وبالسند قال:
878 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بالمد الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة البصري اسم جد عبد الله ووالد
ج 2 ص 713
جويرية الآتي كما في (( التقريب ) )وسقط: للأصيلي (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: (( أخبرنا ) ).
(جُوَيْرِيَةُ) تصغير جارية ولأبي ذر: (( جويرية بن أسماء ) )وهو عم محمد الراوي عنه (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ) أبيه (، ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (بَيْنَمَا) بالميم وفي أكثر النسخ: (( بينا بلا ميم ) ).
قال في (( الفتح ) ): أصلها بين وأشبعت الفتحة وقد تبقى بلا إشباع وتزاد فيها: ما فتبقى بينما.
قال العيني: وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى الجملة الفعلية والإسمية ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى.
(هُوَ قَائِمٌ) : أي: على المنبر (فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وقوله: (إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ) جواب بينما والأفصح أن لا يقع إذ وإذا في جوابها، ولأبوي ذر والوقت: (( إذا جاء رجل ) )وهو عثمان كما بينه الشافعي، وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في ذلك.
(مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) : أي: ممن عد من أهل بدر وإن لم يشهدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالإقامة بالمدنية لتمريض ابنته التي زوجه إياها لكن ضرب له بسهم من الغنيمة؛ لأن تخلفه كان لعذر، وكذلك من أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة وإن لم يكن حاضرًا معهم وقت المبايعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أرسله إلى مكة ليخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يجئ مقاتلًا إنما جاء معتمرًا فلم يمكنوه من الرجوع فورًا حتى أرجف بأنهم قتلوه فلما بايعت الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم بايع عنه بشماله وقال: هذه يد عثمان أو من صلى إلى القبلتين أو هاجر الهجرتين وبذلك فسرهم سعيد بن المسيب.
واستوجه هذا في (( الفتح ) )لسبقه على الإطلاق فإن من هاجر بعد تحويل القبلة وقبل وقعة بدر هو آخر بالنسبة لمن هاجر قبل التحويل.
وقوله: (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) كالتأكيد مما يفهم، من المهاجرين الأولين؛ لأنه تصريح بما علم التزامًا (فَنَادَاهُ عُمَرُ) ابن الخطاب فقال له: (أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟) ألحق التاء لـ (( أي ) )لاكتسابها التأنيث من المضاف إليه.
قال الكرماني: وفي مثله يجوز التذكير والتأنيث يقال: أي امرأة جاءتك وأية امرأة جاءتك والاستفهام للإنكار التوبيخي.
قال في (( الفتح ) ): ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة وفي رواية مسلم: (( فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ) ).
والذي يظهر أن عمر قال جميع ذلك فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر.
ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي رغب فيها، وأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف كما يأتي، وهذا أحسن التعريضات وأرشق الكنايات وأليق بمقام عثمان وقد فهم عثمان ذلك فبادر إلى الاعتذار
والساعة: قال العيني: اسم لجزء من الزمان مخصوص ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة، وتطلق أيضًا على جزءٍ ما، غير مقدر من الزمان ولا يتحقق وعلى الوقت الحاضر والهندسي يقسم اليوم على انثي عشر قسمًا وكذا الليلة طالا أم قصرا فيسمونه ساعة انتهى.
وأرباب الفلك يسمون الساعات التي يكون بها النهار دائمًا انثي عشر ساعة طال أو قصر والليل، كذلك الساعات الزمانية والساعات التي تزيد كميتها بزيادة النهار وتنقص كميتها بنقصه، يسمونها بالساعات المستوية لاستوائها وعدم تغيرها بطول النهار مثلًا وقصره، وكل ساعة منها خمسة عشر درجة لا تزيد عليها ولا تنقص عنها.
(فَقَالَ) الرجل وهو عثمان كما مر (إِنِّي شُغِلْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: شغلني شيء وعاقني (فَلَمْ أَنْقَلِبْ) : أي: أرجع (إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ) : أي: التأذين بين يدي الخطيب وقد بين سبب شغله في رواية عبد الرحمن بن مهدي: حيث انقلبت من السوق فسمعت النداء.
(فَلَمْ أَزِدْ) بكسر الزاي؛ أي: فلم اشتغل بشيء بعد سماع الأذان إلا بالوضوء، وفيه إشارة إلى أنه دخل المسجد في ابتداء شروع عمر في الخطبة (أَنْ تَوَضَّأْتُ) قال العيني وتبعه القسطلاني: كلمة أن هنا صلة زيدت لتأكيد النفي انتهى.
أقول ولا يخفى تعسفه لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلأن المتبادر أنها مصدرية منصوبة المحل بعد حذف حرف الجر والأصل فلم أزد على أن توضأت وحرف الجر يحذف قبل أن المشددة وأن المخففة المصدريتين قياسًا مطردًا.
وأما معنىً فلأن الوضوء ليس منفيًا حتى تكون أن مؤكدة لنفيه بل المنفي الزيادة عليه فليتأمل.
(فَقَالَ) عمر منكرًا إنكارًا آخر على تركه غسل الجمعة الذي هو سنة مؤكدة (وَالْوُضُوءُ أَيْضًا) بالواو ونصب الوضوء.
قال في (( الفتح ) ): كذا في روايتنا وعليه اقتصر النووي في (( شرح مسلم ) )؛
ج 2 ص 714
أي: والوضوء أيضًا اقتصرت عليه واخترته دون الغسل، والمعنى أما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت على الوضوء.
وقال القرطبي: الواو عوض عن همزة الاستفهام كقراءة ابن كثير: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ} [الأعراف:123] وكذا ذكره الزركشي في (( التنقيح ) ).
وتعقبه في (( المصابيح ) ): بأن إبدال الهمزة في الآية واوًا صحيح لوقوعها مفتوحة بعد ضمة وليس في الحديث كذلك فلا وجه لإبدالها فلو جعل على تقدير الهمزة من جواز حذفها قياسًا عند أمن اللبس لكان جاريًا على مذهب الأخفش ومن وافقه؛ أي: ارتخص الوضوء والقرينة الحالية المقتضية للإنكار شاهدة بذلك فلا لبس.
ثم نقل الزركشي عن ابن السيد أنه روي بالرفع على لفظ الخبر والصواب الوضوء بالمد على لفظ الاستفهام كقوله تعالى: {قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ} [يونس:59] .
قلت: نقل كلام ابن السيد بقصد توجيه ما في البخاري به غلط فإن كلام ابن السيد في حديث الموطأ، وليس فيه واو وإنما هو: فقال له عمر الوضوء أيضًا، وهذا يمكن فيه المد بجعل همزة الاستفهام داخلة على همزة الوصل.
وأما في حديث البخاري فالواو داخلة على همزة الوصل فلا يمكن الإتيان بعدها بهمزة الاستفهام على ما هو معروف في محله انتهى؛ أي: لأن همزة الاستفهام لتمام صدارتها لا تتأخر عن حرف العطف بل تتقدم عليه فلا تجتمع مع همزة الوصل التي بعد حرف العطف لتبدل همزة الوصل ألفًا.
وأقول: يمكن حمل كلام الزركشي على رواية الحموي والمستملي فإن روايتهما بدون واو كرواية الموطأ بعينها فلا يكون نقل كلام ابن السيد في توجيه ما في البخاري غلطًا؛ لأن روايتهما عن البخاري فتوجيهها توجيه لما في البخاري فتأمل.
والحاصل: أن ما في البخاري جاء بالواو وبتركها وعليهما فالوضوء مرفوع ومنصوب وقد مر توجيهها.
قال في (( الفتح ) ): ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه اكتفاء بالاعتذار الأول؛ لأنه أشار إلى أنه كان ذاهلًا عن الوقت وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل، وكل منهما مرغب فآثر سماع الخطبة ولعله كان يرى فرضيته فلذلك آثره انتهى.
وأقول: السعي إلى الجمعة بعد الأذان واجب سواء سمع الخطبة أم لم يسمعها فتعليل ترك الغسل به أولى.
وقد نقل العيني وجوب السعي بهذا الأذان عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر علماء الأمصار.
(وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) هذه الجملة حال من فاعل الفعل المقدر العامل في الوضوء وقيل: من الوضوء وفيه نظر.
ورواه جويرية عن نافع بلفظ: (( وقد علمت أنا كنا نؤمر بالغسل ) )، ففيه بيان المأمور.
قال في (( الفتح ) ): وفي حديث ابن عباس عند الطحاوي في هذه القصة: أن عمر قال له: لقد علم أنا أمرنا بالغسل قلت: أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جمعيًا.
قال: لا أدري رواته ثقات إلا أنه معلول، وقد وقع في رواية أبي هريرة في هذه القصة أن عمر قال: (( ألم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل ) ).
كذا هو في (( الصحيحين ) )وغيرهما وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين الأولين.
وفي هذا الحديث من الفوائد القيام في الخطبة وعلى المنبر وتفقد الإمام رعيته وأمره لهم بمصالح دينهم وإنكاره على من أخل بالفضل وإن كان عظيم المحل ومواجهته بالإنكار ليرتدع من هو دونه بذلك، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها، وسقوط منع الكلام عن المخاطب بذلك، وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمور وإباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء
ولو أفضى إلى ترك فضيلة البكور إلى الجمعة لأن عمر لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصة.
واستدل به مالك على أن السوق لا يمنع يوم الجمعة قبل النداء لكونها كانت في زمن عمر ولكون الذاهب إليها مثل عثمان.
وفيه شهود الفضلاء السوق ومعاناة المتجر فيها، وفيه أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين.
وقال عياض: فيه حجة؛ لأن السعي إنما يجب بسماع الأذان وأن شهود الخطبة لا يجب وهو مقتضى قول أكثر المالكية.
وتعقب بأنه لا يلزم من التأخر إلى سماع النداء فوات الخطبة بل تقدم ما يدل على أنه لم يفت عثمان من الخطبة شيء وعلى تقدير أن يكون
ج 2 ص 715
فاته منها شيء فليس فيه دليل على أنه لا يجب شهودها على من تنعقد به الجمعة.
واستدل به على أن غسل الجمعة واجب لقطع عمر الخطبة وإنكاره على عثمان تركه وهو متعقب؛ لأنه أنكر عليه ترك السنة المذكورة وهي التبكير إلى الجمعة فيكون الغسل كذلك وعلى أن الغسل ليس شرطًا لصحة الجمعة وسيأتي البحث فيه في الحديث الذي بعده انتهى بحروفه.
والحديث أخرجه الترمذي في الصلاة ومطابقته للترجمة في الجزء الأول منها وهو فضيلة الغسل.