وبالسند قال:
839 -840 - (حَدَّثنَا عَبْدَانِ) بفتح العين لقب عبد الله بن عثمان المروزي (قَالَ: أَخْبَرنَا عَبْدُ اللهِ) : بن المبارك ومن عادة البخاري حيث أطلق عبد الله في الصحابة، فمراده به ابن مسعود وحيث أطلقه في التابعين فمراده به ابن المبارك (أَخْبَرنَا مُعَمِرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ) مكبرًا.
(وَزَعَمَ) هنا القول مطلقًا أعم من أن يكون محققًا أو غير محقق فنصدق بالمحقق وهو المراد هنا لكونه إخبار صحابي عما وقع له والمعبر به الزهري ويبعد عليه الشك فيه.
(أَنَّهُ عَقَلَ) بفتح القاف؛ أي: علم وضبط (مَجَّةً) بفتح الميم وتشديد الجيم المرة من المج وهو الإلقاء وجملة (مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ) صفة مجه ومن بيانية أو ابتدائية.
(كَانَ) أي: الدلو (فِي دَارِهِمْ) ولأبوي ذر والوقت: (( كانت ) )؛ أي: من بئر كانت في دارهم فـ (( كانت ) )صفة
ج 2 ص 674
محذوف يدل عليه الدلو قاله الكرماني، وقال غيره: لا حاجة إلى تقدير؛ لأن الدلو يذكر ويؤنث والتأنيث أكثر.
وتعقبه العيني فقال: التقدير لا بد منه لأن الدلو لا يكون فيه ماء إلا من بئر ونحوه.
قال في الانتقاض: كذا قال بصيغة التبري وفيه إشارة إلى عدم تسليم ذلك، وأنه قد يكون ما فيها من الماء من حوض أو نهر فلا يخرجها عن كونها دلوًا.
(قَالَ) محمود بن الربيع (سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ) .
قال في (( الفتح ) ): بنصب (( أحد ) )عطفًا على الأنصاري وهو بمعنى الأنصاري ثم السالمي هذا الذي يكاد يقطع به.
وقال الكرماني: يحتمل عطفه على عتبان، فيكون غيره وسماعه منه بعد عتبان ويظهر أن المراد به الحصين بن محمد، فإن محمودًا سمع من عتبان ومن الحصين.
قال: وهو يخالف ما تقدم في باب المساجد في البيوت من أن الزهري هو الذي سمع محمودًا والحصين، لكنه لا منافاة بينهما لاحتمال أن الزهري ومحمودًا سمعا من الحصين.
قال: ولو روي برفع أحد عطفًا على محمود لساغ ووافق الرواية الأولى إذ يصير التقدير: قال الزهري أخبرني محمود بن الربيع ثم أخبرني أحد بني سالم؛ أي: الحصين. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): وكأن الحامل له قول الزهري فيما سبق ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري وهو أحد بني سالم، فكأنه ظن أن المراد بقوله هنا: أحد بني سالم هو المراد بقوله هناك أحد بني سالم ولا حاجة لذلك، فإن عتبان أيضًا من بني سالم اتفاقًا والأصل عدم تقدير أخبرني بين ثم وأحد وعلى الاحتمال الذي ذكره إشكال آخر؛ لأنه يلزم منه أن الحصين بن محمد هو صاحب القصة، أو أنها تعددت له ولعتبان وليس كذلك، فإن الحصين المذكور لا صحبة له بل لم أر من ذكر أباه في الصحابة.
وذكر ابن أبي حاتم: الحصين بن محمد في الجرح والتعديل ولم يذكر له شيخًا غير عتبان، ونقل عن أبيه أن روايته عنه مرسلة ولم يذكر أحد لمحمود بن الربيع رواية عن الحصين. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا القائل ذكر أولًا شيئًا وهو حط على الكرماني في الباطن، ثم أظهره بعد ذلك بما لا يجديه من وجوه:
الأول: أنه غير غالب عبارة الكرماني في النقل لتمشية كلامه يتأمله من يقف عليه.
الثاني: أن الكرماني ما جزم بما ذكره، بل قال بالاحتمال وباب الاحتمال مفتوح.
الثالث: أن قوله فكأنه ظن ... إلخ لا يتوجه الرد به، فإن محل الظن ظاهر أو العبارة تؤدي إلى ذلك ظاهرًا ثم توجيهه الرد بقوله فإن عتبان من بني سالم أيضًا غير موجه؛ لأن كون عتبان من بني سالم لا ينافي كون الحصين من بني سالم أيضًا، ولا يمنع إخبار الزهري عنه أيضًا.
الرابع: أن قوله يلزم عنه أن يكون الحصين بن محمد هو صاحب القصة المذكورة ليس كذلك؛ لأن الملازمة ممنوعة؛ لأن كون الحصين غير صحابي لا يقتضي الملازمة التي ذكرها؛ لأنه يحتمل أن يكون الحصين قد سمع القصة المذكورة من صحابي آخر والراوي طوى ذكره اكتفاء بذكر عتبان.
الخامس: أن تأييد ما ادعاه بما ذكره عن ابن أبي حاتم غير سديد ولا مجدٍ له؛ لأن عدم ذكر ابن أبي حاتم للحصين شيخًا غير عتبان لا يستلزم أن لا يكون له شيخ آخر أو أكثر وهذا ظاهر. انتهى.
ولم يتعرض لدفع شيء من هذه التعقبات في (( الانتقاض ) ).
(قَالَ) عتبان (كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي) أي: بهم (بَنِي سَالِمٍ) بدل من قومي أو عطف بيان (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ) أي: له (إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي) مؤكدًا بأن، وتقدمت القصة والكلام عليها في باب المساجد في البيوت (وَإِنَّ السُّيُولَ) جمع سيل بالتحتية بعد السين المهملة وهي ما اجتمع من المطر (تَحُولُ) أي: تحجز.
(بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى واللام موطئة للقسم؛ أي: فوالله لتمنيت (أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي) عبر بصيغة الماضي تفاؤلًا بوقوع ذلك (مَكَانًا) منصوب على الظرفية؛ لأنه اسم مكان مبهم وظرف المكان لا يقبله إلا كذلك.
(أَتَّخِذَهُ) بالرفع نعت لـ (( مكانًا ) )ويجوز فيه الجزم في جواب التمني، ولغير أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: (( حتى أتخذه ) ) (مَسْجِدًا، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم.
(أَفْعَلُ) ما وددته (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) تعالى وقوله: (فَغَدَا عَلَيَّ) ... إلخ من كلام عتبان وغدا بالغين المعجمة والدال المهملة؛ أي: جاءني بالغدو وهو ما قبل الزوال (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (مَعَهُ) جملة حالية
ج 2 ص 675
ويحتمل أن يكون أبو بكر معطوفًا على رسول الله فيكون الظرف حالًا من أبو [1] بكر أو ظرفًا لغوًا متعلقًا بغدا.
(بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ) مجاز عقلي؛ أي: اشتد حر الشمس فيه وذلك قبل الزوال والاشتداد إضافي بالنظر إلى أول النهار فلا يرد أن بعد الزوال أشد حرًا.
قال عتبان: (فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي: في الدخول لبيتي (فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ) معطوف على دخل مقدرًا؛ أي: دخل فلم يجلس.
(حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ) (( من ) )بيان للمراد، بـ (( أين ) )وتحتمل الظرفية كقوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة:9] .
(فَأَشَارَ إِلَيْهِ) ظاهره أن الضمير في أشار لعتبان وأنه من الالتفات على مذهب السكاكي ومقتضى الظاهر فأشرت قال في المنحة فيه التفات إذ السياق يقتضي أن يقال فأشرت إليه وهو الموافق لرواية سبقت.
وجزم الكرماني بأنه لا التفات فيه حيث قال فأشار أي النبي صلى الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو المكان المحبوب لي أن يصلي فيه ويحتمل أن (( من ) )للتبعيض ولا ينافي ما سبق من قوله فأشرت لاحتمال أن كلًا من النبي صلى الله عليه وسلم وعتبان أشار. انتهى ملخصًا.
فعليه يكون في ذلك معجزة له صلى الله عليه وسلم حيث أشار إلى المكان الذي كان مراد عتبان أن يصلي فيه. انتهى.
وقال في (( الفتح ) ): والذي يظهر أن فاعل أشار هو عتبان لكن فيه التفات إذ ظاهر السياق أن يقول فأشرت ... إلخ.
وتعقبه العيني فقال: الذي قاله الكرماني أولى وأحرى؛ لأن فيه إظهار معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أشار إلى المكان الذي كان في قلب عتبان أن يصلي فيه فأشار إليه قبل أن يعينه عتبان. انتهى.
(فَقَامَ) صلى الله عليه وسلم (فَصَفَفْنَا) بفاء العطف فصاد مهملة ففائين، وللأصيلي: (( وصففنا ) )بالواو (خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ) عطفًا على مقدر؛ أي: فصلى بنا ثم سلم (وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم.
وفيه المطابقة فإن ظاهره أنهم سلموا مع سلامه وسلام الصلاة غايته اثنتان فمن ادعى ثالثة يحتاج إلى دليل مخصوص.
وقال التيمي: فإن مشيخة مسجد المهاجرين يسلمون واحدة ولا يردون على الإمام ومسجد الأنصار تسليمتين.
وقال مالك: يسلم المأموم عن يمينه ثم يرد على الإمام بثانية ثم يسلم الثانية.
وقالت الحنفية والشافعية والحنابلة: يكتفى بتسليمتين للإمام، والمأموم والمنفرد ينوي المؤتم من على يمينه من إمام ومأموم في الأولى ومن على يساره منهم في [الثانية] وبسط ذلك في كتب الفروع.
[1] لعل الصواب: (( أبي ) ).