فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 1465

59 -وبالسند إلى المؤلف:

قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وتخفيف النونين أبو بكر العَوَقي بفتح العين المهملة والواو وبالقاف البصري المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بصيغة التصغير وبالحاء في آخره وهو لقب له، واسمه عبد الملك بن سليمان أبو يحيى المدني صدوق تكلم بعض الأئمة في حفظه ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه بل خرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها وهذا الحديث منها وإنما أورده عاليًا عن فليح بواسطة محمد بن سنان فقط، ثم أورده نازلًا بواسطة محمد بن فليح وإبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه؛ لأنه أورده في كتاب الرقاق عن محمد بن سنان فقط فأراد أن يعيد هنا طريقًا أخرى ولأجل نزولها قرنها بالرواية الأخرى كذا في (( الفتح ) ).

(ح) لتحويل الإسناد، قال البخاري: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر: (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد القرشي المدني أبو إسحاق.

قال النسائي: ليس به بأس مات سنة ست، وقيل: خمس وثلاثين بالمدينة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) المذكور (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت: (أَبِي) فليح المار ذكره (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ) ويقال له: هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال وهلال بن أسامة نسبة إلى جده وقد يظن أنهم أربعة مع أن الكل واحد (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح التحتية وسين مهملة، مولى ميمونة بنت الحارث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ) أي: الرجال فقط بدليل قوله:

~وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء

أو الرجال معهم نساء إما تبعًا أو شمولًا لشمول قوم كل نبي لأمته رجالًا ونساء.

(جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ) فيه مجيء جواب بينما بدون إذ وإذا وهو عربي فصيح، والأعراب هم سكان البادية لا واحد له من لفظه ولم يعرف اسمه، ونقل البرماوي عن أبي العالية أنه رفيع (فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ) أي: متى قيامها فهو استفهام عن الوقت الذي تقوم فيه القيامة وهو مما استأثر الله تعالى بعلمه (فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ) القوم، وفي رواية المستملي والحموي: بالضمير الراجع إلى المصدر وهو الحديث؛ أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه وليس الضمير عائدًا على الأعرابي.

(فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ) رسول الله (مَا قَالَ) أي: الذي قاله (فَكَرِهَ مَا قَالَ) أي: الذي قال أو شيئًا قاله فحذف العائد وتحتمل المصدرية في المكانين وكان مقتضى الظاهر بسمع ما قال فكرهه فوضع الظاهر مكان

ج 1 ص 394

المضمر؛ لئلا يتوهم عود الضمير إلى الأعرابي ولم أر من نبه على هذه النكتة من الشراح.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ) قوله قال الكرماني: فإن قلت: علام عطف بل لم يسمع إذ لا يصح أن يعطف على ما تقدم إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه بل لا يصح عطف أصلًا على كلام غير العاطف.

قلت: لا نسلم امتناع صحة العطف والإضراب بين كلامي متكلمين وما الدليل عليه سلمنا لكن يكون الكل من كلام البعض الأول على طريقة عطف الفعلين كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول قل بل لم يسمع أو كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ سمع قبله كأنه قال: سمع بل لم يسمع. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا كله تعسف نشأ من عدم الوقوف على أسرار العربية فنقول التحقيق هاهنا أن كلمة بل حرف إضراب فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال وإما الانتقال من غرض إلى غرض وإن تلاها مفرد فهي عاطفة وهاهنا تلاها جملة أعني قوله لم يسمع فكانت للإضراب بمعنى الإبطال. انتهى.

وأقول: يمكن الجواب عن الكرماني بأن كون المعطوف بها جملة غير متعين فله أن يدعي أن المقصود بالعطف الفعل وحده في المعطوف والمعطوف عليه والتقدير ما كره ما قال بل لم يسمع أو يكون كلامه مبنيًا على قول من لم يشترط في كونها عاطفة إفراد معطوفها، فليتأمل.

(حَتَّى إِذَا قَضَى) أي: أكمل رسول الله صلى الله عليه وسلم (حَدِيثَهُ) لأصحابه في ذلك المجلس (قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي: أظن أنه قال: (أين السَّائِلُ) قال في (( الفتح ) ): بالضم على الحكاية والشك من محمد بن فليح ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس بن محمد بن فليح ولفظه: أين السائل ولم يشك. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: وقول بعضهم: السائل بالرفع على الحكاية خطأ والصواب أنه مرفوع على الابتداء وخبره قوله: أين مقدمًا. انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): أين خبر مبتدأ محذوف وفسره الراوي بقوله: أُراه السائل بضم الهمزة؛ أي: أظنه ويصح في السائل الرفع على معنى أراه يريد أين السائل فحذف ما ذكر وذكر ما حذف والنصب على معنى أراه يريد السائل. انتهى.

ولعلكَ تأخذ منه جواب تعقب العيني.

(عَنِ السَّاعَةِ) أي: عن زمانها (قَالَ) أي: الأعرابي (هَا أَنَا) ها للتنبيه.

قال الجوهري: تكون جواب النداء تمد وتقصر وتستعمل المقصورة للتقريب أيضًا إذا قيل لك أين أنت فتقول ها أنا ذا وأنا مبتدأ محذوف الخبر تقديره ها أنا السائل (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ) سواء كانت للخالق كالصلاة أو للمخلوق كالوديعة والعارية (فَانْتَظِرِ السَّاعَة. قَالَ) أي: الأعرابي (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم مجيبًا له (إِذَا وُسِّدَ) بتشديد السين؛ أي: فوض وأسند من وسدته الشيء فتوسده إذا جعله تحت رأسه.

وفي (( المطالع ) ): إذا وسد الأمر لغير أهله كذا لكافة الرواة؛ أي: أسند وجعل إليهم وقلدوه وعند القابسي: (( أسد ) )وقال: الذي أحفظ وسد، وقال هما بمعنى.

قال القاضي: هو كما قال وقد قالوا وساد وإساد واشتقاقهما واحد.

(الأَمْرُ) المتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ) متعلق بوسد لتضمينه معنى أسند ورواه المؤلف في باب رفع الأمانة في أواخر الكتاب إذا أسند الأمر (فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) الفاء للتفريع أو جواب شرط مقدر؛ أي: إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة وليست جواب إذا وسد؛ لأنها لم تتضمن معنى الشرط، قاله العيني تبعًا للكرماني.

أقول: ولم يظهر لي ما المانع من تضمنها معنى الشرط.

قال ابن بطال: فيه أن الأئمة ائتمنهم الله تعالى على عباده وفرض

ج 1 ص 395

عليهم النصح وإذا قلدوا الأمر غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة.

وفي الحديث فوائد:

الأولى: وجوب تعليم السائل إذا تعين المسؤول لذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (( أين السائل ) )ثم أخبره بما سأل عنه.

الثانية: أن من أدب من أراد التعلم ألا يسأل العالم ما دام مشتغلًا بحديث أو غيره.

الثالثة: الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يوبخه على سؤاله قبل إكمال حديثه.

الرابعة: مراجعة العالم عند عدم فهم السائل لقوله كيف إضاعتها.

الخامسة: التبعية على تقديم الأسبق في السؤال؛ لأنه يحتمل أن يكون تأخير الرسول السؤال لكونه كان مشغولًا بجواب سائل آخر فنبه بذلك على أنه يجب على القاضي والمفتي والمدرس تقديم الأسبق لاستحقاقه بالسبق.

وهذا الحديث ثماني الإسناد، ورجاله كلهم مدنيون، وفيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة.

وأخرجه المصنف أيضًا في الرقاق مختصرًا وهو مما تفرد به عن الكتب الستة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت