فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 1465

66 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:

قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس الأَصبَحي بفتح الهمزة والموحدة وبالحاء المهملة ابن أخت الإمام مالك (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد.

(مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) بن سهل الأنصاري البخاري المدني التابعي ابن أخي أنس لأمه كان مالك لا يقدم عليه أحدًا في الحديث، توفي سنة اثنين وثلاثين ومائة.

قال البخاري: يقال أنه بقي باليمامة إلى زمن بني هاشم وكان أول دولتهم سنة اثنين وثلاثين ومائة.

(أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، اسمه يزيد (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) وقيل: مولى أخيه علي رضي الله عنه، وقيل: مولى أختهما أم هانئ، كذا في العيني.

وقال الكرماني: وهو مولى أم هانئ لكنه كان يلزم عقيلًا فنسب إليه وكان شيخًا ثبتًا. انتهى.

وكان عقيلًا أسن من علي بعشرين سنة وهما أخوان من الأب والأم شهد بدرًا مع المشركين مكرهًا، وأسر يومئذ ثم أسلم قبل الحديبية وكان من أعلم قريش بأيامها وبأنسابها وبمثالبها ومناقبها، وترك عليًا ولحق بمعاوية ومات بعدما عمي في دولته.

(أخبره عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بكسر القاف وبالدال (اللَّيْثِيِّ) بالمثناة التحتية ثم المثلثة واسمه الحارث المدني شهد بدرًا وروي له عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون حديثًا ذكر البخاري منها هذا الحديث.

قال المقدسي في الكمال: روى له الجماعة إلا البخاري.

قال الكرماني: وهذا سهو منه، مات بمكة سنة ثمان وستين ودفن في مقبرة المهاجرين.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا) بزيادة الميم وسقطت من بعض النسخ (هُوَ جَالِسٌ) مبتدأ وخبر، حال كونه (فِي الْمَسْجِدِ) ويجوز أن يكون ظرفًا لغوًا متعلقًا بجالس وأل في المسجد عوض عن الضمير المضاف إليه؛ أي: مسجده على قول الكوفيين كقوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:41] ؛ أي: مأواه ومنع ذلك البصريون وقدروا في الآية: هي المأوى له.

(وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملة حالية (إِذْ أَقْبَلَ) جواب بينا والعامل فيها معنى المفاجأة المستفادة من (( إذ أقبل ) )قاله الكرماني (ثَلاَثَةُ نَفَرٍ) في الصحاح النفر بالتحريك عدة رجال من الثلاثة إلى العشرة، فأقل ما يمكن هنا أن يكونوا تسعة رجال وهو مشكل؛ لأن الواقع أنهم لم يكونوا إلا ثلاثة رجال.

وأجاب عنه الكرماني فقال: قلت معناه ثلاثة نفر كان النفر هو بيان الثلاثة أو المراد من النفر معناه العرفي إذ هو بحسب العرف يطلق على الرجل فكأنه قال: ثلاثة رجال. انتهى.

وأقول: وفيه نظر؛ لأنه لو كان بمعنى رجل لما صح وقوعه تمييزًا للثلاثة فعجز كلامه يرد صدره حيث قال: فكأنه قال: ثلاثة رجال وكذلك قوله: فإن قلت: تمييز الثلاثة لا بد أن يكون جمعًا، والنفر ليس بجمع

قلت: النفر اسم جمع فهو في وقوعه تمييزًا كالجمع نحو قوله تعالى: {تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل:48] .

فقد نقض ما أثبته ثم استشهد بقول صاحب (( الكشاف ) )إنما جاز تمييز التسعة بالرهط؛ لأنه في معنى الجماعة فكأنه قيل: تسعة أنفس. انتهى.

وهذا أيضًا يؤيد عدم صحة الحمل على الواحد فتأمل.

فالجواب الأول: هو الذي عليه المعول ولهذا اقتصر عليه في (( الفتح ) )فقال: والمعنى ثلاثة هم نفر فجعل الإضافة بيانية كخاتم حديد.

(فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) أي: من تلك الثلاثة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)

ج 1 ص 421

قال في (( الفتح ) )قال: فأقبل اثنان بعد قوله: فأقبل ثلاثة كأنهم أقبلوا أولًا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس: (( فإذا ثلاثة نفر يمرون فلما رأوا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إليه اثنان منهم واستمر الثالث ذاهبًا ) ). انتهى.

وحاصله: أن الإقبال الأول مطلق، والإقبال الثاني مقيد بكونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتفى التكرار.

(وَذَهَبَ وَاحِدٌ) أي: استمر ذاهبًا لم يعرج على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ) أي: أبو واقد (فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: على مجلسه أو (( على ) )هنا بمعنى عند، قاله في (( الفتح ) ).

وتعقبه العيني: بأنها لم تجيء بمعناها فمن ادعى ذلك فعليه البيان من كلام العرب. انتهى.

زاد الترمذي والنسائي وأكثر رواة (( الموطأ ) ): فلما وقفا سلما ولم يذكر المصنف هنا ولا في الصلاة سلامهما، وكذا لم يقع في رواية مسلم.

قال في (( الفتح ) ): ويستفاد منه أن الداخل يبدأ بالسلام وأن القائم يسلم على القاعد وإنما لم يذكر رد السلام عليهما اكتفاء بشهرته، أو يستفاد منه أن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد. انتهى.

وأقول: تقدم لنا في شرح حديث (( وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) ): أن السلام يكره على جماعة منهم المحدث ومن يكرر الفقه ويتذاكر به، ونقلنا أبيات صدر الدين الغزي في ذلك ومن جملتها قوله:

~مصلٍّ وتالٍ ذاكر ومحدث خطيب ومن يصغي إليهم ويسمع

~مكرر فقه جالس لقضائه ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا

والسلام إذا كان مكروهًا لا يجب رده، وأما الجواب بأن المستغرق في العبادة يسقط عنه الرد فهو بإطلاقه غير مسلم بل إن كانت العبادة قراءة قرآن أو حديث أو فقه أو نحوها يسقط الرد وإن كانت غير ذلك كاعتكاف وصوم وتفكر في مصنوعات الله تعالى فلا.

(فَأَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم أداة شرط وتفصيل (أحدهما فَرَأَى فُرْجَةً) بضم الفاء وقد تفتح كما تقدم (فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا) الفاء في (( فرأى ) )في جواب أما، وفي (( فجلس ) )للعطف، وفيه: استحباب التحليق في مجالس الذكر والعلم وفيه: أن من سبق إلى موضع منها كان أحق به (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء بمعنى الثاني.

قال في (( الفتح ) ): وفيه رد على من زعم أنه يختص بالأخير لإطلاقه هنا على الثاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنصب على الظرفية (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا) أي: أدبر مستمرًا في ذهابه.

قال الكرماني: فإن قلت: فهل هذا مكرر لما قال متقدمًا وذهب واحد قلت: علم من ذكره أولًا: أنه لم يقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذكره ثانيًا: أنه أدبر مستمرًا في ذهابه ولم يرجع. انتهى.

(فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي: مما كان مشتغلًا به من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر ونحوه (قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ) (( ألا ) )بالتخفيف أداة عرض وهو الطلب برفق ولين كقوله:

~يا ابن الكرام ألا تدنوا فتبصر ما قد حدثوك فما راءٍ كمن سمعا

وقال العيني: (( ألا ) )حرف تنبيه ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام و (( لا ) )للنفي. انتهى.

وفيه نظر؛ لأن ألا التي للتنبيه تدل على تحقيق ما بعدها نحو: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء} [البقرة:13] ، {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود:8] ، والسوق ينبئ عنه وأبعد منه كون الهمزة للاستفهام و (( لا ) )للنفي إذ كيف يستفهم عن عدم فعل نفسه فتأمل كيف ترك المعنى الظاهر وارتكب جادة التعسف في معنى لا يصح لكنه تبع في ذلك الكرماني.

(عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ) فيه طي تقديره فقالوا: بلى فقال أما أحدهم (فَأَوَى) بقصر الهمزة؛ أي: لجأ (إِلَى اللَّهِ) حيث انضم إلى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم (فَآوَاهُ اللَّهُ إليه) بالمد.

قال القرطبي: الرواية الصحيحة بقصر الأول ومد الثاني وهو المشهور في اللغة وفي القرآن: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف:10] بالقصر {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} [المؤمنون:50] بالمد.

وحكي في اللغة المد والقصر معًا فيهما ومعنى أوى إلى الله: لجأ إلى الله

ج 1 ص 422

أو على الحذف؛ أي: انضم إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى فآواه الله؛ أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه. انتهى.

وفي (( المصابيح ) ): فآواه الله؛ أي: جعل له في المجلس مكانًا وفسحة، وقيل: قربه إلى موضع نبيه، وقيل: يحتمل أن يؤويه الله تعالى إلى ظل عرشه.

قال في (( الفتح ) ): وفيه استحباب الأدب في مجالس العلم وفضل سد خلل الحلقة كما ورد الترغيب في سد خلل الصفوف في الصلاة، وجواز التخطي لسد الخلل ما لم يؤذ فإن خشي استحب له الجلوس حيث ينتهي كما فعل الثاني، وفيه الثناء على من زاحم في طلب الخير.

(وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا) أي: ترك المزاحمة كما فعل رفيقه حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن حضر قاله القاضي عياض.

وقد بين أنس في روايته سبب استحياء هذا الثاني فلفظه عند الحاكم ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس فالمعنى: أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث.

(فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ) أي: جازاه بمثل فعله بأن رحمه ولم يعاقبه وهذا من قبيل المشاكلة وذلك؛ لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذم به وهذا محال على الله عز وجل فيكون مجازًا عن ترك العقاب للاستحياء فيكون من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم.

(وَأَمَّا الآخَرُ) وهو الثالث (فَأَعْرَضَ) أي: عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعرج عليه بل ولى مدبرًا (فَأَعْرَضَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ) أي: جازاه بأن سخط عليه، وهذا أيضًا من باب المشاكلة؛ لأن الإعراض هو الالتفات إلى جهة أخرى وذلك لا يليق في حقه تعالى فيكون مجازًا عن السخط والغضب المجاز عن إرادة الانتقام، ويحتمل أن يكون هذا كان منافقًا فأطلع الله تعالى رسوله على أمره.

قال الكرماني: والقاعدة الكلية في مثل هذه الإطلاقات التي لا يمكن حملها على ظواهرها: أن يراد بها غاياتها ولوازمها، والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي اللزوم والقرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة هي العقل إذ لا يتصور عقلًا صدورها عن الله تعالى، وفي العدول عن الحقيقة إلى المجاز فوائد كثيرة كبيان الشيء بطريق عقلي وكزيادة توضيحٍ وكتحسين اللفظ انتهى ملخصًا.

وفي العيني أخذًا من الكرماني: فإن قلت: هذه الألفاظ الثلاثة إخبار أو دعاء قلت: يحتمل المعنيين في لفظي الإيواء والإعراض لكن ما وقع في رواية أنس: (( وأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عنه ) )يؤيد معنى الإخبار.

وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون من باب التشبيه؛ أي: يفعل الله تعالى كما يفعل المؤوي والمستحيي والمعرض.

وقال الزمخشري: في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] فإن قلت: كيف وصف القديم بالاستحياء ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم وذلك في حديث سلمان قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا ) ).

قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد، وأنه لا يرد يديه صفرًا من عطائه لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياءً منه. انتهى.

وقال العيني: ثم اعلم أن قوله: فأعرض الله عنه محمول على من ذهب معرضًا لا لعذر.

قال القاضي عياض: من أعرض عن نبيه صلى الله عليه وسلم وزهد فيه فليس بمؤمن وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة دنياوية أو ضرورية

ج 1 ص 423

فإعراض الله عنه ترك رحمته وعفوه فلا يثبت له حسنة ولا تمحى عنه سيئة.

وفي الحديث غير ما تقدم عن صاحب (( الفتح ) ): أن من جلس إلى حلقة علم فهو في كنف الله تعالى وفي إيوائه، وهو ممن تضع له الملائكة أجنحتها.

قال ابن بطال: وكذلك يجب على العالم أن يؤوي المتعلم لقوله: فآواه الله، وفيه: أن من أعرض عن مجالس العلم فإن الله يعرض عنه ومن أعرض الله عنه فقد تعرض لسخطه.

وفيه: استحباب التحلق للعلم والذكر في المسجد، وفيه: استحباب القرب من الكبير في الحلقة ليسمع كلامه.

وفيه: أن الإنسان إذا فعل قبيحًا أو مذمومًا وباح به جاز أن ينسب إليه، وفيه: ابتداء العالم جلساءه بالعلم قبل أن يسأل عنه.

وفيه: أن من سبق إلى موضع في مجلس كان هو أحق به لتعلق حقه به في الجلوس كذا في العيني.

ورواة هذا الحديث مدنيون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار ورواية تابعي عن مثله، وأخرجه المؤلف في الصلاة، ومسلم والترمذي في الاستئذان، والنسائي في العلم [1] .

[1] في هامش المخطوط: (( إلى هنا قراءة في هذا الشرح الشريف وقت مطالعة درس التكية بالحرف على المرحوم سيدي العلامة الجد الشيخ بكري ... العطار إلى حين وفاته رحمه الله وأمدني ببركاته وكان ذلك يوم الإثنين في خمس شوال سنة ألف وثلاثمائة وعشرين هجرية كائنة المحصر. عطاء زاده عبد الحميد ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت