وبالسند قال:
794 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيح بالتصغير الكوفي التابعي، مات في خلافة عمر بن العزيز (عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) .
قال العيني: سبحانك منصوب على المصدر وحذف فعله، وهو أسبح ونحوه لازم، وهو علم للتسبيح، ومعناه: التنزيه عن النقائص والعلم لا يضاف إلا إذا أنكر.
وقوله: وبحمدك؛ أي: وسبحت بحمدك؛ أي: بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي، والواو فيه إما للحال وإما لعطف الجملة على الجملة، سواء قلنا إضافة الحمد للفاعل، والمراد من الحمد لازمه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية، أو إلى المفعول ويكون معناه وسبحت ملتبسًا بحمدي لك. انتهى.
(( اللهم اغفر لي ) )أي: يا الله اغفر لي.
قال العيني: وإنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لبيان الافتقار إلى الله تعالى والإذعان له وإظهار العبودية والشكر وطلب الدوام، أو الاستغفار عن ترك الأولى، أو التقصير في بلوغ حق عبادته مع أن نفس الدعاء هو عبادة، وهذا منه صلى الله عليه وسلم عمل بما أمر به في قول الله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر:3] على أحسن الوجوه.
قال: وفي الحديث أن الذكر في الركوع والسجود سنة، ولكن اختلفوا؛
فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وداود: يدعو المصلي بما شاء من الأدعية المذكورة في الأحاديث السابقة في صلاته سواء كانت فرضًا أو نفلًا.
وقال ابن قدامة في (( المغني ) ): ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، فإن زاد دعاء مأثورًا أو ذكرًا ثم ذكر مثل الأدعية المذكورة ههنا، فحسن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
وقال البيهقي: قال الشافعي: يسبح كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبه ويقول كما قال في حديث علي رضي الله عنه وقد مر حديثهما عن قريب.
وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية: السنة للمصلي أن يقول
ج 2 ص 624
في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وذلك أدناه.
وقال الطحاوي: قالوا: لا ينبغي له أن يزيد في ركوعه على سبحان ربي العظيم يرددها ما أحب ولا ينبغي أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات.
وقوله: يرددها؛ أي: يكرر كلمة سبحان ربي العظيم ما شاء فوق الثلاث غير أنه إذا كان إمامًا لا يزيد على الثلاث إلا مقدار ما لا يحصل به المشقة على القوم.
قلت: هذا كله في الفرائض وأما في النوافل فلا بأس به؛ لأن باب النفل أوسع.
وفي (( شرح الطحاوي ) ): يسبح الإمام ثلاثًا، وقيل: أربعًا؛ ليتمكن المقتدي من الثلاث، وعند الماوردي: أدنى الكمال ثلاث والكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس.
وفي بعض (( شروح الهداية ) ): إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى عشرة فهو أفضل عند الإمام وعندهما إلى سبع.
وفي (( المصنف ) ): أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان عن عون عن ابن مسعود قال: ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود.
وأخبرنا ابن مبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن عمر رضي الله عنه كان يقول في الركوع والسجود قدر خمس تسبيحات سبحان الله وبحمده.
وعن أبي الضحى قال: كان علي رضي الله عنه يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.
ثم اختلفوا في الأذكار في الركوع والسجود فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: هي سنة، فلو تركها لم يأثم وصلاته صحيحة سواء تركه سهوًا أو عمدًا، لكن يكره عمدًا.
وقال أحمد وإسحاق: هو واجب فإن تركه عمدًا بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل زاد أحمد ويسجد للسهو وفي رواية عنه أنه سنة.
وقال ابن حزم: هو فرض فإن نسيه يسجد للسهو. انتهى ملخصًا.
وظاهر الحديث: أنه كان يقول ذلك كله في الركوع والسجود.
والمطابقة في: (( اللهم اغفر لي ) )فإنه دعاء في ركوع وكذا في قوله سبحانك اللهم وبحمدك وتأتي قريبًا الترجمة قريبًا بباب التسبيح والدعاء في السجود.
قال ابن الملقن: واختلف العلماء فيما يدعو به الرجل في ركوعه وسجوده فقالت طائفة لا بأس أن يدعو بما أحب ورويت آثار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بها منها اللهم لك ركعت ... إلخ اللهم لك سجدت إلى آخره أخرجهما مسلم من حديث علي.
ومنها في السجود: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك إلى آخره أخرجه مسلم من حديث عائشة وفي رواية فإذا هو راكع أو ساجد يقول سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، ومنها في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، ولم يخرجها البخاري ومنها غير ذلك إلا أن مالكًا كره الدعاء في الركوع، ولم يكرهه في السجود، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أما الركوع فعظم فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.
ثم قال ما حاصله: التسبيح في الركوع والسجود سنة وهو قول الكوفيين والأوزاعي والشافعي وأبي ثور قالوا: إن ترك ذلك فصلاته تامة، وأوجب عليه الإعادة إسحاق، وأهل الظاهر، وكذا أحمد في رواية، وقالوا: لو نسيه لم تبطل ويسجد للسهو. انتهى.
وتقدم مثل ذلك عن العيني.
والحديث أخرجه المؤلف في المغازي والتفسير، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في الصلاة.