (( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه، إذ قال: سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر فلقي ثلاثة عشر راكبًا فرحب وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس ) )، فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مرتدفًا انتهى.
(لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أي: عام الفتح سنة ثمان، وكان سبب مجيئهم كما ذكره العيني: أن منقذ بن حيان أحد بني غنم بن وديعة كان يتجر إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد الهجرة، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فنهض منقذ إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أمنقذ بن حيان؟ كيف جمع قومك ) )ثم سأله عن أشرافهم ليسميهم، فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة وسورة اقرأ، ثم رحل إلى هجر، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا فكتمه أيامًا، ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذر بن عائذ، وهو الأشج المذكور، وكان منقذ يصلي ويقرأ فقالت زوجته لأبيها الأشج: إني أنكرت فعله منذ قدم من يثرب إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة تعني الكعبة، فيحني ظهره مرة، ويقع أخرى فتلاقيا وتحادثا، فوقع الإسلام في قلب الأشج، ثم ثار إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار الوفد فلما دنوا من المدينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق، وفيهم الأشج العصري غير ناكبين ولا مبدلين ولا مرتابين، إذ لم يسلم قوم حتى وتروا ) ). انتهى.
(قَالَ) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ قال مَنِ الْوَفْدُ) شك من شعبة أو من أبي جمرة.
قال في (( الفتح ) ): وأظنه شعبة فإنه في رواية قرة وغيره بغير شك، وأغرب الكرماني فقال: الشك من ابن عباس.
(قَالُوا: نحن رَبِيعَةُ) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن نزار بن معد بن عدنان سميت به القبيلة، وإنما قالوا: ربيعة؛ لأن عبد القيس من أولاده، والتعبير عنهم بربيعة من إطلاق اسم الكل على البعض؛ لأنهم بعض ربيعة، ويدل عليه ما عند المصنف في الصلاة إن هذا الحي من ربيعة (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ قال بِالْوَفْدِ) يجري في الشاكِّ هنا نظير ما تقدم آنفًا.
ومرحبًا: قال العيني: هو اسم وضع موضع الترحيب، وانتصابه على المصدرية من رحبت الأرض ترحب من باب كرم يكرم رُحبًا بضم الراء: إذا اتسعت.
قال سيبويه: هو من المصادر النائبة عن أفعالها، تقديره: رحبت بلادك رحبًا.
وقال غيره: هو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره يستعمله العرب كثيرًا، ومعناه: صادفت رحبًا؛ أي: سعة فاستأنس ولا تستوحش.
وفي (( العباب ) ): والعرب تقول: أيضًا مرحبك الله ومسهلك، ومرحبا بك الله ومسهلًا.
وقال
ج 1 ص 368
العسكري: أول من قال مرحبًا سيف بن ذي يزن. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): فيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أم هانئ: (( مرحبًا بأم هانئ ) )، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل: (( مرحبًا بالراكب المهاجر ) )، وفي قصة فاطمة رضي الله عنها: (( مرحبًا بابنتي ) )، وكلها صحيحة.
وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثي عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما دخل فسلم عليه: (( مرحبًا، وعليك السلام ) ).
(غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى) غير بالنصب على الحال.
قال النووي: وهو المعروف، وبالجر على الصفة، وخزايا جمع خزيان من الخزي، وهو الاستحياء من خزى يخزي من باب علم يعلم خزاية؛ أي: استحيا فهو خزيان، وقوم خزايا، وامرأة خزياء، وكذلك خزي يخزى من هذا الباب بمعنى ذل وهان، ومصدره: خزي.
وقال ابن السكيت: وقع في بلية، وأخزاه الله، والمعنى هاهنا على هذا يعني غير أذلاء مهانين، كذا في العيني.
وندامى: جمع ندمان بمعنى نادم، فقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما أنه يقال: نادم وندمان في الندامة، فجمعه على ما ذكر على الأصل ولا اتباع فيه.
وفي (( المصابيح ) ): قال الزركشي: هو من باب الاتباع كالغدايا والعشايا؛ لأن ندامى جمع ندمان من المنادمة لا من الندم.
قلت: في (( الصحاح ) ): ورجل ندمان؛ أي: نادم، وكذا في (( جامع القزاز ) )على ما حكاه السفاقسي، وحينئذ فيكون جاريًا على الأصل. انتهى.
ورواه النسائي والطبراني بلفظ: (( مرحبًا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين ) )، وفي رواية لمسلم: (( غير خزايا ولا الندامى ) )باللام في الندامى، وفي أخرى له: (( غير الخزايا ولا الندامى ) ). ولا يرد على هذه الرواية أن غيرًا مضاف إلى معرفة، فكيف تقع حالًا؟
لأن شرط تعريفها أن تقع بين ضدين، وهنا ليس كذلك، ومعنى الحديث: أنه لم يقع منكم ما تستحيون منه، أو تذلون، أو تفتضحون بسببه، أو تندمون عليه؛ لأنكم لم تتأخروا عن الإسلام ولم يصبكم قتال ولا سبي ولا أسر ولا غيرها مما تلامون عليه.
وفيه: دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمن عليه الفتنة، وعلى حصول الخير لهم عاجلًا وآجلًا.
قال العارف ابن أبي جمرة: بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا، فإن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها.
(فَقَالُوا) أي: الوفد، وللأصيلي: بدون فاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم كفار مضر وفي قولهم: الله ورسوله أعلم، كذا في (( الفتح ) ).
وأقول: يعكر عليه ما في آخر الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: (( أتدرون ما الإيمان بالله وحده ) )، وجوابهم له بقولهم: الله ورسوله أعلم؟ فإن مثل هذه المقالة لنفي العلم عرفًا، وذلك يقتضي أنه لم يكونوا عالمين بالإيمان، فكيف يكونون حين المقالة مسلمين، ويمكن الجواب بأنهم إنما قالوا ذلك: أدبًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو لاحتمال أن يظهر لهم من كلامه أمر آخر زائد على ما في علمهم من أمر الإيمان القابل للزيادة، فيتمسكون به زيادة على ما في علمهم من أمره المقرر عندهم، فليتأمل.
(إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ) أي: من منازلنا (إِلاَّ فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ) وللأصيلي وكريمة: وهي رواية مسلم أيضًا، وهو من إضافة الاسم إلى صفته بحسب الظاهر كمسجد الجامع، ونساء المؤمنات، ولكنه مأول تقديره: إلا في شهر الوقت الحرام ومسجد الوقت، أو المكان الجامع.
وقال في (( الفتح ) ): هو من إضافة الشيء إلى نفسه.
وتعقبه العيني فقال: إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز كما عرف في موضعه. انتهى.
وأقول: مراد صاحب (( الفتح ) ): أنه من إضافة الشيء إلى نفسه بحسب الظاهر، وقيل: التأويل فإن الصفة عين موصوفها، ومن ذلك إضافة الاسم إلى اللقب كسعيد كرز، فإنه من إضافة الشيء إلى نفسه بحسب الظاهر، ولكنهم أولوه بأن المراد من الأول المسمى، ومن الثاني الاسم؛ أي: جاء مسمى هذا الاسم، وكذا نظائره.
قال ابن مالك في (( الخلاصة ) ):
~ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهمًا إذا ورد
والمراد بالشهر الحرام: الجنس، فيشمل الأربعة الحرم.
قال في (( الفتح ) ): ويؤيده رواية قرة عند المؤلف في المغازي بلفظ: (( إلا في أشهر الحرم ) )، ورواية حماد بن زيد عنده في المناقب بلفظ: (( إلا في كل شهر حرام ) )، وقيل: اللام للعهد، والمراد: شهر رجب.
وفي رواية البيهقي: التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب
ج 1 ص 369
فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة حيث قال: رجب مضر كما سيأتي.
والظاهر: أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخر، إلا أنهم ربما نسوها بخلافه. انتهى.
وقد اختلف فيما يبدأ به عند عدها.
قال النووي في (( شرح مسلم ) ): هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء من أصحاب الفنون، ولكن اختلفوا في المستحسن في عدها على قولين:
أحدهما: أنه يقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة والكتاب يميلون إلى هذا القول؛ ليأتوا بها من سنة واحدة، وأهل المدينة يقولون: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وهو الأولى والاختيار وإن أنكره قوم؛ لأن الأخبار قد تظاهرت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وسميت بذلك؛ لحرمة القتال فيها في الجاهلية وصدر الإسلام ثم أبيح فيها أيضًا.
(وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ) الجملة في محل نصب على الحال، وأشاروا إلى الحي باسم الإشارة القريب؛ لتنزيلهم إياه منزلة المشاهد المحسوس، وهو في الأصل اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت به مجازًا مرسلًا، ثم اشتهر حتى صار حقيقة عرفية، وكلمة من في قولهم: (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) للبيان.
ومُضَر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي بتأويل القبيلة، وقيل: للعدل وفيه نظر؛ لأن العدل لا يعدل إليه إلا عند تعذر غيره، ومضر: أبو هذه القبيلة هو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ويقال لها: مضر الحمراء، ولأخيه ربيعة الفرس؛ لأنهما لما اقتسما الميراث أعطى مضرًا الذهب، وربيعة الخيل، وكفار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة، ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم، وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الحرم؛ لامتناعهم من القتال فيها، كذا في العيني.
ولمضر وربيعة أخوان آخران: أحدهما: إياد، والثاني: أنمار، وذلك أن نزارًا لما حضرته الوفاة جمع بنيه الأربعة، وقال: يا بني هذه القبة الحمراء، وكانت من أدم لمضر، وهذا الفرس الأدهم، والخباء الأسود لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء لإياد، وهذه البدرة والمجلس؛ لأنمار يجلس فيه، فإن أشكل عليكم كيف تقتسمون فأتوا الأفعى الجرهمي، فتشاجروا في ميراثه فأتوه وأخبروه بما أوصى به والدهم، فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر فذهب بالدنانير والإبل الحمر فسميت مضر الحمراء لذلك، وأما صاحب الفرس الأدهم فله كل شيء أسود فصارت لربيعة الخيل الدهم فقيل: ربيعة الفرس، وما أشبه الخادم الشمطاء فهو لإياد فصارت له من الماشية والنقد البلق، فسميت إيادًا الشمطاء، وقضى لأنمار بالدارهم وبما فضل فسميت أنمار الفضل، ولهم مع الأفعى قصة غريبة ذكرها الميداني في (( مجمع الأمثال ) ).
(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) أصل مر أؤمر بهمزتين قلبت ثانيتهما واوًا وجوبًا إذا ابتدئ به؛ لثبوت همزة الوصل في الابتداء، فيجتمع في أول الكلمة همزتان، ثانيتهما ساكنة فقلبت الثانية واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، ثم إنه يجوز حذف الهمزة الثانية تخفيفًا فسقط همزة الوصل للاستغناء عنها؛ لأن ما بعدها صار حرفًا متحركًا فيصير مر على زنة عل وفَصْل بإسكان الصاد بعد الفاء المفتوحة مصدر بمعنى اسم الفاعل نعتًا لأمر؛ أي: أمر فاصل بين ما يجب علينا وما لا يجب، أو بمعنى اسم المفعول؛ أي: أمر مفصول عن الاشتباه بغيره يتبينه كل من يخاطب به، ويجوز أن يكون باقيًا على مصدريته، ووصف به الأمر مبالغة.
(نُخْبِرْ بِهِ) بالجزم كما في اليونينية وفرعها؛ لأنه جواب الأمر، وبالرفع في غيرهما على أن الجملة صفة أمر (مَنْ وَرَاءَنَا) لفظ وراءنا ظرف وقع صلة لمن إن كانت موصولة وصفة إن كانت موصوفة، والمراد: بمن وراءهم قومهم الذين خلفوهم في بلادهم.
وقال الكرماني: قوله: (( من وراءنا ) )أي: بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة، ويحتمل أن يراد بحسب الزمان؛ أي: أولادنا وأخلافنا.
والظاهر: أن المراد به قومهم، وفي بعض
ج 1 ص 370
الروايات: بكسر الميم وفيه الوجوه الثلاثة أيضًا. انتهى.
ومراده بالأوجه الثلاثة: ما تقدم في معنى الوراء على تقدير كون من موصولة وهو الأمكنة البعيدة، أو الأزمنة البعيدة، أو القوم البعيدون، فتكون من بكسر الميم على هذه الرواية؛ لابتداء الغاية في الأمكنة على الاحتمال الأول نحو قوله تعالى: {مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء:1] ، ولابتداء الغاية في الأزمنة على الاحتمال الثاني نحو قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة:108] ، ولغيرهما: على الاحتمال الثالث نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (( من محمد رسول الله ) )، فتأمل ذلك، فإنه دقيق.
وقد خفي مراد الكرماني على العلامة العيني، ووقع له رحمه الله تعالى وهم في إعراب من وراءنا فقال: كلمة من موصولة في محل الرفع على الابتداء، وقوله: وراءنا خبره، والجملة في محل النصب على أنها مفعول نخبر. انتهى.
والصواب: أن من في محل نصب مفعول نخبر، ووراءنا صلة الموصول، وهذا أمر لا يخفى على صغار الطلبة، فسبحان من لا يسهو ولا يغفل.
(وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ) يجري فيه الجزم والرفع على ما تقدم.
وفي (( الفتح ) ): بالرفع فيهما على الصفة لأمر، وبالجزم فيهما على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو من (( وندخل ) )في بعض الروايات، فيرفع نخبر ويجزم ندخل. انتهى.
أي: لأن نخبر تعين للوصفية كما أن ندخل تعين؛ لكونه جواب الشرط؛ لفقد حرف العطف؛ لأن الأول لو كان مجزومًا على أنه جواب الشرط لم يجز في الثاني الجزم؛ لعدم الربط بينهما بحرف العطف، بخلاف ما لو كان الأول مرفوعًا على الصفة لأمر فإن الثاني يتعين للجوابية.
وأقول: يمكن العكس بأن يجزم الأول على جواب الشرط، ويرفع الثاني على الاستئناف البياني وإن كان بعيدا، فليتأمل.
(وَسَأَلُوهُ) أي: سأل الوفد المذكور النبي صلى الله عليه وسلم (عَنِ حكم الأَشْرِبَةِ) من حيث إنها تنتبذ في الأواني الآتية فيكون المحذوف المضاف إلى الأشربة وصفتها.
واقتصار العيني على حذف الصفة استرواح؛ لأن السؤال عن حكم الأشربة لا عن نفسها، أو سألوه عن حكم ظروف الأشربة من حيث الانتباذ فيها، ففيه حذف مضافين ووصف، واقتصر العيني على حذف المضاف.
(فَأَمَرَهُمْ) أي: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الوفد المذكور (بِأَرْبَعٍ) قال في (( الفتح ) ): أي: بأربع خصال أوجمل لقولهم حدثنا بجمل من الأمر، وهي رواية قرة عند المؤلف في المغازي (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا عن قوله: فأمرهم بأربع، فكأنه قيل: ما الأربع التي أمرهم بها؟ فقال: أمرهم بالإيمان ... إلخ، ولذا حذف العاطف، واستشكل كيف قال: أمرهم بأربع، ثم قال: أمرهم بالإيمان إلى آخره.
وأجيب: بأن الإيمان لما كان له أربعة أجزاء صح إطلاق الأربع عليه، واستشكل أيضًا بأنه ذكر خمسة، فكيف قال: أمرهم بأربع؟.
قال في (( الفتح ) ): قال القرطبي: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا بهما كما قيل في قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41] .
وإلى هذا نحا الطيبي فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا؛ لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام.
قال: فلهذا لم يعد الشهادتين في الأوامر، قيل: ولا يرد على هذا الإتيان بحرف العطف، فيحتاج إلى التقدير.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا: أن ذكر الشهادتين ورد على سبيل التصدير، لكن يقرأ قوله: وإقام الصلاة بالخفض فيكون عطفًا على أمرهم بالإيمان مصدرًا به، وبشرطه من الشهادتين وأمرهم بإقام الصلاة ... إلخ.
قال: ويؤيد هذا حذفهما في عبارة المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة ولفظه: (( أربع وأربع أقيموا الصلاة ) )... إلخ.
فإن قيل: ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان، والتقرير المذكور يخالفه.
أجاب ابن رشد:
ج 1 ص 371
بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا: بأشياء منها أداء الخمس والأعمال التي تدخل الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقريب.
فإن قيل: كيف قال في رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة: (( آمركم بأربع الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة ) )كذا للمؤلف في المغازي، وله في فرض الخمس وعقد بيده، فدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وأما ما وقع عنده في الزكاة من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: وشهادة أن لا إله إلا الله فهي زيادة شاذة لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد.
والمراد بقوله: شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي: وأن محمدًا رسول الله كما صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت ولفظه: (( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله ) )ثم فسرها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله الحديث، والاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله على إرادة الشهادتين معًا؛ لكونها صارت علمًا على ذلك كما تقدم تقريره في باب زيادة الإيمان.
وهذا أيضًا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع؛ لأنه أعاد الضمير في قوله: ثم فسرها مؤنثًا فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا.
وعلى هذا: فكيف قال: أربع، والمذكورات: خمس؟.
وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعًا لابن بطال: بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين.
قال: ولذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فرض.
وقال غيره: قوله: وأن تعطوا معطوف على قوله: بأربع؛ أي: آمركم بأربع، وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بأن والفعل مع توجه الخطاب إليهم.
قال ابن التين: لا تمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع.
قلت: ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة: (( آمركم بأربع اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من المغانم ) ).
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: يحتمل أن يقال: أنه عد الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله تعالى، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة.
والجامع بينهما: أنهما إخراج مال معين في حال دون حال.
وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا، كذا قال.
وما ذكر أنه الظاهر لعلة بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة إحدى الأربع لقوله: وعقد واحدة، وكأن القاضي أراد أن يرفع الإشكال من كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربعًا.
وقد أجيب عن ذلك: بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في ذاته واحد، والمعنى: أنه اسم جامع للخصال التي ذكر أنهم يأمرهم بها، ثم فسرها فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته، والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل ثم تسكن إليه، وأن يتحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع. انتهى.
(قَالَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (أَتَدْرُونَ) أي:
ج 1 ص 372
أتعلمون (مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي تدرون لوجود المعلق وهو ما الاستفهامية (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) فيه دليل على أن المسئول إذا لم يعلم الحكم ينبغي له أن يرد العلم إلى الله ورسوله ولا يجيب بمجرد الظن الخالي عن الدليل (قَالَ) صلى الله عليه وسلم هو (شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف.
قال القسطلاني: ويجوز جره على البدلية وفيه بعد للفصل بالسؤال والجواب.
قال في (( الفتح ) ): وأما ما وقع عند المؤلف في الزكاة من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله وشهادة أن لا إله إلا الله فهي زيادة شاذة لم يتابع عليها حجاج بن منهال أحد.
والمراد بقوله شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي: وأن محمدًا رسول الله كما صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت ولفظه (( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله ثم فسرها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) )الحديث.
والاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله على إرادة الشهادتين معًا؛ لكونها صارت علمًا على ذلك كما تقدم تقريره في باب زيادة الإيمان، وهذا أيضًا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع؛ لأنه أعاد الضمير في قوله ثم فسرها مؤنثًا فيعود على الأربع ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا. انتهى.
أقول: صريح كلامه يدل على عدم ذكر وأن محمدًا رسول الله في هذا الحديث، والذي رأيناه في القسطلاني والعيني وفي نسخة قديمة معتمدة: ذكرها فلعل ذلك لاختلاف الروايات، فليتأمل.
(وَإِقَامُ الصَّلاَةِ) أي: المفروضة ويحتمل العموم (وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ) وجاء في بعض طرق هذا الحديث: حذف الصوم.
قال ابن الملقن نقلًا عن القاضي عياض: هو إغفال من الراوي.
(وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ) بضمتين، ويجوز إسكان عينه تخفيفًا وكذا نظائره من الثلث والربع إلى العشر، وعدل عن المصدر الصريح إلى المصدر المؤول إشعارًا بالتجدد والحدوث؛ لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل بخلاف إعطاء الخمس.
وفيه: دليل على اتحاد الإيمان والإسلام؛ لأنه فسر الإيمان بمعنى الإسلام، واستشكل عدم ذكر الحج لهم مع أنه من أركان الإيمان بمعنى الإسلام.
وأجيب: بوجوه: أرجحها: أنه إنما لم يذكر؛ لأنه لم يكن فرض.
قال في (( الفتح ) ): وهو المعتمد وقد قدمنا الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزم القاضي: بأن قدومهم كان سنة ثمان عام فتح مكة، تبع فيه الواقدي وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شيء.
وقد احتج الشافعي؛ لكونه على التراخي بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع ولم يحج إلا في سنة عشر، وأما قول من قال: إنما تركه لشهرته عندهم فليس بقوي؛ لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم.
وكذا قول من قال: إن ترك ذكره؛ لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار؛ ليعمل به
ج 1 ص 373
عند الإمكان كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها.
لكن يمكن أن يقال: أنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في هذه الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها. انتهى.
ثم قال ما حاصله: أنه لم يقع للحج ذكر من رواية أبي جمرة أصلًا لا عند الشيخين، ولا عند من استخرج عليهما، ولا عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان ولا غيرهم.
وأما ما وقع في الصيام من (( السنن الكبرى ) )للبيهقي من طريق أبي قلابة الرقاشي من ذكره بلفظ: (( وتحجوا البيت الحرام ) )، ولم يتعرض لعدد فهي رواية شاذة لم يذكرها أحد ممن ذكر، وأبو قلابة المذكور تغير في آخر عمره، فلعله حدث به بعد التغير، وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة، وقد ورد ذكر الحج في مسند الإمام أحمد من رواية أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عكرمة عن ابن عباس في قصة وفد عبد القيس.
وعلى تقدير أن يكون الحج فيه محفوظًا فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس. انتهى.
ثم عطف على قوله: أمرهم بالإيمان بالله وحده قوله: (وَنَهَاهُمْ عن أربع عَنْ الْحَنْتَمِ) بفتح الحاء المهملة والنون الساكنة وبفتح الفوقية واحده: حنتمة، وهو الجرار الخضر، قاله أبو هريرة وعبد الله بن مغفل.
قال النووي: وبه قال الأكثرون من أهل اللغة، وغريب الحديث، والمحدثين والفقهاء.
وقال أنس بن مالك: جرار يؤتى بها من مضر مقيرات الأجواف؛ أي مطلية أجوافها بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره؛ لينسد مسام الخزف، ولها تأثير في الانتباذ كالمزفت.
وقالت عائشة رضي الله عنها: جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر.
وقال عطاء: جرار تعمل من طين ودم وشعر.
وقال ابن أبي ليلى: جرار أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها مضاهاة للخمر.
وقال ابن عمر: الجرار كلها، وبه قال ابن جبير وأبو سلمة.
قال في (( الفتح ) ): هذا في جواب قوله وسألوه عن الأشربة وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال؛ أي: ما في الحنتم ونحوه وصرح بالمراد في رواية النسائي من طريق قرة فقال: (( وأنهاكم عن أربع ما ينبذ في الحنتم ) )الحديث.
(وَالدُّبَّاءِ) بضم الدال المهملة وقد تكسر وتشديد الموحدة والمد، وقد تقصر: القرع، ويقال له: اليقطين والمراد اليابس منه (وَالنَّقِيرِ) بفتح النون وكسر القاف وبالتحتية والراء فعيل بمعنى مفعول، وهو أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء، لكن ثبت في (( صحيح مسلم ) )في رواية له: (( أنه جذع ينقر وسطه وينبذ فيه ) ).
(وَالْمُزَفَّتِ) بالزاي والفاء المشددة المفتوحتين؛ أي: الإناء المطلي بالزفت؛ أي: القار كما أشار إليه بقوله: (وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ) ويقال له: القير أيضًا، وهو نبت يحرق إذا يبس ويطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت، قاله صاحب (( المحكم ) )، كذا في (( الفتح ) ).
وهو يقتضي أنه غير الزفت، وصحح النووي: أنهما شيء واحد، وقال: قد صح عن ابن عمر أنه قال: المزفت هو المقير.
قال في (( الفتح ) ): وفي (( مسند الطيالسي ) )عن أبي بكرة قال: أما الدباء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع، فيخرطون فيه العنب، ثم يدفنونه حتى يهدر، ثم يموت، وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت،
ج 1 ص 374
وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت. انتهى.
وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنه يسرع إليها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر، كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى. انتهى.
وقال النووي في (( شرح مسلم ) ): معنى النهي عن هذه الأربعة أنه نهى عن الانتباذ فيها بأن يجعل في الماء شيء من تمر أو زبيب أو نحوهما فيشرب، وإنما خصت بالنهي؛ لأنه يسرع إليها الإسكار فيها فيصير حرامًا نجسًا، وتبطل ماليته فنهى عنه لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه، ثم هذا النهي كان أولًا، ثم نسخ بما رواه مسلم في (( صحيحه ) )من حديث بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا ) ).
هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء.
وقال قوم: التحريم لم ينسخ، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وهو مروي عن عمر وابن عباس. انتهى.
لكن قال في (( المصابيح ) ): قلت: إنما مذهب مالك كراهة ذلك لا تحريمه هذا الذي عليه الفتوى عند علمائنا. انتهى.
(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (احْفَظُوهُنَّ) أي: هذه الخصال من المأمورات والمنهيات (وَأَخْبِرُوا) بقطع الهمزة (بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ) من بفتح الميم موصولة أو موصوفة مفعول به لأخبروا، ووراءكم ظرف مستقر صلة أو صفة.
قال في (( الفتح ) ): ووراءكم يشمل من جاؤوا من عندهم وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالهما في المعنيين حقيقة ومجازًا. انتهى.
وأقول: بناه على مذهبه من جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز وعند من يمنع ذلك كالحنفية يحمل على عموم المجاز.
وفي العيني: ورواية البخاري بفتح (( من ) )وكذا رواية مسلم من طريق ابن المثنى وغيره، ووقع له من طريق ابن أبي شيبة: (( من ورائكم ) )بكسر الميم والهمزة. انتهى.
وحينئذ فالظرف صفة لموصوف محذوف؛ أي: أناسًا من ورائكم، وقد اشتمل هذا الحديث على فوائد:
منها: استحسان وفادة الرؤساء إلى الأئمة عند عروض الأمور المهمة.
ومنها: جواز أخذ الأجرة على التعليم.
ومنها: جواز استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم كما فعله ابن عباس رضي الله عنهما.
ومنها: استحباب الترحيب بالزائر.
ومنها: حث الناس على تبليغ العلم.
ومنها: عدم كراهة إطلاق رمضان من غير تقييد بالشهر.
ومنها: ندب العالم إلى إكرام الفاضل.
ومنها: جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمن عليه من الإعجاب والافتتان.
ومنها: كون الإسلام والإيمان واحدًا؛ لأنه فسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام فيما مضى.
ومنها: أن العمل الصالح يكون سببًا لدخول الجنة إذا كان مقبولًا.
ومنها: قبول خبر الواحد.
ومنها: وجوب الخمس في الغنيمة سواء قلت أم كثرت.
ومنها: أنه لا عتب على طالب العلم والمستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب.
ورواة هذا الحديث ما بين بغدادي وواسطي وبصري، واشتمل على التحديث، والإخبار والعنعنة.
وأخرجه المؤلف في عشرة مواضع هنا، وفي خبر الواحد، وكتاب العلم، وفي الصلاة، وفي الزكاة، وفي الخمس، وفي مناقب قريش، وفي المغازي، وفي الأدب، وفي التوحيد.
وأخرجه
ج 1 ص 375
مسلم في الإيمان وفي الأشربة، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، والنسائي في العلم والإيمان والصلاة.