وبالسند قال:
763 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بالتكبير (بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ) هي أم عبد الله بن عباس أيضًا الراوي عنها، وهي لبابة بنت الحارث زوج العباس، أخت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، والصحيح: أن أول من أسلم بعد خديجة فاطمة أخت عمرو زوجة سعيد بن زيد (سَمِعَتْهُ) أي: سمعت ابن عباس.
قال في (( الفتح ) )وتبعه العيني: وفيه التفات؛ لأن السياق يقتضي أن يقال: سمعتني. انتهى.
وأقول: هذا الالتفات إنما يتأتى على مذهب السكاكي، وعند الجمهور ليس من الالتفات.
(وَهُوَ) أي: ابن عباس (يَقْرَأُ: {وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا} ) فيه حكاية لفظ القرآن بعينه، وإلا لقال: يقرأ المرسلات، وجملة (( وهو يقرأ ) )حالية، والمراد: وهو يقرأ هذه السورة، وهذا ظاهره لاسيما مع الإشارة إليه فيما يأتي قريبًا في هذه السورة، وأنها تسمى بذلك، والمعروف: تسميتها بالمرسلات فقط، فتدبر.
وهذه السورة قد أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في غار في منى، واختلف في معنى المرسلات على أقوال، وفي انتصاب عرفًا على وجهين.
وإلى ذلك أشار البيضاوي بقوله: أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى: بأوامره المتتابعة يعصفن عصف الرياح في الامتثال، ونشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكرًا للمحقين، ونذرًا للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ، ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكر الحق فيما بين الحاكمين، أو بالنفوس الحاكمة المرسلة إلى الأبدان؛ لاستكمالها، فعصفن ونشرن الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرقن بين الحق بذاته، والباطل بنفسه، فيرون كل شيء هالكًا إلا وجهه، فألقين ذكرًا بحيث لا يكون في القلوب، ولا في الألسنة إلا ذكر الله تعالى، أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو، وفرقن فألقين ذكر؛ أي: تسببن به، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى، وتذكر كمال قدرته وعرفًا.
أما نقيد المنكر وانتصابه على العلة؛ أي: أرسلن للإحسان والمعروف، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس، وانتصابه على الحال. انتهى.
فذكر أربعة أقوال في معنى المرسلات، ووجهين في نصب عرفًا الأول أنه مفعول لأجله، والثاني: أنه حال، ومن ضمن كلامه على القول الثاني يستفاد وجه آخر وهو نصبه بنزع الخافض.
(وقالت) أي: أم الفضل (يَا بُنَيَّ) التصغير فيه للشفقة والتحبب (وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي)
ج 2 ص 583
بتشديد الكاف.
قال الكرماني: وفي بعضها: بالتخفيف، وسقط القسم لأبي ذر والأصيلي، والتاء ضمير المخاطب، والمفعول محذوف؛ أي: شيئًا نسيته، كذا قدَّروه، والأنسب أن يكون المفعول: هذه السورة على أنه من التنازع.
(بِقِرَاءَتِكَ السُّورَةَ) منصوب بالمصدر على مختار البصريين؛ لقربه، وبالفعل على مختار الكوفيين السبعة (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ أي: السورة (لآخِرُ) بفتح اللام للتأكيد (مَا سَمِعْتُ) أي: سمعته كما لابن عساكر، وما موصولة أو نكرة موصوفة (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ) أي: في صلاتها.
قال الكرماني: ويقرأ بها إما حال، وإما استئناف، وعلى الحال يحتمل سماعها منه صلى الله عليه وسلم القرآن بعد ذلك، وعلى الاستئناف لا يحتمل. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): صرح عقيل في روايته عن ابن شهاب: أنها آخر صلوات النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه: (( ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله ) )كما سيأتي في الوفاة، وتقدم في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (( أن الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في مرض موته كانت الظهر ) ).
وأن الجمع بينه وبين حديث أم الفضل: بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد، والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما رواه النسائي بلفظ: (( صلى بنا في بيته المغرب، فقرأ بالمرسلات، وما صلى بعدها صلاة حتى قُبض صلى الله عليه وسلم ) ).
لكن يعكر عليه ما أخرجه الترمذي بلفظ: (( خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب بالمرسلات، فما صلى بعدها حتى لقي الله ) ).
ويمكن حمل قولها: (( خرج إلينا ) )أي: من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى من في البيت، فصلى بهم فيه، فتليتم الروايات. انتهى.
والحديث أخرجه المصنف في المغازي، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود، وابن ماجه.