فهرس الكتاب

الصفحة 1293 من 1465

وبالسند قال:

813 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التبوذكي (قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بن يحيى (عَنْ يَحْيَى) ابن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتحتين ابن عبد الرحمن (قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه (فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ) بتاء الخطاب (بِنَا إِلَى النَّخْلِ) وسقط للأصيلي: (( بنا ) ) (نَتَحَدَّثْ) بالجزم للأكثر في جواب العرض لأنه طلب.

وقال القسطلاني: حال كوننا نتحدث بالجزم في الفرع، ولأبي ذر: (( نتحدث ) )بالرفع انتهى.

وفيه نظر، والصواب حال كوننا نتحدث بالرفع لأبي ذر، وفي الفرع: (( نتحدث ) )بالجزم جوابًا لشرط محذوف مع فعله؛ أي: أن تخرج نتحدث، ولعل ذلك انقلاب من قلم الناسخ فتأمله.

(فَخَرَجَ) أبو سعيد (فَقَالَ) ولأبي ذر والأصيلي: بحذف الفاء (قُلْتُ) ولأبي ذر والأصيلي: (( فقلت ) ) (حَدِّثْنِي) بالأمر بالصيغة (مَا سَمِعْتَ) بفتح الفوقية (مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) التي هي خير من ألف شهر، وتقدم الكلام عليها في باب قيام ليلة القدر من الإيمان.

(قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) وللأصيلي: (( النبي ) ) (عَشْرَ الأُوَلِ) بفتح العين وسكون السين والإضافة إلى الأول بضم الهمزة وفتح الواو جمع الأولى مؤنثة الأول، وللأصيلي وابن عساكر وأبوي الوقت وذر: (( العشر الأول ) )بجعل الأول صفة للعشر، وفي بعض النسخ: (( الأول ) )بفتح الهمزة وتشديد الواو بإفراد الصفة وتذكيرها إجراء للعشر مجرى الاسم المفرد، فكأنه صار علمًا بالغلبة، وفي بعض النسخ: (( الأول ) )بفتح الهمزة وتشديد الواو من غير ذكر العشر، كما نبه على ذلك صاحب (( المصابيح ) )، وصاحب (( المنحة ) )وكان اعتكافه عليه الصلاة والسلام في مسجده الشريف تلك الليالي.

(مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ) عليهما الصلاة والسلام (فَقَالَ) للنبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ) بفتح الهمزة بالنصب على الظرفية متعلق بمحذوف وجوبًا خبرًا لأن.

وقال البرماوي: أمامك بالرفع خبر أن، وفيه أن أمام ظرف مكان مبهم وليس المطلوب نفسه بل ما يقع فيه.

(فَاعْتَكَفَ) صلى الله عليه وسلم (الْعَشْرَ الأَوْسَطَ) قال في (( المصابيح ) ): هكذا أكثر الروايات ووجه بأنه جاء على لفظ العشر؛ لأنه مذكر، وروي: (( الوسط ) )بواو وسين مضمومتين جمع واسط كبزل وبازل على أنه لو قيل هنا الوسط بفتح السين جمع وسطى لكان حسنًا انتهى.

أي: مع بقاء الواو على ضمها مثل كبرى وكبر.

وقال القسطلاني: والمراد بالعشر الليالي وكان حقها أن توصف بلفظ التأنيث، ووصفت بالمذكر على إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلث كأنه قال: ليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر انتهى.

وإنما قال: والمراد بالعشر الليالي لمجيئها في الحديث بدون تاء ولو كان المراد الإمام لقال العشرة فلا يفهم منه أنه اعتكف الليالي دون الأيام، بل المراد الليالي مع أيامها فإن الغالب في الاستعمال ذكر الليالي لسبقها كقول المؤرخين: كتب لخمس مضين من شهر كذا، وقال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف:142] .

(فَاعْتَكَفْنَا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (( واعتكفنا ) )بالواو (مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ) عليه الصلاة والسلام، ومقتضى السوق أن المجيء إليه في المرتين كان بعد تمام العشرين (فَقَالَ: الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، قَامَ) كذا لأبي ذر، ورواه الأصيلي: (( فقام ) )، وفي رواية: (( ثم قام ) ).

(النَّبِيُّ

ج 2 ص 647

صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا، صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) أي: صبيحة يوم عشرين (مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي: معي، قال القسطلاني: فهو من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة انتهى.

وأقول: فيه نظر إذ لم يسبق من النبي صلى الله عليه وسلم تكلم ليكون انتقاله إلى الغيبة التفاتًا، وإن أراد التكلم الذي يقتضيه المقام ففيه التفات لكن على مذهب السكاكي كقوله: تطاول ليلك بالإثمد كما هو مقرر في محله.

(فَلْيَرْجِعْ) بكسر الجيم؛ أي: إلى الاعتكاف (فَإِنِّي أُرِيتُ) بالبناء للمفعول من الرؤيا القلبية؛ أي: أعلمت أو من البصرية، ويدل له رواية الحموي والمستملي: (( فإني رأيت ) )؛ أي: أبصرت (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) قال شيخ الإسلام: أي: علامتها وهي السجود في الماء والطين انتهى.

وتبعه القسطلاني، وإنما جعل المرئي العلامة لا نفس الليلة؛ لأنها حصة من الزمان، والزمان لا يرى، وإنما المرئي علاماته مثل طلوع الشمس وغروبها مثلًا فسقط قول من قال أي مانع من الحمل على الظاهر.

(وَإِنِّي نُسِّيتُهَا) بتشديد السين والبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: (( أنسيتها ) )بضم الهمزة، ولأبي ذر: (( نسيتها ) )من المجرد، والأولى أولى لقوله في بعض الأخبار: (( إني لا أنسى ) )بفتح الهمزة، (( وإنما أنسى ) )بضمها وتشديد السين لأسن، والمراد بنسيانها نسيان تعيينها (وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ) بكسر الخاء جمع آخرة بكسرها أيضًا.

قال في (( المصابيح ) ): وهذا جار على القياس، قال ابن الحاجب: ولا يقال هنا جمع لأخرى لعدم دلالتها على التأخير الوجودي وهو مراد وفيه بحث انتهى.

وقال الطيبي: وصف العشر الأول والأوسط بالمفرد، والآخر بالجمع؛ لأنه تصور في كل ليلة من ليالي العشر الأخير ليلة القدر فجمع ولا كذلك في العشرين انتهى فتأمله.

(فِي وِتْرٍ) بكسر الواو الفرد، وبالفتح الذحل ولغة أهل الحجاز بالضد وتميم تكسر الواو فيهما، قاله العيني وغيره.

والذحل: بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة الحقد والعداوة، كما في (( الصحاح ) )ويكون أيضًا المفتوح والمكسور بمعنى الفرد ومنه والوتر في سورة الفجر.

(وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ) وهذه رؤيا منامية، لكن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قسم من الوحي (وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا) أي: من السحاب (فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ) بفتح القاف والزاي وقد تسكن وبفتح العين المهملة قطعة من سحاب رقيق، وقيل: هي السحاب المتفرق (فَأُمْطِرْنَا) بالبناء للمفعول.

(فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ) ولابن عساكر: (( تقديم الماء ) )والأثر بفتحتين وقد تكسر الهمزة وتسكن المثلثة العلامة (عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ) وللأصيلي: (( النبي ) ) (صلى الله عليه وسلم وَأَرْنَبَتِهِ) بفتح الهمزة وسكون الراء وبفتح النون والموحدة طرف أنفه، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، وتعقب بأنه ورد في بعض طرقه ووجهه ممتلئ طينًا وماء.

وأجاب النووي: بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة.

وقال الخطابي: فيه دلالة على وجوب السجود على الجبهة والأنف، ولولا ذلك لصانهما عن أثر الطين.

ورده ابن المنير: بأن أصل الفعل لا يدل على الوجوب فلعله أخذ بالأكمل، وأخذ الوجوب من قوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )عورض بأن المندوب في أفعال الصلاة أكثر من الواجب فعارض الغالب ذلك الأصل.

وقوله: (تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ) بالرفع، كما قاله الكرماني على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو؛ أي: ما ذكر من أثر الطين والماء، لكن في الفرع وأصله بالنصب فقط، ولعله مفعول لأجله، ويوجد في رواية ابن عساكر زيادة وهي: (( قال أبو عبد الله: كان الحميدي يحتج بهذا الحديث يقول: لا يمسح الساجد جبهته من أثر الطين ) )، وفي بعض النسخ: (( من أثر الأرض ) )، وفي بعض النسخ: (( قال أبو عبد: كان الحميدي يحتج بهذا الحديث لا يمسح الجبهة في الصلاة بل يمسح بعد الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الماء في أرنبة وجهه بعد ما صلى ) ).

وحديث الباب أخرجه المصنف في الصلاة، والصوم، والاعتكاف، ومسلم في الصوم، وأبو داود في الصلاة، والنسائي في الاعتكاف، وابن ماجه في الصوم.

وفي الحديث: (( أن رؤيا الأنبياء حق ) )وفيه موافقة القوم لرئيسهم فيما لا يخالف الشرع وأن ليلة القدر لا تختص بليلة معينة وإبهامها لحكمة وهو الاجتهاد في جميع ليالي رمضان أو العشر الأواخر منه كإبهام ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليجتهد في سائر ساعاته، وكإخفاء الولي في الناس ليعظم

ج 2 ص 648

كل مسلم، وكإخفاء الاسم الأعظم في أسمائه تعالى ليعظم كل اسم منها ويدعى بجميعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت