فهرس الكتاب

الصفحة 1320 من 1465

قال ابن الملقن: ففيه دليلان على وجوب التشهد:

أحدهما: قول ابن مسعود قبل أن يفرض علينا التشهد فدل على أنه قد فرض.

والثاني: قوله: قولوا وهو أمر والأمر للوجوب.

قال الكرماني: قال مالك والكوفيون: ليس كل أمره للوجوب؛ لأن التسبيح في الركوع والسجود ليس بواجب، وقد ورد: (( أنه عليه الصلاة والسلام لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74] قال: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] قال: اجعلوها في سجودكم ) ).

وقد يأمر بالسنن كما يأمر بالفرائض، والجلسة الأخيرة وإن كانت فريضة فليس ذلك لذكرها بل للسلام.

وأجاب: بأن الأمر حقيقة للوجوب فلا بد من حمله عليه إلا إذا دل دليل على خلافه كما في مسألة التسبيح، فإنه لولا الإجماع على عدم الوجوب لحملناه على الوجوب، ثم قولكم: إنما هي للسلام ممنوع، ولهذا أوجبتم القعود بقدر قراءة التحيات، ولولا أنه لها لما احتاج إلى هذا القدر بل يكفي لحظة.

قال صاحب (( الهداية ) ): القعدة الأخيرة مقدار التشهد فرض، وأما قراءة التشهد فيها والقعدة الأولى فواجبتان، وقال في موضع آخر: القعدتان والقراءة فيهما كل ذلك واجب انتهى كلام الكرماني.

وتعقبه صاحب (( الفتح ) )فقال: وفي دعوى الإجماع نظر، فإن أحمد يقول بوجوبه، ويقول بوجوب التشهد الأول أيضًا انتهى.

وقوله: (( التحيات لله ... إلخ ) )مقول ليقل وهي جمع تحية.

قال في (( الفتح ) ): ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية الملك نفسه لكنها الكلام الذي يحيا به الملك.

وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله تعالى.

قال الخطابي ثم البغوي: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى، فلهذا أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم فقال: قولوا التحيات لله أي أنواع التعظيم له.

وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المقدم ذكرها وكونها بمعنى السلام أنسب هنا انتهى.

وقال الخطابي: روي عن أنس في تفسير التحيات لله قال: هي أسماء الله السلام، المؤمن، المهيمن، الحي، القيوم، العزيز، الأحد، الصمد قال: التحيات لله تعالى بهذه الأسماء وهي الطيبات لا يحيا بها غيره والصلوات.

قال في (( الفتح ) ): قيل: المراد الخمس أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: المراد الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات الصدقات المالية انتهى.

والطيبات أصح ما قيل فيها أنها ما طاب

ج 2 ص 661

من القول والكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقول الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم.

قال ابن دقيق العيد: إذا حمل التحية على السلام فيكون التقدير التحيات التي يعظم بها الملوك مستمرة لله تعالى، وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به، وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة، وإذا حملت الصلوات على العهد أو الجنس كان التقدير أنها لله واجبة لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله لله أنه المتفضل بها؛ لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر.

وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فيشمل الأفعال والأقوال والأوصاف وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب.

وقال القرطبي: قوله: لله فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة؛ أي: أن ذلك لا يفعل إلا لله، ويحتمل أن يراد به الاعتراف بأن ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله تعالى، كذا في (( الفتح ) ).

وقال أيضًا: قال البيضاوي: يحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفًا على التحيات، ويحتمل أن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف، والطيبات معطوفة عليها والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة والثانية لعطف المفرد على الجملة [1] .

وقال ابن مالك: إذا جعلت التحيات مبتدأ ولم تكن صفة لموصوف محذوف كان قولك: والصلوات مبتدأ؛ لئلا يعطف نعت على منعوته فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكل جملة مستقلة بفائدتها، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو انتهى.

وفي نسخة صحيحة وهذا المعنى لا يوجد من غير إسقاط فليحرر ما هو الصواب منهما.

(السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) : أي: السلامة من المكاره أو السلام الذي وجه للرسل والأنبياء المتقدمين موجه إليك.

قال في (( الفتح ) ): قال النووي: يجوز فيه وفيما بعده؛ أي: السلام حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات (( الصحيحين ) ).

قلت: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم.

قال الطيبي: أصل سلام عليكم سلمت سلامًا عليك ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتدائية للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري؛ أي: ذلك السلام الذي وجه للأنبياء والرسل عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد وعن من يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن تكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59] قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة انتهى.

وحكى صاحب الإقليد: عن أبي حامد: أن التنكير فيه للتعظيم وهو وجه من وجوه الترجيح لا يقصر عن الوجوه المتقدمة.

وقال البيضاوي: علمهم أن يفردوه بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصصوا أنفسهم أولًا؛ لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم باتباعهم السلام على الصالحين إعلامًا بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم.

وقال التوربشتي: ومعنى قولنا: السلام عليك الدعاء؛ أي: سلمت من المكاره، وقيل: معناه اسم السلام عليك كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى، فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟.

فالجواب: أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول: السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى الصالحين؟.

أجاب الطيبي مما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: أن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حرم الحي الذي لا يموت فقرت أعينهم بالمناجاة فتنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وببركة متابعته فالتفتوا، فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر

ج 2 ص 662

فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته انتهى.

وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم فيقال: بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال: بلفظ الغيبة وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور.

ففي الاستئذان من (( صحيح البخاري ) )من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال: (( وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي ) )، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في (( صحيحه ) )والسراج، والجوزقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري وفيه بلفظ: (( فلما قبض قلنا: السلام على النبي ) )بحذف لفظ يعني.

وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم.

قال السبكي في (( شرح المنهاج ) )بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: وإن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير واجب فيقال: السلام على النبي، قلت: قد صح بلا ريب وقد وجدت له متابعًا قويًا.

قال عبد الرزاق: أنبا ابن جريج: أخبرني عطاء: (( أن الصحابة كانوا يقولون والنبي صلى الله عليه وسلم حي السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي ) )، وهذا إسناد صحيح، وأما ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد ) )فذكره قال: فقال ابن عباس إنما كنا نقول: (( السلام عليك أيها النبي ) )إذ كان حيًا فقال ابن مسعود: هكذا علمنا وهكذا نعلم، فظاهره أن ابن عباس قاله بخفاء، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصح؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والإسناد إليه مع ذلك ضعيف.

فإن قيل: لما عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة مع أن الوصف بالرسالة أعم في حق البشر.

أجاب بعضهم: بأن الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين لكون وصفه بالرسالة في آخر التشهد، وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة، لكن التصريح بهما أبلغ، قيل: والحكمة في تقديم وصف النبوة أنها كذلك وجدت في الخارج لنزول قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [الأعلى:1] قبل قوله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:1 - 2] انتهى.

(وَرَحْمَةُ اللَّهِ) أي: إحسانه أو إرادة إحسانه (وَبَرَكَاتُهُ) أي: زيادته من كل خير (السَّلاَمُ عَلَيْنَا) معشر المصلين (وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) من عطف العام على الخاص، وقدم نفسه؛ لأن المستحب في الدعاء البداءة بالنفس علمهم السلام عليهم وعلى الصالحين وفاء بحقهم بعد الوفاء الواجب بحقه الواجب الاهتمام به وتقديمه.

وقال الكرماني: اعلم أنهم كانوا يسلمون على الله أولًا ثم على أشخاص معينين فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بكيفية الثناء على الله تعالى، ثم أعلمهم أن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، وأمرهم بإفراد صلاة الله تعالى عليه بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، وتخصيص أنفسهم فإن الاهتمام بها أهم، ثم أتبعه بشهادة التوحيد لله تعالى والرسالة لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنها منبع الخيرات وأساس الكمالات، ثم عقبه بالصلاة عليه ليجمع له الفضيلتين الصلاة والسلام انتهى.

قال في (( الفتح ) ): والأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته.

قال الترمذي الحكيم: من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبدًا صالحًا وإلا حرم هذا الفضل العظيم.

وقال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين يعني ليتوافق لفظه مع قصده انتهى.

وأقول: الأولى أن يفسر الصالحون هنا بمطلق المسلمين كما أفاده بعض مشايخنا مستدلًا به على أن المراد بالصالح مطلق المسلم في قوله عليه الصلاة والسلام: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) ).

قال المناوي: أي: مسلم وإذا فسرنا الصالح بالمسلم ثبت للمصلي زيادة أجر؛ لأن تحيته ودعاءه يكون شاملًا لجميع المسلمين، ولا ريب أن التعميم في الدعاء أفضل، ولذا قال السبكي: تارك الصلاة مخل بحق جميع المسلمين لإخلاله في حقهم فليتأمل.

(فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا) أي: هذه الكلمة يعني على عباد الله الصالحين (أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ) من الملائكة (وَالأَرْضِ) من البشر ومؤمني الجن وهي جملة معترضة بالفاء بين جملة السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وبين جملة

ج 2 ص 663

أشهد أن لا إله إلا الله.

قال في (( الفتح ) ): وإنما قدمت للاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحدًا واحدًا، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك فعلمهم لفظًا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعود، وأن محمدًا علم فواتح الخير وخواتمه كما تقدم، وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا، وتأخير الكلام المذكور بعد وهو من تصرف الرواة وسيأتي آخر الصلاة انتهى.

وقوله: (( أصابت كل عبد ... إلخ ) )قال الكرماني: فيه دليل على أن الجمع المحلى بأل للاستغراق وإن كان جمع قلة؛ لأن افتراق القلة والكثرة في النكرات لا في المعارف.

وقال القرطبي: فيه دليل على أن جمع التكسير للعموم.

قال في (( الفتح ) ): وفي هذه العبارة نظر.

وأقول: لعل وجه النظر أن الصالحين جمع تصحيح لا جمع تكسير، والظاهر أن القرطبي أراد عباد المضاف إلى لفظ الجلالة فإن المفرد المضاف يعم، وكذلك جمع التكسير كما في غلام زيد ويبعد غاية البعد أن يتوهم القرطبي أن الصالحين جمع تكسير فليتأمل.

قال في (( الفتح ) ): واستدل به على أن للعموم صيغة.

قال ابن دقيق العيد: وهو مقطوع به عندنا في (( لسان العرب ) )وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة، وقوله: (( في السماء والأرض ) )في رواية مسدد عن يحيى أو بين السماء والأرض والشك فيه من مسدد، وإلا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ: (( من أهل السماء والأرض ) )أخرجه الإسماعيلي وغيره.

(أَشْهَدُ) بفتح الهمزة؛ أي: أعترف وأقر مذعنًا (أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) أي: لا معبود بحق إلا الذات الواجب الوجود المسمى بهذا الاسم الأنفس زاد ابن أبي شيبة بسند ضعيف كالدارقطني وحده لا شريك له، وثبتت هذه الزيادة في مسلم وفي (( الموطأ ) )في الموقوف، ورواه أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد: (( أشهد أن لا إله إلا الله، قال ابن عمر: زدت فيه وحده لا شريك له ) )وهذا ظاهر الوقف، قاله في (( الفتح ) ).

(وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) بالإضافة إلى الضمير في اللفظين في سائر الطرق.

قال في (( الفتح ) ): لم تختلف الطرق عن ابن مسدد في ذلك، وكذا هو في حديث أبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وجابر، وابن الزبير عند الطحاوي وغيره، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: (( بينا النبي صلى الله عليه وسلم يعلم التشهد إذ قال رجل: وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده فقال عليه الصلاة والسلام: لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولًا قل عبده ورسوله ) ). ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.

وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السنن: (( وأشهد أن محمدًا رسول الله ) )ومنهم من حذف أشهد، ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود.

قال الترمذي: حديث ابن مسعود روي عنه من غير وجه وهو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم قال: وذهب الشافعي إلى حديث ابن عباس في التشهد، وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالًا انتهى.

ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في (( شرح السنة ) )، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقاة لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقينًا، فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه قال: (( أخذت التشهد من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقننيه كلمة كلمة ) ).

وقد تقدم أن في رواية أبي معمر عنه: (( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه ) )، ولابن أبي شيبة وغيره من رواية جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عنه قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن ) )، وقد وافقه على هذا اللفظ أبو سعيد الخدري، وساقه بلفظ ابن مسعود، وأخرجه الطحاوي لكن هذا الأخير ثبت مثله في حديث ابن عباس عند مسلم، ورجح أيضًا ثبوت الواو في الصلوات والطيبات وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه فتكون كل جملة ثناء مستقلًا بخلاف ما إذا حذفت فتكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح فيكون

ج 2 ص 664

أولى، ولو قيل: أن الواو مقدرة في الثاني، ورجح أيضًا بأنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره فإنه مجرد حكاية، ولأحمد من حديث ابن مسعود: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس ولم يفعل ذلك لغيره ) )ففيه دليل على مزيته.

وقال الشافعي بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة وكان هذا أحب إلي؛ لأنه من أكملها، وقال في موضع آخر وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس مما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا: كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ورجحه بعضهم بكونه مناسبًا للفظ القرآن في قوله: {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61] .

وأما من رجحه بكون ابن عباس من أحداث الصحابة فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو بكون إسناد حديثه حجازيًا وإسناد ابن مسعود كوفيًا وهو مما يرجح به فلا طائل فيه لمن أنصف انتهى.

وحديث ابن عباس أخرجه مسلم وأرباب السنن، ولم يخرجه البخاري بلفظ: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن كان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله ) ).

وقال ابن رجب: ولم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وأجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من روايات أخر فيها بعض مخالفة لحديث ابن مسعود بزيادة ونقص، وقد خرج مسلم حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري، ونص على ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق.

وحديث أبي موسى فيه: (( التحيات الطيبات الصلوات لله ) )، وباقيه كتشهد ابن مسعود وحديث ابن عباس فيه: (( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ) )، وباقيه كتشهد ابن مسعود غير أن في آخره: (( وأشهد أن محمدًا رسول الله ) )وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التشهدات فإنه تصح الصلاة به.

حكى طائفة الإجماع على ذلك، لكن اختلفوا في أفضل التشهدات، فذهب الأكثرون إلى ترجيح تشهد ابن مسعود وتفضيله والأخذ به، وقد روى ابن عمر أن أبا بكر كان يعلمهم على المنبر مثل حديث ابن مسعود، وهو قول علماء العراق من أهل الكوفة والبصرة من التابعين ومن بعدهم.

وذكر الترمذي أن العمل على تشهد ابن مسعود عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وأنه قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وأهل الرأي وكثير من أهل المشرق، وحكاه ابن عبد البر عن أكثر أهل الحديث.

وروي عن خصيف أنه قال: (( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله اختلف علينا في التشهد فقال: عليك بتشهد ابن مسعود ) ).

ومن أصحابنا من قال: يجب التشهد بتشهد ابن مسعود، ولا يجزئ أن يسقط منه واوًا ولا ألفًا، والمحققون من أصحابنا على أنه يجوز التشهد بجميع أنواع التشهدات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم كما نص عليه أحمد، والأفضل عند الشافعي تشهد ابن عباس الذي أخرجه مسلم عنه مرفوعًا، وهو قول الليث، والأفضل عند مالك تشهد عمر بن الخطاب، وذكره في (( الموطأ ) )موقوفًا على عمر أنه كان يعلمه الناس على المنبر يقول: (( قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الصلوات لله ) )، وباقيه كتشهد ابن مسعود، وإليه ذهب الزهري، ومعمر، وروي عن عمر مرفوعًا من وجوه لا تثبت انتهى ملخصًا.

وقد ذكر العيني في التشهد ثلاثة عشر تشهدًا لثلاثة عشر صحابيًا ثم قال: اختلف في التشهد هل هو واجب أم سنة؟ فقال الشافعي وطائفة: التشهد الأول سنة والأخير واجب.

وقال جمهور المحدثين: هما واجبان، وقال أحمد: الأول واجب، والثاني فرض، ثم قال: والسنة في التشهد الإخفاء لما روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود: (( من السنة أن يخفي التشهد ) )وقال: حسن غريب.

وعند الحاكم عن عبد الله: (( من السنة أن يخفي التشهد ) ): وقال صحيح على شرط مسلم.

وأخرج ابن خزيمة في (( صحيحه ) )عن عائشة قالت: (( نزلت هذه الآية في التشهد: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء:110] ) )وقال الحاكم: على شرط مسلم انتهى.

قال القفال

ج 2 ص 665

في (( فتاويه ) ): ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين؛ لأن المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولابد أن يقول في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فيكون مقصرًا في خدمة الله تعالى، وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة المسلمين، ولذلك عظمت المصيبة بتركها، واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله تعالى، وأن من تركها أخل بحق جميع المؤمنين من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها: (( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) ).

وفي العيني من حديث عائشة: أنها كانت تقول في التشهد في الصلاة في وسطها وفي آخرها قولًا واحدًا: (( بسم الله، التحيات لله، الصلوات لله، الزاكيات لله ) )، ولم يثبت الأئمة التسمية في ابتدائه.

قال ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) ): نا وكيع، عن إسحاق بن يحيى، عن المسيب بن رافع: سمع ابن مسعود رجلًا يقول في التشهد: (( بسم الله فقال: إنما يقال هذا على الطعام ) )انتهى.

[1] في هامش الأصل: (( بدل عليه عليك ) )ولم يتضح لها مكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت