وبالسند قال:
700 -701 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) : بسكون السين، وللأصيلي زيادة: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو) : بفتح العين؛ أي: ابن دينار (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) : رضي الله عنه (كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) : أي: العشاء الآخرة كما لمسلم (ثُمَّ يَرْجِعُ) : أي: من عند النبي صلى الله عليه وسلم (فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) : ولمسلم: فيصلي بهم تلك الصلاة، وللمصنف في الأدب فيصلي بهم الصلاة؛ أي: المذكورة.
وفي رواية للشافعي: ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة، وللحميدي: ثم يرجع إلى بني سلمة فيصليها بهم.
وفي رواية ابن عيينة: فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم أتى قومه فأمهم، وفي هذه الأحاديث رد على من زعم أن الصلاة التي كان يصليها بقومه غير التي كان يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم لإطلاقها في رواية لأحمد ثم يرجع فيؤمنا كرواية الباب.
وبنو سلمة قومه فلا منافاة بين روايتي الشافعي والحميدي.
وقال العيني: الجواب عن هذا الرد من وجوه الأول أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي صلى الله عليه وسلم وشرط ذلك علمه بالواقعة وجاز ألا يكون علم بها.
الثاني أن النية أمر باطن لا يطلع عليه إلا بإخبار الناوي ومن الجائز أن يكون معاذًا كأنه يجعل صلاته معه صلى الله عليه وسلم بنية النفل ليتعلم سنة القراءة منه وأفعال الصلاة ثم يأتي قومه فيصلي بهم صلاة الفرض.
الثالث: قال المهلب يحتمل أن حديث معاذ كان أول الإسلام وقت عدم القراء ووقت لا عوض للقوم من معاذ فكانت حال ضرورة فلا يجعل أصلًا يقاس عليه.
الرابع يحتمل أن معاذًا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار؛ أي: في المسجد بل يصلون في منازلهم فأخبر الراوي عن حال معاذ في وقتين لا في وقت واحد.
الخامس: أنه حديث منسوخ على ما نذكر إن شاء الله تعالى. انتهى.
وأقول: يرد على الأول أن تجويز عدم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم في غاية البعد وعلى الثاني ما رواه الشافعي والطحاوي من الزيادة في حديث الباب بلفظ وهي له تطوع ولهم فريضة، وعلى الثالث أن دعوى الضرورة غير مسلمة؛ لأن وجود من يحفظ الفاتحة وسورتين من قصار المفصل غير عزيز في الصحابة وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع شرعًا. نقله في (( الفتح ) )عن ابن دقيق العيد.
وعلى الرابع أنه بعيد جدًا لاسيما مع ما تقدم من قوله له تطوع ولهم فريضة، وعلى الخامس بأنه يلزم عليه إثبات النسخ بالاحتمال.
(قال) : أي: البخاري، وسقطت لغير أبوي ذر والوقت (وَحَدَّثَنِي) : بواو العطف والإفراد، ولأبي ذر والأصيلي: بلا عطف (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) : بفتح الموحدة وتشديد المعجمة (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو) : بن دينار (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) : استفاد بهذه الطريق التصريح بسماع عمرو من جابر كما استفيد بالأولى علو الإسناد.
(قَالَ) : جابر (كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) : وسقط لابن عساكر (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) : أي: بني سلمة بتلك الصلاة كما مر (فَصَلَّى) : أي: معاذ (الْعِشَاءَ) : أي: ثانيًا إمامًا بهم، ولأبي عوانة والطحاوي من طريق محارب عن جابر صلى بأصحابه المغرب وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي الزبير عنه وحمل على تعدد القصة كما يأتي أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا وإلا فما في الصحيح أصح. قاله في (( الفتح ) ).
ورده العيني فقال: رجال الطحاوي في روايته رجال الصحيح فمن أين تأتي الأصحية في رواية العشاء. انتهى.
وأجاب في (( الانتقاض ) )فقال: سند الطحاوي هو هذا قال حدثنا ثم بيض له فكأنه يريد بذلك ذكر سند الطحاوي ليبين أن فيهم من ليس من رجال الصحيح فليراجع سند الطحاوي وأين من يصلح أن يكون حكمًا بين
ج 2 ص 502
السندين فليتأمل.
(فَقَرَأَ) : أي: معاذ (بِالْبَقَرَةِ) : وفي نسخة: بحذف الباء؛ أي: شرع في قراءتها بعد الفاتحة ويدل له ما في مسلم فافتتح سورة البقرة.
قال ابن رجب: وفيه: دليل على أن الصحابة لم يكن من عادتهم قراءة بعض سورة في الفرض؛ فإن معاذًا لما افتتح البقرة علم الرجل أنه يكملها، فانصرف.
قيل: في حديث الباب رد على من كره أن يقال البقرة بدون سورة.
وأجيب باحتمال أنه من تصرف الرواة وإلا فقد روى مسلم كما مر بلفظ فافتتح سورة البقرة وبرواية الإسماعيلي فقرأ سورة البقرة.
وقيل: إن الاختلاف لتعدد القصة. انتهى.
وأقول: وعلى كل فالرد متوجه ووجود لفظ سورة في بعض الروايات لا يقتضي أنها مقدرة في الرواية الأخرى، ولا مانع من أن يكون لها عَلَمان سورة البقرة والبقرة كرمضان وشهر رمضان، ثم رأيت العيني جنح إلى ذلك فقال وقال بعضهم: الظاهر أن ذلك من تصرف الرواة.
قلت ليس ذلك من تصرف الرواة بل من تعدد القضية. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): في رواية محارب فقرأ بسورة الفاتحة أو النساء على الشك، وللسراج من رواية مسعر عن محارب فقرأ بالبقرة والنساء فإن ثبت احتمل أنه قرأ في الأولى بالبقرة وفي الثانية بالنساء، ولأحمد بسند قوي فقرأ اقتربت الساعة لكنها شاذة إلا إن حمل على التعدد.
(فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) : قال العيني: إما أن يراد به الجنس والمعرف تعريف الجنس كالنكرة في مؤداه فكأنه قال رجل أو يراد المعهود من رجل معين.
ووقع في رواية الإسماعيلي: فقام رجل وانصرف، وفي رواية سليم بن حبان: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، وفي رواية مسلم عن ابن عيينة: فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده.
قال بعضهم: هو ظاهر في أنه قطع الصلاة.
ونقل عن النووي: أنه قال قوله سلم دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر، قلت ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد بقوله ثم سلم وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة ومن أصحاب شيخه عمرو بن دينار وأصحاب جابر لم يذكروا السلام وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة [1] فقط ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفردًا. انتهى.
ولابن عيينة عند مسلم: فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده.
قال في (( الفتح ) ): وهذا ظاهر في أنه قطع الصلاة بخلاف باقي الروايات فإنها قد تدل على أنه قطع القدوة فقط، لكن ذكر البيهقي أن قوله: ثم سلم شاذة انفرد بها محمد بن عباد عن الحفاظ في روايته لها عن ابن عيينة.
وقال الرافعي في (( شرح المسند ) )في الكلام على رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده: هذا يحتمل من حيث اللفظ أنه قطع الصلاة وتنحى فاستأنفها لنفسه، لكنه ليس بمحمول عليه؛ لأن الفرض لا يجوز قطعه بعد الشروع انتهى.
قال في (( الفتح ) ): ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردًا.
ونازع النووي فيه فقال: لا دلالة فيه لما ذكروا بل في رواية أنه سلم دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها، فيدل على جواز إبطال الصلاة لعذر انتهى.
والمعتمد عند الشافعية جواز نية مفارقة المأموم للإمام بعذر وبغيره لكنها بغير عذر مفوتة لفضيلة الجماعة.
وقال الحنفية والمالكية في المشهور عنهم: لا يجوز ذلك لما فيه من إبطال العمل قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]
وقال ابن رجب: لو فارق المأموم بغير عذر، لم يجز في أصح الروايتين عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة ومالك. والثانية: يجوز، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وللشافعي فيه قولان. انتهى.
أقول: ونقل النووي في (( شرح المهذب ) )أنها ثلاثة فقال وفي المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها يجوز لعذر ولغيره، والثاني لا يجوز مطلقًا، والثالث يجوز لعذر ولا يجوز لغيره وتطويل القراءة عذر على الأصح. انتهى.
واختلف في اسم الرجل فقيل هو حَزْم بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ابن أبي بن كعب، ورواه ابن لهيعة عن جابر فسماه حازمًا وكأنه تصحيف. قاله في (( الفتح ) ).
وقال ابن الأثير: هو حَرَام بفتح الحاء والراء المهملتين ابن ملحان خال أنس وبه جزم الخطيب في (( المبهمات ) ).
قال في (( الفتح ) ): لكن لم أره منسوبًا في الرواية، ويحتمل أن يكون تصحف من حزم فتجتمع الروايات، كما يومئ إليه صنيع ابن عبد البر.
لكن روى أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسناد صحيح عن أنس قال: كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله الحديث.
والظاهر: أنه ابن ملحان وقيل غيره
ج 2 ص 503
ومحمل هذا الاختلاف في اسم الرجل على تعدد الوقائع كما قال ابن رجب.
(فَكَأَنَّ) : بالهمز وتشديد النون (مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ) : بفتح المثناة الفوقية آخره لام قبلها واو؛ أي: ذكره بسوء فقال كما في ابن حبان والمصنف في الأدب فقال: إنه منافق وللأربعة فكان معاذ ينال منه بلفظ كان التي هي فعل ناقص.
وينال: بمثناة تحتية وإسقاط الواو.
قال في (( الفتح ) ): وهذه تدل على كثرة ذلك منه بخلاف ما قبلها.
وللمصنف في الأدب وسليم بن حيان: فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق.
ولأبي الزبير وابن عيينة: فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه وكأن معاذ قال ذلك أولًا ثم قاله أصحاب معاذ للرجل.
(فَبَلَغَ) : ذلك المذكور من التناول والانصراف وتطويل معاذ الصلاة (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) : قال في (( الفتح ) ): بين ابن عيينة في روايته وكذا محارب وأبو الزبير أن الرجل هو الذي جاء واشتكى من معاذ، وفي رواية النسائي فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول الله عملت على ناضح لي فذكر الحديث، وكان معاذ سبقه بالشكوى، فلما أرسل إليه جاء فاشتكى من معاذ.
(فَقَالَ) : صلى الله عليه وسلم (فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ) : بفتح الفاء وتشديد الفوقية خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنت والجملة خبرية، وتحتمل الإنشائية بتقدير الاستفهام.
ويدل له رواية ابن عيينة أفتان أنت بهمزة الاستفهام الإنكاري فأنت فاعل بفتان وساد مسد خبره لاعتماده ويجوز أن يكون فتان خبرًا مقدمًا وأنت مبتدأ مؤخر.
(ثَلاَثَ مِرَارٍ) : ولابن عساكر: بتاء جمع المؤنث وفائدة التكرار التأكيد.
(أَوْ قَالَ) : أي: النبي صلى الله عليه وسلم وهو شك من الراوي وجعله الكرماني ومن تبعه من جابر ولا يتعين.
(فَاتِنًا، فَاتِنًا فاتنًا) : بنصب الثلاثة إما على الخبرية لتكون مقدرة أو على الحالية؛ أي: أنت اشتكيت حال كونك فاتنًا ويدل على تقدير بكونها في رواية أبي الزبير أتريد أن تكون فاتنًا ولأحمد يا معاذ لا تكن فاتنًا.
ووقع لغير الأربعة الرفع في فاتن الأخير بتقدير أنت والغرض من ذلك النهي عن التطويل.
والمراد من الفتنة هنا: أن تطويلك يكون سببًا لخروجهم من الصلاة وكراهتهم صلاة الجماعة ففي (( الشعب ) )للبيهقي بسند صحيح عن عمر أنه قال: لا تبغضوا إلى الله عباده يكون أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه.
وقال الداودي: يحتمل أن يريد بقوله فتان أي معذب لأنه عذبهم بالتطويل ومنه على ما قيل قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج:10]
(وَأَمَرَهُ) : أي: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا (بِسُورَتَيْنِ) : أي: بقراءتهما في صلاته (مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ) : قال الكرماني: والمفصل عبارة عن السبع الأخير من القرآن وهو من الحجرات، وقيل: من القتال وقيل من الفتح وقيل من ق سمي مفصلًا لكثرة الفواصل التي تقع بين آياته من التسمية.
وهو ثلاثة أقسام: طوال وقصار وأوساط فطواله كما في العيني: من الحجرات إلى البروج وأوساطه منها إلى الضحى وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن. انتهى.
وفي (( التنوير وشرحه ) ): طوال المفصل من الحجرات إلى آخر البروج ومنها إلى آخر لم يكن أوساطه ومنها إلى آخر القرآن قصاره، والمشهور من مذهب الشافعية أن الطوال من أول المفصل إلى سورة النبأ والأوساط منها إلى الضحى والقصار إلى آخر القرآن.
(قَالَ عَمْرٌو) : أي: ابن دينار الراوي عن جابر (لاَ أَحْفَظُهُمَا) : أي: لا أحفظ السورتين اللتين أمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا.
وقد يقال فيه إشارة إلى أن الشك السابق أيضًا من عمرو.
قال في (( الفتح ) ): وكأنه قال ذلك حال تحديثه لشعبة وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو اقرأ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس:1] ، و: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] .
وعليها تحمل أيضًا رواية مسلم من طريق ابن عيينة اقرأ بكذا واقرأ بكذا.
قال ابن عيينة: فقلت لعمرو إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: اقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى
ج 2 ص 504
وسبح اسم ربك الأعلى.
فقال عمرو نحو هذا وفي رواية الليث عند مسلم مع الثلاثة اقرأ باسم ربك زاد ابن جريج والضحى، وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة مع الثلاثة الأول والسماء ذات البروج والسماء والطارق.
وقال ابن الملقن: وفي رواية: (( وإذا السماء انفطرت ) )ولا منافاة بين هذه الروايات لأنها في وقائع متعددة وأيضًا يجوز أن يقع الأمر بالجميع موزعة على صلوات متعددة.
وقال في (( الفتح ) ): واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل؛ بناء على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل.
وأطال في الاستدلال على ذلك.
وقال العيني: استدل الشافعي بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناء على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل وبه قال أحمد في رواية واختاره ابن المنذر وهو قول عطاء وطاووس وسليمان بن حرب وداود.
وقال أصحابنا: لا يصلي المفترض خلف المتنفل، وبه قال مالك في رواية وأحمد في رواية أبي الحارث عنه.
وقال ابن قدامة: اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وقال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاووس.
وقال بعضهم: ويدل عليه؛ أي: على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم، من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد هي له تطوع ولهم فريضة وهو حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح.
الجواب عن هذا أن هذه زيادة قد ذكرنا ما قالوا فيها، ونقول أيضًا: إن معاذًا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل فأخبر الراوي في قوله فهي لهم فريضة وله نافلة بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد أو نقول هي حكاية حال لم نعلم كيفيتها فلا يعمل بها ويستدل بما في (( صحيح ابن حبان ) ): (الإمام ضامن) يضمنها صحة وفسادًا والفرض ليس مضمونًا في النفل.
وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف؛ لأنه كان يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته وتكون الثانية له نافلة وللطائفة الثانية فريضة.
وقال الطحاوي: لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقريره ورده بعضهم بقوله فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة والواقع هنا كذلك فإن الذين كانوا يصلي بهم معاذ كلهم صحابة وفيهم ثلاثون عقبيًا وأربعون بدريًا قاله ابن حزم.
قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز عمر وابنه وأبو الدرداء وأنس وغيرهم.
قلت: يستدل على ذلك بوجه حسن وذلك أن إسلام معاذ رضي الله عنه متقدم، وقد صلى النبي صلى الله عليه بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة، فيقال لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا يقع المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة وحيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: يلزم الطحاوي إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة.
قلت: كأنه لم يقف على كتابه فإنه قد ساق فيه دليل ذلك وهو حديث ابن عمر رفعه: (لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين) ومن وجه آخر مرسل أن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم ثم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه ذلك فنهاهم. انتهى.
ثم إن صاحب أول هذا الحديث، ثم رد العيني تأويله وتمام ذلك فيه.
ومن فوائد هذا الحديث استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين لما روى البخاري ومسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا صلى أحدكم للناس
ج 2 ص 505
فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء )) .
فهذا يدل على أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه، وهذا لا خلاف فيه لأحد ومن ذلك أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة.
قال العيني: وقال بعضهم: وفيه جواز إعادة الصلاة الواحدة مرتين.
قلت: ليس هذا بمطلق لأن إعادتها على سبيل أنهما فرض ممنوعة.
وقال بعضهم: أيضًا وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة بعذر وأما بغير عذر فاستدل به بعضهم أي: بالحديث المذكور.
قلت: في (( شرح المهذب ) ): اختلف العلماء فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها هل يجوز له أن يخرج منها فاستدل أصحابنا بهذا الحديث على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردًا وإن لم يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يجوز لعذر ولغير عذر.
والثاني: لا يجوز مطلقًا.
والثالث: يجوز لعذر ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذر على الأصح.
قلت: أصحابنا لا يجوزون شيئًا من ذلك وهو مشهور مذهب مالك وعن أحمد روايتان؛ لأن فيه إبطال العمل والقرآن قد منع عن ذلك ومن ذلك جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة.
قال بعضهم: إذا كان لعذر.
قلت: يجوز مطلقًا ومن ذلك جواز القول بالبقرة لأن معناه السورة التي يذكر فيها البقرة، وورد أيضًا بسورة البقرة كما ذكرنا ومن ذلك الإنكار في المكروهات والاكتفاء في التعزير في الكلام. انتهى.
ومن ذلك أن التخلف عن الجماعة من صفة المنافق إذا لم يكن عذر.
ومن ذلك اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر.
ومن ذلك جواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهرًا وإن كان له عذر باطنًا للتنفير عن فعل ذلك.
[1] في هامش المخطوط: لعل صواب العبارة: قطع القدوة أو الجماعة كمل يعلم بالتأمل.