وبالسند قال:
853 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) : بن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) : بن سعيد القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) مصغرًا هو العمري (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : ابن الخطاب رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ) سنة سبع من الهجرة.
قال الداودي: قال ذلك حين أراد الخروج إلى غزوة خيبر أو حين قدومه منها، ورده ابن التين وقال: الصواب أنه قاله في نفس الغزاة ولا مانع من أن يخبرهم بذلك في السفر.
قال في (( الفتح ) ): وكأن الذي حمل الداودي على ذلك قوله في الحديث: (( فلا يقربن مسجدنا ) )لأن الظاهر أن المراد به مسجد المدينة بناء على أن النهي خاص بالمسجد النبوي كما حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم لكن ضعفه بل هو عام في سائر المساجد فالإضافة في مسجدنا لعموم المسلمين
ويؤيده رواية أحمد (( فلا يقربن المساجد ) )ونحوه لمسلم وهذا يدفع قول من خص النهي بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي.
وقد حكاه ابن بطال عن بعض أهل العلم ووهاه.
وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء هل النهي للمسجد الحرام خاصة أو في المساجد؟ قال: بل في المساجد. انتهى.
وقوله: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَعْنِي الثُّومَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا) شرط وجوابه.
قال في (( الفتح ) ): يحتمل أن قائل يعني الثوم عبيد الله العمري فقد روى السراج عن نافع بدونها ولفظه: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم يوم خيبر ) )وزاد مسلم من طريق عبيد الله: (( حتى يذهب ريحها ) ).
وقال ابن بطال: من أكل ... إلخ يدل على إباحة أكل الثوم لأنه لفظ إباحة، ورد ابن المنير: بأن هذه الصيغة إنما تفيد أن من وجد منه ما ذكر وهو أعم من كونه مباحًا أو غيره لكن يدل على الإباحة أحاديث أخر: منها ما في هذا الباب من قوله لبعض أصحابه: (( كل فإني أناجي من لا تناجي ) ).
ومنها ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري: (( قال لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك البقلة الثوم والناس جياع فأكلنا منها أكلًا شديدًا ثم رحنا إلى المسجد فوجد عليه الصلاة والسلام الريح فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في المسجد فقال الناس: حرمت حرمت فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها فهذا صريح في حلها حتى للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان فيه خلاف ) ).
قال ابن الملقن: فيه إباحة أكل الثوم والبصل ونحوهما وهو إجماع وتسميتها خبيثة في رواية مسلم المراد به المستكرهة.
وعند أهل الظاهر فحرموها لإفضائها إلى ترك الجماعة وهي عندهم فرض عين و أسلفنا أنه قال: ليس لي تحريم ما أحل الله لي بل الأصح أنه يكره في حقه وقد أكله جماعة من السلف.
وقال الكرماني: اختلف أصحابنا في الثوم هل كان حرامًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كان تركه تنزيهًا.
وظاهر الحديث أنه لم يكن محرمًا عليه
ج 2 ص 692
قالوا: يلحق بالثوم كل ما له رائحة كريهة.
وقال بعضهم: ويلحق به من كان به بخر في فيه أو به جرح له رائحة وكذا القصاب والسماك والمجذوم والأبرص وقاسوا مجامع العبادات على مجامع الصلاة في المسجد قال: وفيه دليل على المنع من دخول المسجد وإن كان خاليًا لأنه محل الملائكة. انتهى.
وفي هذا الحديث ونحوه إطلاق الشجر على الثوم والبصل والكراث ونحوها وهو مجاز لأن المعروف في اللغة أن الشجر ما كان له ساق من النبات وأما ما لا ساق له منه فيقال له: نجم وبهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن:6] وقيل: إن كل ما له أرومة أي أصل في الأرض يخلف ما قطع منه فهو شجر وإلا فهو نجم ومنهم من قال بين الشجر والنجم عموم وخصوص مطلق فكل نجم شجر ولا عكس كما بين النخل والشجر.
وقال الخطابي: في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم والعامة لا تعرف الشجر إلا الذي له ساق يحمل أغصانه دون ما يسقط على الأرض.
وقال الكرماني: قد يطلق كل منهما على الآخر وتكلم أفصح الفصحاء به أقوى الدلائل. انتهى.
وأقول: تكلمه صلى الله عليه وسلم به لا يقتضي الحقيقة لأن الأحاديث مشحونة بالمجاز لا سيما وقد صرحوا بأن المجاز أبلغ من الحقيقة فليتأمل.